لماذا الله ليس عادلا؟

لماذا لم يقل القرآن أن الله عادل؟
قراءة قرآنية في العدل والقسط والميزان
مقدمة
يحتل مفهوم العدل موقعًا مركزيًا في الخطاب القرآني ، غير أن حضوره لا يأتي منفردًا، بل متشابكًا مع مفاهيم أخرى أبرزها القِسط والميزان. ويكشف التدبر السياقي للآيات القرآنية أن القرآن لا يتعامل مع هذه المفاهيم بوصفها مترادفات لغوية كما نجدها في الخطاب الوعظي والتفسير الفقهي السائد، بل باعتبارها مستويات متمايزة داخل منظومة واحدة، تبدأ من الداخل الإنساني، وتمتد إلى الاجتماع البشري، وتنتهي إلى مآل كوني أخروي.
وتُثير هذه الدراسة سؤالًا لافتًا:
لماذا يأمر الله بالعدل، ويأمر بالحكم بالعدل، دون أن يصف نفسه صراحة بأنه “عادل”؟
لماذا نجد في القرآن ان الله يحب المقسطين ولم نجد مثل هذا الوصف للعادلين من الناس. هل فعلا لا يحبهم؟
هذا البحث يسعى للإجابة عبر تحليل بنيوي للمفاهيم الثلاثة : العدل ،القسط والميزان من حيث الدلالة والمفهوم والمعني داخل السياق القرآني.
أولًا: العدل (ع د ل):
الدلالة الصوتية:
معاني اصوات الحروف تعطينا دلالة الكلمة
حرف العين (ع)
حرف حلقي عميق، يخرج من أقصى الحلق، يدل على الظهور بعد خفاء، والفاعلية الداخلية، والامتلاء بالحياة ،وفيه معنى الإشراق من الداخل لا السطح.
دلالته في (عدل) :
ان العدل يبدأ بحالة وعي داخلي، ينبع من عمق النفس لا من قانون مفروض فقط ، فهو فاعلية أخلاقية حية.
حرف الدال (د):
هو حرف انفجاري شديد، قاطع لا يحمل إحساسا ذوقيا أو سمعيا أو بصريا، شميا او شعوريا فهو يدل على الحدّ، الفصل، القطع و الصرامة.
دلالته في (عدل): ان العدل يحتاج الحسم لا التردد وفيه فصل واضح بين الحق وغيره.
حرف اللام (ل):
حرف لين، جانبي و فيه امتداد يدل على الاحتواء، الانسيابية ، الوصل والاستقامة. فبعد الحسم (الدال) يأتي الاحتواء والاستقامة بحيث يحقق التوازن ويوصل كل شيء إلى موضعه الطبيعي.
وبعد جمع معاني اصوات الحروف نصل لدلالة العدل وهي:
العدل هو فاعلية داخلية واعية (ع)، تمارس بحسم و حدة (د) وتنتهي بتوازن واحتواء واستقامة (ل).
ولهذا فالعدل ليس مساواة حسابية ولا عاطفة بل ميزان حي يبدأ من الوعي يمر بالحسم ويستقر بالوصول الى التوازن.
ومن هنا نصل للمفهوم العام للعدل فهو يشير الى القدرة و الملكة الداخلية للانسان للتحرك والتفاعل بحسم واتزان في مسار محدد وفقا للمرجعية المعينة في نهاية هذا المسار. وبذلك يصبح العدل عملية قابلة للتوجيه، فبحسب المرجعية يكون اتجاه العدل، وبالتالي لا يخلو من الميل. ولهذا السبب لا يصف الله نفسه بأنه عادل ولم يذكر أنه يقوم بالعدل .
قد يثير البعض تساؤلا واعتراضا على هذا النفي مفاده كيف تنفى عن الله وصف العدل، مع كماله المطلق وتنزهه عن الظلم والقران نفسه يذكر ان الله ليس بظلام للعبيد
وهذا الاعتراض في ذاته ناتج عن عدم التمييز بين (العدل) بوصفه عملية للاتزان والانضباط نحو مرجعية ما، وبين (الحق) بوصفه حقيقة مطلقة. وناتج ايضا من اتخاذ العدل نقيضا للظلم
فالعدل في السياق القرآني ليس صفة ثابتة وجامدة، بل فعل حركي يقوم على الموازنة ، داخل مرجعية معينة. ومن ثم فهو مفهوم علائقي، لا يتحقق إلا بوجود: أطراف متعددة وميزان أو معيار ثم تعتري صاحبه احتمالية الميل أو الانحراف لو اختل الاتزان. ولهذا جاء العدل في القرآن مأمورا به الإنسان:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}
{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}
وجاء في الاية التالية استحالته عندما يكون بين النساء ولكن مع ذلك أمر بالحرص من ان تنفلت الأمور ويصبح ميلا كليا وشاملا:
{وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة النساء: 129]
مما يدل على أن العدل عبارة عن حركة نفسية داخلية يتم تفعيلها في الخارج لتتمثل قسطا، وهي قابلة للميل، لا حقيقة مطلقة ثابتة. والقرآن اثبت أن العدل يمارسه الذين ءامنوا والذين كفروا على السواء ولكن اختلاف المرجعية تجعل عدل الذين كفروا اتباع للهوى يقود الى الضلال والظلم لا الى القسط
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
[ الأنعام: 1]{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} الانعام 150
فالقرآن لم ينف عنهم صفة العدل حيث قال { وهم بربهم يعدلون} ولكن الخطأ عندهم في المرجعية، فهم يمارسون العدل في مسار منضبط نحو مرجعية خاطئة في نهاية المسار وهو اختلال شديد جدا في الميزان، فيحرمون الحلال وينسبونه لله وسيأتون بشهدائهم ليشهدوا ان هذا التحريم من الله ، فيأمرالله رسوله بألا يشهد معهم. كثير من التيارات الاسلامية عندما ترجم الزاني المحصن وتقتله تنسب هذا الحكم الى الله وتنطلق من نصوص تنسبها الى الله بطريقة او بأخرى وهنا اتخذت الرب مرجعية عبر الهوى، ولكن هل فعلا ان الله أمر برجم الزاني؟ طبعا لا أشهد معهم. فيمارسون العدل كإجراء دقيق نحو اثبات تلك الفاحشة وتطبيق الحكم كما يؤمنون به متجهين نحو المرجعية {الباطل} والتي ينسبونها الى الرب ، وابتعادهم عن المرجعية الصحيحة وهي {الحق}
{ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ۖ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزوا} الكهف 56
فالمرجعية الصحيحة هي الحق، يعدلون بالحق ليصلوا الي ما يؤول اليه
{وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ :181
ومهما اجتهدنا في الوصول الى هذه المرجعية فإننا سندندن حواليها ، اي اننا في احسن الاحوال نصل الي ما يؤول الى الحق وهي مجموعة من القيم التي تحوم حول الحق و تؤول اليه و تسمى بالقسط.
وهنا أكون قد أجبت عن سؤال الملحدين القائل : اذا كان الله عادلا فكيف يخلق طفلا مريضا مثلا؟ وعلى هذه الشاكلة. فتأتي إجابات التيارات الاسلامية كل بحسب منهجه وطائفته:
فالأشعرية يجيبون بأن الله عادل لأن كل مايفعله عدل، والعدل هو ما يفعله الله.
والمعتزلة يجيبون بأن الله عادل لأنه لا يفعل القبيح، والعقل يدرك حسن العدل و قبح الظلم.
اما السلفية فيجيبون بقولهم: نثبت ما أثبته الله لنفسه وننفي عنه الظلم كما نفاه عن نفسه وكأن الله اثبت انه عادل.
بينما الإجابات الوعظية المعاصرة فتعلل ذلك بأن الدنيا دار ابتلاء وان الآخرة دار عمل.
فجميعهم يفهمون ان العدل نقيض او ضد الظلم ، وصحيح ان الله نفى عن نفسه الظلم ولكن هل أثبت لنفسه العدل؟ لم يسألوا انفسهم هذا السؤال بل اكتفوا بقاعدة ان {نفي الضد اثبات} ولكن العدل ليس نقيضا للظلم وهذا ما وجدناه في السياقات السابقة فحتى الذين كفروا بربهم يعدلون ، فالله لا يعدل والله ليس بعادل، كما أنه لم يثبت حبه للعادلين بل لم يذكر اسم الفاعل من العدل اصلا.
فالله سبحانه وتعالى ليس داخل عملية الوزن هذه، فهو يتجلى عند المرجعية (الحق) التي يقام بها الميزان. ولذلك لم يقل القرآن ان الله عادل، وإنما قال:
{ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}
فقولي بأن الله لا (يعدل) أعني انه لا يتخذ مرجعية يسلك طريقه نحوها ليزن فعله او قوله ، ولو كان يعدل لابتغى الها آخر يضع له مرجعية يعدل بها . تعالى عن ذلك علوا كبيرا، انما قوله الحق ، والله هو الحق قائم بذاته، فالحق تجل له، والباطل زائل بظهوره.
وعندما أراد القرآن ان يصف الانسان بالعدل نسبه اليه كصفة يتصف بها ذلك الشخص فقال (ذوا عدل منكم) ولم يقل عادلين على وزن فاعلين كصفة ذاتية ملازمة لهما
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ} [سورة المائدة: 106]
فالشهيدان يجب ان يكونا مشهود لهما عدم اتباع الهوى والزيغ والضلال ، يستطيعان الشهادة بالقسط ولو كانت على اقربائهم او أنفسهم، اما اذا كان هناك ريب من شهادتهم فجاء القسم بالله ليحسم لهم الادلاء بالشهادة .
فصفة( ذو عدل ) مثلا لكي يتصف بها الانسان لا بد ان تكون متحققة في سلوكه العام سمات القدرة على اتخاذ قرارات صائبة تحت شتى الظروف، كصفات الامانة والاستقامة والصدق والشجاعة والاتزان، وأية سقوط أخلاقي يقدح في الثقة. ولهذا قال: ﴿مِنكُمْ﴾ أي انهم معروفون بهذه السمات في الجماعة، لا عدل نظري او افتراضي. و ما تعتمد عليه الدساتير الحديثة من شروط للترشح للمناصب العامة، أو لتولي الوظائف السيادية والقضائية، لا يخرج – في جوهره – عن كونه صياغة قانونية معاصرة لمفهوم قرآني عميق عبّر عنه النص بـ (ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ). فهذه الشروط، على اختلاف النظم السياسية والقانونية، لا تستهدف إنتاج العدل بوصفه حالة شعورية أو نزاهة مفترضة، بل تهدف إلى تقليص احتمالات الميل والانحراف داخل عملية الحكم أو الشهادة أو الوظيفة العامة.
وعندما تشترط القوانين عدم الإدانة السابقة في جرائم مخلة بالأخلاق أو الذمة المالية أو السمعة العامة، فهي لا تذهب لتمنح صاحبها صفة أخلاقية مطلقة، ولا لتفترض فيه العصمة، وإنما هو اعتراف ضمني بأن ممارسة العدل فعل علائقي حركي، لا يستقيم بذاته، بل يحتاج إلى بيئة مرجعية تضبطه، وتراقبه، وهو بطبيعته معرض للانحراف متى ما اختلت الثقة أو انحرفت عن المرجعية المعنية أو غابت الاستقامة العامة في السلوك، او عندما تتبدل المرجعية ذاتها. وسنفصل هذه النقاط عندما نأتي للحديث عن الميزان.
وعليه، فإن هذه الاشتراطات لا تؤسس للعدل ذاته، بل تؤسس لشرط إمكانية وجوده أي لحد أدنى من الاتزان الأخلاقي والسلوكي يسمح للشخص بأن يكون مؤتمنا على الشأن العام، وقادرا على ضبط ميوله الشخصية داخل الإطار المؤسسي والقانوني والوصول الي القسط تأويلا الي الحق كمرجعية. وهذا المعنى هو بعينه ما يفيده القول القرآني (ذوا عدل مِنكُمْ)، إذ لا يتعلق الأمر بعدل نظري أو دعوى ذاتية، بل بعدل مشهود له اجتماعيا، متحقق في السلوك العام.
وبهذا فإن الدولة الحديثة من حيث لا تشعر، تعيد إنتاج منطق قرآني مفاده أن العدل لا يفترض افتراضا في الأفراد، بل يحاط بشروط و آليات تراقبه.
ثانيا : القسط (ق س ط)
معاني اصوات الحروف:
حرف القاف: حرف لهوي عميق شديد يدل على القوة، الإحاطة، التحكم والقطع والإمساك بالشيء من جذره.
حرف السين : حرف مهموس، لين فيه انسياب وانتشار ويدل على التوزيع، الامتداد، السريان. وهو يحمل معنى الحركة الدقيقة لا الانفجار.
