أبحاثيتدبرون

بحث في الزنا (الجزء الثالث)

تحليل قضية الإفك في ضوء النص القرآني

مقدمة

في هذا البحث، نهدف إلى دراسة مفهوم “الإفك” في القرآن الكريم، مع التركيز على علاقته بجريمة القذف والاتهام الباطل، مع ضبط المصطلحات وتوضيح الأحكام المستنبطة من الآيات الكريمة. كما سنقوم بتصحيح بعض الفهم التراثي المغلوط الذي أُقحم على مفهوم الزنا والإثبات الشرعي له، مستدلين بالنصوص القرآنية ذات الصلة.

تحرير المفاهيم: الزنا والبغاء والقذف

لقد قمنا سابقًا بتحرير مصطلح البغاء الوارد في القرآن من المعاني الدخيلة التي ألصقت به، مثل الدلالة على العهر والدعارة، وأوضحنا أنه لا يُساوي الزنا بالضرورة، مستندين إلى مبدأ رفض الترادف في اللغة القرآنية.

ندرك تمامًا أن إعادة دراسة مفهوم الزنا وفقًا للنص القرآني بعيدًا عن الفهم الفقهي التقليدي هو أمر شائك، ولذلك نطلب من القارئ الصبر والتأمل، ونعده بأننا سنعتمد على المنهج العقلي والنص القرآني الصريح في الطرح والاستدلال.

الأحكام الشرعية في سورة النور

خصصت الآيات العشر الأولى من سورة النور لبيان الحدود التي تُطبق على ثلاث فئات من المخالفين:

  1. الزنا:

    “الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ” (النور: 2)
    “الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (النور: 3)

  2. الذين يرمون المحصنات بالزنا دون دليل:

    “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” (النور: 4)
    “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (النور: 5)

  3. الذين يتهمون أزواجهم بالزنا دون دليل:

    “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ” (النور: 6)
    “وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ” (النور: 7)

تحليل الآيات: إثبات الزنا وشهادة الشهود

يلاحظ المتدبر في هذه الأحكام أن هناك تقاربًا وتشابهًا بين الحدود الشرعية، خاصة في العقوبة بالجلد:

  • الزنا: مائة جلدة.
  • القذف (اتهام المحصنات دون دليل): ثمانون جلدة.
  • القذف من الزوج لزوجته دون شهود: أربع شهادات (تعادل الشهود الأربعة).

لكن المثير للانتباه هو أن الآية لم تشترط الشهود الأربعة لإثبات جريمة الزنا! إذ لم يرد أي ذكر لهم، بخلاف ما تبناه الفقهاء التقليديون من اشتراط أربعة شهود.

مقارنة بين إثبات الزنا وإثبات السرقة

عند مقارنة حكم الزنا بحكم السرقة، نجد أن كلا الجريمتين لم يُطلب فيهما شهود معينون، بل الأمر موكول إلى السلطة التي تثبت الجريمة عبر التحقيق أو الأدلة المادية، كما هو الحال في قوله تعالى:

“وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا” (المائدة: 38)

مما يعني أن مسألة إثبات الزنا تخضع لمعايير السلطة المختصة، وليس لشرط الشهود الأربعة.

حادثة الإفك: تحليل قرآني

بعد بيان الأحكام العامة، تنتقل سورة النور إلى معالجة موضوع الإفك، وهو من أبرز مظاهر القذف والاتهام الباطل في المجتمع الإسلامي.

يقول الله تعالى:

“إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ” (النور: 11)

وهنا نلاحظ أن القرآن يوضح أن قضية الإفك كانت مؤامرة مدبرة من مجموعة منظمة (عصبة)، حيث وُجد فيها رئيس مدبر لكل شيء، وكان لكل عضو من العصبة دور محدد، مما يدل على أن الإفك ليس مجرد حادثة فردية، بل مؤامرة إعلامية منظمة لنشر الأخبار الكاذبة.

طلب الشهود الأربعة في الإفك

يقول الله تعالى:

“لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ” (النور: 13)

وهذا يؤكد أن اشتراط الشهود الأربعة متعلق بالقذف، وليس بالزنا ذاته، وهو ما ينسف التأويل الفقهي القائل بضرورة الشهود الأربعة لإثبات الزنا.

الإفك كظاهرة اجتماعية: انتشار الأخبار الكاذبة

يتضح من السياق القرآني أن “الإفك” ليس مجرد حادثة تاريخية، بل هو ظاهرة اجتماعية تتكرر في كل زمان ومكان. فالأخبار الكاذبة، التي تنتشر دون دليل، تشكل تهديدًا خطيرًا للمجتمع، وقد أشار القرآن إليها بقوله:

“إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ” (النور: 15)

مما يعكس خطورة تصديق الشائعات دون تحقق، ويبرز الحاجة إلى التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها.

خاتمة

من خلال تحليل النصوص القرآنية، يتضح أن قضية الزنا والإفك ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم العدل ودرء التهم الباطلة. كما أن اشتراط الشهود الأربعة يختص بالقذف وليس بالزنا نفسه، مما يوجب مراجعة بعض الأحكام الفقهية التي بنيت على تأويلات غير دقيقة للنص القرآني.

نتابع البحث في الجزء الرابع.

أستاذ مهندس كمال الغازي

الأستاذ المهندس كمال الغازي: باحث إسلامي يكرّس جهوده للتأمل العميق والدراسة المنهجية للقرءان الكريم ، وله العديد من المقالات المنشورة التي تناولت موضوعات متنوعة في مجال الدراسات القرءانية. يتميز بعمق رؤيته وتحليلاته العلمية التي تسعى إلى استكشاف الجوانب المختلفة للنصوص التنزيل الحكيم وإبراز معانيها وقيمها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الاستاذ كمال الغازي…
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    تحية طيبة…

    جزاء الذين يرمون المحصنات ويفشلون في الاتيان بالشهداء هو الجلد ثمانون جلدة.
    السؤال : بماذا كانوا يرمونهن؟

    ما عقوبة المحصنات عندما يأتوا بالشهداء الاربعة؟ لأننا سنحتاج لها في معرفة عقوبة المحصنات مما ملكت ايماننا من فتياتنا المؤمنات حيث نحتاج ان نعاقبهن بنصف ماعلي المحصنات من العذاب.

    ما الفكرة من الاشتراك في ورود مفردة العذاب في الآيات دي بالذات:
    وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين

    ويدرؤا عنها العذاب….
    فعليهن نصف ما علي المحصنات من العذاب

    …… …… ……..
    بحسب وصف القران فإن الزنا يشترك مع نكاح مانكح الآباء في كون كل منهما كان فاحشة وساء سبيلا..
    والاختلاف ان نكاح ما نكح الآباء فيه زيادة وهي المقت( ولا تنكحوا ما نكح اباؤكم من النساء الا ما قد سلف انه كان فاحشة و مقتا و ساء سبيلا)
    وعن الزنا
    (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة و ساء سبيلا)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى