
المقدمة
تُعدُّ قصة سيدنا موسى والعبد الصالح في سورة الكهف من أكثر القصص القرآنية التي تثير تساؤلات فكرية وتأملات عميقة حول مفهوم العلم، والصبر، والإحاطة بالأحداث، إضافةً إلى طبيعة الأفعال التي قام بها العبد الصالح والتي بدت لموسى عليه السلام غير مألوفة ومثيرة للدهشة. ومن بين هذه الأفعال، كان قتل الغلام الحدث الأكثر جدلًا، حيث شكّل موضع استنكار من قِبَل موسى عليه السلام وفقًا لمنظوره الأخلاقي والشريعة التي جاء بها.
يهدف هذا البحث إلى إعادة دراسة مفهوم “القتل” في السياق القرآني، بعيدًا عن الفهم السطحي الذي يحصره في إزهاق الروح، وذلك من خلال تحليل دلالاته اللغوية والقرآنية، واستكشاف مدى ارتباطه بمفاهيم التغيير، والإزالة، والاستبدال. كما يسعى البحث إلى تفكيك العبارات المستخدمة في قصة الغلام، مثل “نفسًا زكية بغير نفس” و**”فأردنا أن يبدلهما ربهما”**، لتوضيح علاقتها بالسياق العام للقصة ودلالاتها في ضوء الاستخدامات القرآنية لكلمة “قتل”.
إن أهمية هذا التحليل تنبع من ضرورة تجاوز القراءة التقليدية للنصوص القرآنية، والتعمق في معانيها باستخدام أدوات لغوية وسياقية تساعد على فهم أوسع للحكمة الإلهية الكامنة خلف الأحداث. كما يبرز البحث العلاقة بين الإحاطة بالعلم والصبر على الأحداث، وهي القضية المحورية في الحوار بين موسى عليه السلام والعبد الصالح، مما يفتح الباب أمام تأملات أعمق حول إدراك الإنسان للقدر الإلهي وفهمه لمجريات الأمور.
العلاقة بين سيدنا موسى والعبد في سورة الكهف: تحليل دلالي
تبدأ العلاقة بين سيدنا موسى والعبد الصالح في سورة الكهف عند نقطة التقاء موسى به أثناء ارتداده مقتفياً أثره، كما ورد في قوله تعالى:
“قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًۭا فَوَجَدَا عَبْدًۭا مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةًۭ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًۭا”
(الكهف: 64-65)
وقد بدأت العلاقة عندما طلب سيدنا موسى من العبد أن يسمح له بمرافقته ليتعلم منه، حيث قال:
“قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًۭا”
(الكهف: 66)
إلا أن العبد الصالح أجابه محذراً إياه من عدم قدرته على الصبر، حيث قال:
“قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًۭا”
(الكهف: 67)
وأرجع العبد سبب عدم قدرة موسى على الصبر إلى افتقاره للإحاطة الكاملة بما سيجري أمامه:
“وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا”
(الكهف: 68)
وهذا يدل على أن الإحاطة والخبرة بجميع جوانب الحدث هي التي تجعل الإنسان قادراً على الصبر على نتائجه. ومن هنا، فإن جميع الأحداث اللاحقة التي سيشهدها موسى، كان العبد الصالح محيطًا بها علمًا مسبقًا، أي إنه كان على دراية بجميع تفاصيلها، واتخذ قراراته بناءً على هذه المعرفة. غير أن موسى، لعدم إحاطته بها، تعجّب من جميع أفعاله ولم يستطع الصبر عليها.
القرارات المتخذة ودلالاتها
أولًا: خرق السفينة
كان أول قرار اتخذه العبد هو خرق السفينة، وهو ما يعكس إحاطته بعلم مسبق حول السفينة والملك الذي كان يسعى للاستيلاء عليها:
“فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا”
(الكهف: 71)
ويلاحظ أن الخرق وقع مباشرة بعد ركوب السفينة، مما يدل على أن العبد كان يقصدها بعينها، وأنه اتخذ قراره بناءً على معرفته المسبقة بما سيحدث.
ثانيًا: قتل الغلام
بعد ذلك، انطلقا فالتقيا غلامًا، فقام العبد بقتله:
“فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًۭا فَقَتَلَهُ”
(الكهف: 74)
وهنا، يُلاحظ استخدام الفاء في “فقتلَهُ”، والتي تفيد التتابع مع احتمال وجود فترة زمنية قصيرة بين اللقاء والقتل. وهذا يختلف عن تعبير “خرقها” الذي ورد دون الفاء، مما قد يشير إلى أن هناك حوارًا أو تفاعلاً قد جرى بين العبد والغلام قبل تنفيذ الفعل.