حرف الطاء : يدل على الضخامة بين التكور والفلطحة والعلو والاتساع دون شدة أو قساوة، وهو صوت مثير للحواس كالشم والذوق وكذلك مثير للشعور والتفكر، فمثلا جملة (طبخت الطعام) مثيرة للشهية ولحاسة الشم والتوقع والانتظار والتصور اكثر من قولك (جهزنا الأكل) وهذا ما يضفيه صوت الطاء على التعبير.
دلالته في (قسط):
حرف الطاء يضمن تكور عملية القطع والتوزيع التي نتجت عن حرفي القاف والسين ويضيف اليها اثارة الحواس والترقب وهو ما نشاهده عند البائعين والمشترين في الاسواق، وعند نطق الحكم في المحكمة وكلهم ينشد ويرقب الوصول الى حالة الرضا والارتياح وهي نتيجة حتمية عند التعامل بالقسط بين الناس. فالناس عندما يكيلون البضاعة او يزنونها فإن أشد ما يثيرهم هو لحظة الوصول الي القسط حتى يشعروا بالطمأنينة والرضا و ضمان عدم التعرض للغش و الجور والظلم.
ومن هنا نصل لمفهوم القسط وهو تحقق الفعل { فعل، قول، حكم وشهادة او غيرها} بما يؤول للحق موضوعيا على أرض الواقع .
ومن هنا فالانسان يقسط اي يلتزم بإجراء ما يقوم به بالعدل (كآلية) وصولا الى ما يؤول الى الحق (كنقطة مرجعية) ، فيصبح مقسطا. بمعنى ان له مرجعية أمامه يوازن عليها الأمور بحركة قد تكون مستقيمة او مهتزة توصله الى الوزن بالقسط وقد ينحرف المسار تماما ولا يصل الي القسط بسبب استخدامه آليات تضله عن الطريق ومرجعية غير الحق. فإذا كان الاتزان في العدل يقود الي القسط يصبح صاحبه مقسطا بينما الانحراف عن هذا الاتزان يؤدي الي الاجرام والتعدي على الحقوق ويصبح قاسطا، حيث انه جاء ذكر القاسطين في مقابل المسلمين كما في الآيات التالية:
{وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) [سورة الجن: 14 ]
ثالثا: الميزان
الميزان مشتق من {وزن} فلنأخذ المعاني الصوتية لحروف الفعل وزن.
دلالة حرف الواو (و):
اذا اخذنا الافعال التالية و التي تشترك جميعها في حرف الواو ابتداء:
وجد، وصل، وعد، وفى، ولى، وقع، وسع، وجه،وعي نجدها جميعا تعبّر عن إنشاء علاقة أو تثبيتها أو رعايتها، مع توجيه واحتواء واستمرار للأثر وصلا لا قطيعة، جمعا لا تفريقا، تحمّلا لا تخلٍّ.
دلالة حرف الزاي (ز):
لنأخذ هنا مجموعة من الافعال التي تشترك في حرف الزاي لنفهم الدلالة المعنوية المشتركة التي يصبغها عليها حراف الزاي:
زل، زلزل، زحزح، زحف،زار، زاغ، زكا، زرع، زجر
تعبّر عن انتقال غير ساكن في موضع أو حالة أو اتجاه، غالبًا يصاحبه عدم استقرار أو قابلية للانحراف أو الإصلاح. تحوّل لا ثبات، مسار وليس نقطة واحدة.
في “وزن”:
الزاي هنا يمثل حركة الوزن بين طرفين: أي التعديل أو المعايرة معنويا او حسيا. يشير إلى أن الوزن عملية ديناميكية، تحتاج إلى تعديل مستمر حتى يستقر، وهو ما يعكس معنى الكيل والميزان كعملية توازن دقيقة.
دلالة حرف النون (ن)
لنأخذ دلالتها في الافعال التالية:
نال،نبت، نزع، نزغ، نصر، نقص، نقض، لان، احسن، اعلن، ايقن، هان، اذعن، تبين، دان، تدين
في كلمة {وزن} فإن صوت النون هو صوت أنفي ختامي، يوحي بالاستقرار والانغلاق بعد تشكّل. تصف حالة تشكّل واكتمال وقبول، حيث ينتقل المعنى من الإمكان أو القصد أو الخفاء إلى الوضوح والاستقرار والتجلي.
في “وزن”:
النون تعطي الكلمة حالة نضج واستقرار نهائي، أي بعد حركة المعايرة (الزاي) وبعد ربط العناصر (الواو)، تمنح الامر شعورا بالاكتمال ليتجلى في الواقع ويصبح محسومًا ومستقرًا.
فالوزن يصبح عملية تحديد قيمة او مقدار او أثر الشئ من خلال موازنة عناصر متحركة او متغيرة بحيث ينتقل من حالة احتمالية او عدم استقرار الي حالة واضحة متوازنة.
فإذا كان الوزن هو فعل التوازن فإن الميزان هو مسرح هذه العملية فهوالاطار او النظام {معيار} الذي يتيح قياس الوزن وتحقيق الاعتدال وفقا للمرجعية التي يحتويها.
وكتعريف شامل يصاحبنا في بقية البحث فإن الميزان في القرآن هو:
نظام معياري مرجعي سابق على الفعل، مُنزل إلى وعي الإنسان، يضبط العلاقة بين القيم، والأفعال، والنتائج، ويحدد موقع القسط بوصفه الغاية المعيارية للفعل الإنساني، كاشفًا مواضع الطغيان والاختلال قبل تحوّلها إلى ظلم ظاهر، ومُمكِّنًا الناس من إقامة القسط في الواقع، بينما يبقى الحكم بالحق المطلق مؤجّلًا إلى يوم القيامة.
✔ الميزان كنظام معياري قرآني يعني:
منظومة مرجعية تضبط العلاقات بين القيم، والأفعال، والنتائج وربطها بالقيمة المرجعية المطلوبة (الحق) فهو يحدد متى يكون الشيء قسطا أو ظلما { في الحياة الدنيا}، حقا أو باطلا {في الآخرة}.
خصائص الميزان كنظام مرجعي :
اولا: أن الميزان سابق على الفعل
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [سورة الرحمن: 7 إلى 9]
وضع الميزان اي اوجده واظهره للوجود وأنزله الي الوعي والادراك حتى يتعامل الناس وفقا لهذا الميزان كنظام معياري للقسط كما في قوله تعالى
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة الحديد: 25].
ثانيا: الميزان معيار لا أداة
فأي اداة استخدمتها سواء كانت للوزن او القياس يبقى معيار التقييم فيه للميزان فهو الإطار الحاكم ومنطق التقييم.
ثالثا: الميزان نظام جامع : فهو نظام معقد حيث تتجلى فيه موازين أخرى عديدة كميزان الاقتصاد والقضاء والاجتماع والدين والوعي والتجارة والصدق والأمانة. وكل منها له طريقته التي يقاس بها للوزن بالقسط. لذلك جاء قوله تعالى
{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء: 47]
قوله (ليوم القيامة) هو فترة حياتنا الدنيا، فما نستطيع الوصول اليه هو القسط وليس الحق، اذ أن الحق قيمة ثابتة ومطلقة بينما القسط هو ما يؤول الي الحق وليس الحق عينه، بمعني ان القسط قيمة تؤول الي الحق ويحفظ النظام والعلاقات من الفساد والسقوط، ويرضى به جميع الاطراف بحيث لا يرى اي من الاطراف ظلما فيه او خطأ، فالتاجر الذي يزن كيلوجراما من السلعة المعينة الي المشتري فهو يقيس بأداة متفق عليها انها قد وزنت ١كيلوجرام(1000جرام) ولكن هل وزن الحق؟ من يدري لعله قد وزن زائدا او ناقصا بواحد جرام او اثنين او ثلاثة جرامات؛ ولذلك نجد الجهات المصنعة تكتب في عبوة السلعة عبارة: الوزن 1000جرام (زائد او ناقص 2جرام ) مثلا، وهذا المعني الذي نريد ان نصل به لفهم اسقاطي لمعنى القسط ، بينما الحق سيكون 1000جرام كقيمة ثابتة. وما بين زائد او ناقص تأتي الاية لتكمل ( فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين)
فنحن هنا في الدنيا نستخدم الميزان لنقوم بالقسط، بينما الله يقضي بيننا يوم القيامة بالحق
{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [سورة الزمر: 69]
{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الزمر: 75]
والوزن يومئذ ليس بالقسط الذي يؤول الى الحق، وانما الوزن الحق ذاته
{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَـٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) }
[سورة الأعراف: 8 إلى 9]
اما في حياتنا الدنيا فيوضح لنا ان إيفاء الكيل و الوزن بالقسطاس المستقيم خير واحسن تأويلا {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}[سورة الإسراء: 35] بأنه احسن تأويلا اي تأويلا الى الحق وليس الحق عينه.