دلالة كلمة “قتل” في السياق القرآني
المعنى الشائع لمفهوم “القتل” عند الناس هو إزهاق الروح وإنهاء الحياة. إلا أن دلالة الكلمة في اللغة العربية وفي الاستخدام القرآني تتعدى هذا الفهم الضيق، حيث ذُكرت في القرآن في سياقات مختلفة تدل على معانٍ أوسع.
على سبيل المثال، نجد في قوله تعالى:
“وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَابِكُمْ”
(آل عمران: 144)
يظهر هنا تمييز واضح بين الموت والقتل، مما يدل على أن القتل قد لا يكون دائمًا مرادفًا للموت، إذ يمكن أن يكون هناك موت بلا قتل، كما يمكن أن يكون هناك قتل لا يؤدي إلى موت بيولوجي.
وفي سياق آخر، يرد في قوله تعالى:
“يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا”
(النساء: 29)
هنا، لا يُفهم “قتل النفس” بالمعنى الحرفي، وإنما يُشير إلى التسبب في أذى نفسي شديد يؤدي إلى الشعور بالغبن والقهر، نتيجة أكل أموال الناس بالباطل.
كذلك، في قوله تعالى:
“فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ”
(التوبة: 5)
يدل استخدام “فاقتلوا” هنا على اتخاذ إجراء حاسم ضد المشركين، ولكنه لا يعني بالضرورة القتل المادي، حيث إن الله سبحانه وتعالى يذكر بعدها إمكانية التوبة، وهي لا تكون إلا للأحياء، مما يشير إلى أن القتل قد يعني أيضًا التغيير الجذري في الحالة أو الموقف.
استنتاج دلالي لمفهوم القتل
بناءً على ما سبق، يمكن استخلاص أن مفهوم “القتل” في السياق القرآني قد يحمل دلالات أوسع تشمل:
- إزالة الحياة: إذا كان القتل متعلقًا بجسد الإنسان، فقد يكون إنهاءً للحياة كما هو متعارف عليه.
- تغيير الحالة: إذا كان القتل مرتبطًا بحالة فكرية أو نفسية، فقد يعني إزالة الفكرة أو تبديل المعتقد من خلال حوار فكري يقود إلى التحول والتغيير.
وبناءً على ذلك، فإن قتل الغلام في قصة موسى والعبد الصالح قد لا يكون مجرد إنهاء للحياة، بل ربما يشير إلى تغيير جذري في وضع معين وفقًا لحكمة لا يدركها موسى في البداية.
في سياقات عديدة، يمكن أن يحمل مفهوم “القتل” دلالات تتجاوز إنهاء الحياة البيولوجية، ليشمل إزالة أثر الشخص من منصب أو مهمة معينة، كما يحدث في ظاهرة “اغتيال الشخصية” التي تعتمد على نشر الإشاعات حول شخص مؤثر حتى ينفض الناس من حوله، مما يؤدي إلى القضاء على تأثيره الاجتماعي دون المساس بحياته الجسدية. بناءً على ذلك، يُطرح التساؤل: هل يمكن استخدام كلمة “قتل” بمعنى إزالة شخص عن وظيفته أو استبداله بآخر؟
تحليل قوله تعالى: “فَانطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ”
بعد أن قتل العبد الصالح الغلام، كان رد فعل موسى عليه السلام:
“قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًۭا زَكِيَّةًۭ بِغَيْرِ نَفْسٍۢ ۖ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًۭٔا نُّكْرًۭا”
(الكهف: 74)
يُظهر هذا الاعتراض من موسى عليه السلام استنكارًا أخلاقيًا ومجتمعيًا للفعل، حيث وصفه بأنه “شيء نُكر”، أي فعل منكر وغير مقبول اجتماعيًا. ومن المثير للاهتمام أن الشريعة التي جاء بها موسى نفسها تنصّ على أن “مَنْ ضَرَبَ إنسانًا فمات يُقتل قتلاً”، ولكن مع ذلك، لم يقل موسى للعبد: “لقد ارتكبت جريمة كبرى”، بل اكتفى بالاستنكار لأن القتل لم يكن جزاءً على جريمة قتل أخرى، مما يشير إلى فهم مختلف لمعنى القتل في هذا السياق.
تحليل دلالة عبارة “بِغَيْرِ نَفْسٍ”
الفهم التقليدي لعبارة “نفسًا بغير نفس” هو أن الغلام لم يكن قد قتل أحدًا حتى يكون موته عقوبة على جريمة سابقة. لكن إذا نظرنا إلى “غير” في اللغة العربية، نجد أنها تفيد نفي الاسم الواقع بعدها، مما يعني أن “بغير نفس” قد تدل على أن القتل وقع دون أن يكون هناك “نفس” بديلة له.