الخلاصة
نخلص الى أن الميزان في القرآن ليس إجراء ولا أداة، بل نظاما معياريا كونيا مرجعيا موجود بالوعي يحدد العلاقات بين القسط كغاية ضرورية لحفظ النظام الوجودي للبشرية والحق كمرجعية والفعل الاجرائي الذي نقوم به والنتيجة التي نحققها على ارض الواقع، قسطا ام فسادا. وهو يكشف مواضع الطغيان والاختلال قبل أن تتحول إلى ظواهر فساد.
القسط هو القيمة او الحكم او الفعل في عمومه و التي تؤول الى الحق في الميزان والمطلوب الوزن بها، هي ليست قيمة نقطية Sharp وانما تؤول الى الحق سواء زيادة او نقصانا غير محسوس، وفيها تحافظ العلاقات في النظام على حيويتها، ديمومتها واتزانها. مهما كبر ذلك النظام وتعقد او صغر وتبسط.
العدل : ملكة داخلية نفسية لدى الانسان ينضبط بها ويزن بها الامور للوصول الي القسط، وفيه يتخذ الحق كمرجعية يعدل بها.
{وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}[سورة الأعراف: 159]
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [سورة الأعراف:1 81]
والعدل معرض للانحراف عند اتباع الهوى فيذهب بالإنسان نحو مرجعيته التي اتخذها كنقطة في نهاية المسار.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [سورة الأنعام: 1]
{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [سورة الأنعام: 150]
فكلهم يمارسون العدل ولكن مع اختلاف المرجعية يبقي احدهم عدل يؤدي الي القسط بينما الاخر يؤدي الى الظلم بسبب اتباع الهوى.
والعدل ليس مطلوبا كغاية لذاته وانما كآلية توصل الى القسط،
﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[ الحجرات: 9]
الطغيان في الميزان أصل الفساد في النظام البشري
الطغيان في المجتمع الانساني لا ينشأ فجأة، ولا يبدأ من مظاهر القهر الظاهرة، ولا يأتيه من الخارج، بل يتكون في أساس الميزان المرجعي الذي يتخذه كنظام معياري يقيس به القيم وليوزع به الحقوق على اساس القسط .
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سورة الحديد: 25]
ويقول تعالى{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [سورة الرحمن: 8 إلى 9]
والنهي جاء عن الطغيان في الميزان وليس على الميزان ، وهذا يوضح ان حياتنا كلها ينظمها هذا الميزان وان الطغيان سيظهر داخل المنظومة نفسها فيحدث اما في العمليات الاجرائية ( منظومة العدل) وبالتالي عدم الوصول الي الغاية المطلوبة وهي القيام ب (القسط)، او اتخاذ مرجعية اخرى غير الحق. فكل مظاهر الطغيان تكون بالتلاعب في هذه المنظومة. وهنالك عديد الآليات والأدوات التي تستخدمها الأنظمة للطغيان في هذا الميزان ونذكر منها ما يلي:
اولا: تغييب الوعي بالميزان
قد يكون الناس على دراية بالنصوص الدينية في الدين أو النصوص القانونية في القانون وما تحويه من أحكام ، لكن كثيرًا ما يغفلون عن المنظومة المرجعية العليا التي تقوم عليها هذه الأحكام، أي القيم الكامنة والغايات الكبرى التي تنظمها. في هذه الحالة، يتحول الدين إلى أوامر ومنهيات و شعائر منفصلة، والقانون إلى مواد جامدة، والقيم إلى شعارات معلقة بلا مضمون عملي. يصبح النص مجرد أداة قابلة للتوظيف بحسب المصالح الشخصية أو الجماعية، والسياسية ايضا، وليس وفقا لآليات توصل الناس للقِسط والعدالة من وراء النص، ويصبح ايضا السؤال الخاطئ والمسيطر لتصحيح المسار هو هل اتبعنا النص ؟ بدلا عن السؤال الصحيح هل تحقق القسط ام لا؟.
على المستوى الفردي، يظهر غياب الوعي بالميزان على هيئة التزام الفرد بالشعائر أو بالقوانين شكليًا، دون فهم غاياتها الأخلاقية والاجتماعية. فقد يؤدي اتباع النصوص حرفيًا إلى تصرفات متناقضة مع روح الدين أو القانون، مثل الالتزام بفرض الزكاة ماديًا فقط، دون أن يتحقق منه أثر تزكية الفرد والمجتمع والارتقاء بالوعي.
أما على المستوى المجتمعي، فإن غياب الوعي بالميزان يجعل الدولة أو المؤسسات عرضة لتوظيف الأحكام والنصوص بما يخدم مصالح قوى النفوذ ، وليس بما يحقق القسط بين الشعب. ومثال ذلك عندما تقول بعض الدول أن “السوق يحدد الأسعار” فهو شعار يفهم منه الحرية الاقتصادية ولكنه في الحقيقة تفضيل منطق القوة الشرائية على منطق العدالة الاجتماعية. فتظل اسعار السلع متحركة مقابل دخل ثابت وغير متحرك لدي العامل او الأجير فتتسع الفجوات الاقتصادية، ينتشر الفقرو الجريمة ثم التمرد والقهر والذي يأخذ مسمى فرض هيبة الدولة وتصبح القوانين وسيلة لتثبيت النفوذ لا لتحقيق القسط. وتكشف قصة شعيب عليه السلام كيف يبدأ الطغيان بتغييب الوعي بالميزان، قبل أن يتحول إلى استبدال كامل للمرجعية باسم الحرية الاقتصادية والأعراف الموروثة. فعندما أمر قومه بإيفاء الكيل والميزان بالقسط استغربوا أمره كيف أن صلاتك اي علاقتك بنا تتضمن تغيير مرجعية عبادتنا من ما ألفينا عليه آباءنا الى الله، ومرجعية اموالنا من حريتنا الاقتصادية – في أن نفعل في أموالنا ما نشاء – الي قوانين اقتصادية اخرى تدعي انها رشيدة وتقودنا الى القسط؟
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [سورة هود: 87]
فالنتيجة هي أن غياب الوعي بالميزان يحوّل كل نص وقرار إلى أداة قابلة للمقاومة والاستغلال، ويجعل القيم مجرد شعارات، ويغيب معها الهدف الأصلي وهو إقامة القسط في المجتمع ويظهر الفساد المنظم كنتيجة حتمية للطغيان في الميزان.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الروم: 41]
ثانياً: استبدال المرجعية {مرجعية الحق بمرجعية القوة}
في مرجعية الحق فإن القسط فيه يعرف بمعيار اخلاقي مستقل عن القوة وأن أثره محقق لديمومة وحيوية النظام الاجتماعي، اما في مرجعية القوة فإن الأقوى هو الأحق وان الغالب هو الصواب ولا يتم التساؤل أهذا قسط ام لا، بل سيكون السؤال على شاكلة هل فيه مصلحتنا وهل نملك القوة لتنفيذه؟ وهنا ستتم اعادة تعريف القيم بما يخدم القوة المتمثلة في القوة السياسية أو الرمزية {دينية او عرقية} او الاقتصادية كما كشفتها قصة شعيب مع قومه قبل قليل. فتتحول المصلحة إلى ميزان. ويصبح الطغيان طبيعيًا، لا يحتاج إلى تبرير أخلاقي. ويصبح الظلم ضرورة لتسيير دولاب الدولة، والقمع للاستقرار وضرورة امنية، كما يتم تبرير القتل الفعلي او الرمزي للشعب تحت قانون حماية الهوية لشعب البلاد . كل هذا يستعرضه القرآن في قصة فرعون كسنة من سنن الطغيان التي تسري عبر التأريخ الانساني وليست مجرد حدث تاريخي منقض.يقول تعالى:
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [سورة القصص: 4]
فيرسل الله رسوله موسى اليه { اذهب الي فرعون انه طغى}