وهذا ما يُفسّر استغراب موسى عليه السلام من أن العبد قتل “نفسًا زكية”، أي نفسًا مؤهلة ومزكاة للقيام بمهمة معينة، ولكنه لم يأتِ ببديل لها، مما جعله يستنكر غياب التعويض. وهذا يدلّ على أن القتل في هذا السياق لا يعني بالضرورة الإزهاق الجسدي للروح، بل يمكن أن يعني إزالة شخص من منصبه أو وظيفته دون توفير بديل يحلّ مكانه.
دلالة “حتى” في الآية ودورها في تحديد القصدية
“فَانطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًۭا فَقَتَلَهُ”
يلاحظ في هذه الآية استخدام “حتى”، وهي أداة تفيد الوصول إلى غاية محددة. وهذا يشير إلى أن العبد الصالح كان يقصد لقاء الغلام بعينه، ولم يكن الأمر عشوائيًا، بل كان مدركًا مسبقًا لصفاته وأفعاله المستقبلية، كما أخبر موسى في بداية القصة:
“وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًۭا”
(الكهف: 68)
وبذلك، فإن اتخاذ العبد لقرار “قتل” الغلام جاء بناءً على معرفته المسبقة بما سيؤول إليه أمره، أي أنه كان يهدف إلى إزالته من موقعه دون استبداله بآخر، وهو ما أثار اعتراض موسى عليه السلام، حيث كان المتوقع في العرف السائد أن يتم تعويض النفس التي أُزيلت.
تحليل قول العبد الصالح: “فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا”
“وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا”
(الكهف: 80)
يستخدم العبد الصالح هنا لفظ “فَخَشِينَا”، وهو مصطلح يحمل دلالة أعمق من مجرد الخوف. فالخشية تعبر عن خوف نابع من معرفة دقيقة وإدراك عميق للعواقب. وهذا يدل على أن العبد لم يكن يتصرف بناءً على توقعات مجردة، بل بناءً على إحاطة مسبقة بالأحداث المستقبلية للغلام، حيث كان يعلم علمًا يقينيًا أن هذا الغلام سيرهق والديه “طغيانًا وكفرًا”، أي أنه سيتسبب لهما بمحنة كبيرة قد تؤثر على إيمانهما وسلامتهما.
تحليل عبارة “فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا”
“فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًۭا مِّنْهُ زَكَوٰةًۭ وَأَقْرَبَ رُحْمًۭا”
(الكهف: 81)
هنا تبرز نقطة لغوية دقيقة، حيث قال العبد: “فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا” بدلًا من “فأراد ربك أن يبدلهما”، كما ورد في قصة اليتيمين لاحقًا:
“وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًۭا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا”
(الكهف: 82)
يطرح هذا الاختلاف تساؤلًا: لماذا لم يقل العبد “فأراد ربك أن يبدلهما” كما قال لاحقًا؟
لفهم ذلك، يمكننا الرجوع إلى استخدام كلمة “رب” في القرآن، مثل قول سيدنا يوسف:
“وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍۭ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ”
(يوسف: 42)
حيث يشير “ربك” هنا إلى سيد السجين، أي رب عمله وليس بالضرورة الله تعالى. وبالقياس على ذلك، فإن عبارة “رَبُّهُمَا” في الآية قد تعني “رب عمل الأبوين”، أي الجهة أو المؤسسة التي لها سلطة منح أو استبدال غلام لهما، وهو ما يشبه في العصر الحديث أنظمة التبني والرعاية الاجتماعية التي توفر للأطفال أسرًا بديلة.
الاستنتاج النهائي
بناءً على هذا التحليل، يمكن فهم قتل الغلام في سياق سورة الكهف على أنه لم يكن بالضرورة إزهاقًا لحياته، بل قد يكون إبعاده عن موقعه أو وظيفته دون استبداله بآخر، مما أثار استغراب موسى عليه السلام. كما أن تعبير “يبدلهما ربهما” يشير إلى تدخل جهة ذات سلطة في تعيين غلام آخر لهما، وليس إلى موت الغلام بالضرورة.
وبذلك، يمكن القول إن القتل في بعض السياقات القرآنية قد يحمل معنى “الإزالة” أو “التغيير”، وليس فقط إنهاء الحياة البيولوجية، وهو ما يتوافق مع الاستخدامات اللغوية الأخرى لمفهوم القتل في القرآن الكريم.