ففرعون علا واستغنى عن الميزان وجعله يفكر في استبداله بميزانه الخاص-ميزان القوة- وليحافظ على هذه القوة التي تضمن له البقاء في السيطرة لأطول فترة حكم، اول ما فكر فيه هو تفتيت المجتمع، فالمجتمع الموحد لا تحكمه القوة الا بعد أن تجعله شيعا فتضرب هذا بذاك و ما المبدأ السياسي القديم (فرق تسد) الا تجسيد الا للطغيان الفرعوني ، فعمل على تجزئة المجتمع حتى ينشغل ببعضه و بسبل أمنه واستقراره بدلا عن الصحة والتعليم و المطالبة بالعدل والقسط وهو ما نراه اليوم من إثارة الصراعات العرقية وتوظيف للطائفية وتقسيم الطبقات اقتصاديا ( يستضعف طائفة منهم) وال”طائفة” جاءت هنا نكرة لأن الاستضعاف المطلوب للطغيان لا يحتاج طائفة محددة فالمهم هو شغل المجتمعات مع بعضها وخلق بذور الثأرات في المستقبل عندما تجد القوة والمدد فيحتاجها لخلق نزاع جديد قديم، وجاءت نكرة لتكون درسا من دروس سنن الطغيان التي يقوم بها الطغاة في كل عصر، اذ لو جاءت معرفة لفهمنا انها علاقة صراع واضحة لا تعمم على المجتمعات والعصور. فكل حاكم او نظام عبر التأريخ يعمل على تشييع مجتمعه وتتفتيته الي اثنيات مشحونة بالثأرات والغبن، يستضعف طائفة منهم ويقوي أخرى، فهو نظام فرعوني يطغى في الميزان، يجب فهمه و التعامل معه على هذه الطريقة.
ثالثاً: الخوف على الامتيازات
الميزان بطبيعة القسط فيه فإنه يساوي بين الناس، بينما يقوم الطغيان فيه على التمييز. فالضرائب الموحدة مثلا يكتوي بها الافراد والطبقات الدنيا بينما الشركات الكبرى و النافذون في الحكومة يحصلون على اعفاءات ضريبية يتم تعويضها على المواطن بغلاء الاسعار، ولهذا فإن الفئات المستفيدة من اختلال هذه المرجعية تقاومها دائما.
رابعاً: انفصال القيم عن الواقع
نحن هنا حقيقة امام أخطر آليات الطغيان في الميزان؛ لأن المجتمع لا يستطيع مواجهتها او مقاومتها ، بل يحتفى بها أخلاقيا بينما هي آليات تعمل ضد القسط فعليًا. هنا القيم موجودة على المستوى الخطابي او الإعلامي لكنها لا تنزل في السياسات، ولا تجسد في الاقتصاد، ولا يتم تفعيلها في المجتمع، تتحول إلى خطاب وعظي أو طقوس رمزية تنتج انفصاما مجتمعيا، وهذا ما نعيشه منذ قرون في تحول الزكاة والصلاة الى طقوس مفرغة كليا عن معناها و دورها في الميزان و حفظ النظام الانساني من السقوط فتحولت الى وعظ يكاد ينام الناس معه عند سماعه، بينما يمارسون الفساد عمليا، اما الكنيسة في أوروبا القرون الوسطى كانت قيمها المعلنة انها تنادي بالرحمة والمحبة والعدل الإلهي بينما في الواقع تمارس صكوك الغفران وتتحالف مع الإقطاع والنتيجة فقر واسع مقابل تكديس الثروة.
الدولة الأموية وهي في مراحلها المتأخرة رفعت شعارات الدين والخلافة وحماية الشريعة بينما في الواقع سعت الى توريث الحكم والتمييز القبلي والتفاوت الاقتصادي الحاد.
المجتمعات الدينية المعاصرة نجد عندها التزام شعائري صارخ وحضور طاغ للنصوص يتخلله فساد إداري و ظلم اجتماعي وهذا الانفصام اظهر الفرد كشخص متدين ولكن داخل مجتمع فيه كل انواع الظلم والاستبداد
وهذا ما عبّر عنه القرآن بدقة
{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 44]
الخلاصة
الظلم الظاهر هو نتيجة طغيان خفي في النظام المعياري للحياة اي الميزان. والإصلاح لا يبدأ بتغيير الأشخاص أو القوانين، بل بإعادة الميزان إلى موقعه المرجعي كنظام شامل يقاس به كل شيء:
{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ}
فالطغيان في الميزان هو أصل الفساد البنيوي في الدولة والمجتمع والاقتصاد والدين والنفس الإنسانية. ومعالجة الظلم تتطلب أولاً معالجة الطغيان، وإعادة ميزان القسط إلى مكانته المرجعية
.{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}
[سورة الروم: 41]

