
المقدمة
تمثّل الزكاة في الوعي الإسلامي التقليدي واحدةً من أركان الدين الخمسة، وقد استُقرت دلالتها في الخطاب الفقهي كممارسة مالية واجبة تُؤخذ من أموال الأغنياء وتُصرف في مصارف محددة. غير أن النظر المتأمل في بنية الخطاب القرآني يكشف عن أفقٍ أوسع وأعمق لمفهوم الزكاة، يتجاوز بعدها الماديّ إلى مشروع وجوديّ شامل يتعلّق بتطهير النفس، والارتقاء بها من درك الفجور إلى سموّ التقوى.
فالقرآن حين يستعمل فعل “يزكّيهم” في سياق مهمة الرسل، لا يُحيل فقط إلى تطهير الأموال، بل يُؤسس لرؤية شاملة لمفهوم الزكاة بوصفها عملية “تشافي” للنفس الإنسانية من مستويات وعي هابطة ترتبط بالطغيان والاستكبار والغرائزية، إلى مراتب من الوعي العالي المرتبط بالحكمة والسلام والمحبة، وهي المراتب التي يعبّر عنها القرآن بمصطلح “سبيل الله”.
يقترح هذا البحث قراءةً قرآنيةً لمفهوم الزكاة تنطلق من مركزية النفس الإنسانية في الخطاب الإلهي، وتحاول ربط آيات الزكاة بمسارات الارتقاء أو التدهور الوجودي، مستندةً إلى تحليل المفاهيم التالية: النفس، المشاعر، مستويات الوعي، سبيل الله، الطاغوت، والإيتاء. وسنسعى لإبراز كيف أن الزكاة، بوصفها عملية تطهير، تُعدّ نتيجة طبيعية لحركة الإنسان في مدارج السموّ الروحي والإنساني، لا مجرد فرضية مالية منفصلة عن بنيته النفسية والأخلاقية.
ومن خلال استقراء السياقات القرآنية المختلفة، يتضح أن الزكاة لا تحدث بمعزل عن حركة الوعي في الإنسان، وأنها تمثّل حصيلة مسار طويل من المجاهدة النفسية والانعتاق من سلطان الطاغوت، ولذلك فإن الزكاة، في جوهرها، هي شاهد على انتقال النفس من التلوث إلى الصفاء، ومن الغلّ إلى الرحمة، ومن الخوف إلى السلام.
النفس الإنسانية في التصور القرآني
يطرح هذا البحث تمييزًا دقيقًا بين نوعين من الأنفس في الإنسان كما تظهر في الخطاب القرآني: النفس البشرية والنفس الإنسانية. فالأولى تمثل البنية البيولوجية والفسيولوجية التي تُمكّن الإنسان من العيش والتفاعل مع محيطه بوعي أوليّ محدود، وهي الصيغة التي يُشار إليها غالبًا بوصف “بشر”. أما النفس الإنسانية، فهي الكيان الروحي والأخلاقي الذي يسويه الله في الإنسان، ويؤهله لحمل الأمانة، والتكليف، والسمو، أو الانحدار، بحسب اختياره ومجاهدته.
وقد ورد هذا التمييز في مواضع عدة من النص القرآني. فالأنبياء، على علوّ مقامهم، يُعرّفون أنفسهم بأنهم “بشر” مثل أقوامهم، لا لأنهم لا يمتلكون صفات إنسانية راقية، بل لأن البشرية هي الجانب المشترك بين الجميع، بينما الإنسانية تتفاوت من شخص إلى آخر، فلا تماثل فيها.
{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}
[إبراهيم: 11]
كلمة “مثل” هنا تشير إلى التماثل التام في البنية البشرية، ولكنها لا تتضمن تماثلًا في البنية النفسية الإنسانية، والتي هي محل التزكية والارتقاء.
ويُشير القرآن إلى النفس الإنسانية بوصفها موضع الإلهام الإلهي للفجور والتقوى، مما يجعلها قابلة للسمو أو الهبوط، حسب ما يُفعّل منها من مشاعر وخصال:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾}
[الشمس: 7–10]
بهذا التكوين النفسي الفريد، تصبح النفس الإنسانية ميدانًا للصراع بين طريقين: سبيل الله وسبيل الطاغوت، وهو ما ينعكس في المشاعر والسلوكيات التي يختار الإنسان أن يفعّلها أو يكبتها.
والزكاة، في هذا الإطار، لا تعني فقط تطهير المال، بل تتجاوز ذلك لتُصبح عملية “عملية تشافي تام للنفس من خطوات الشيطان وسبيل الطاغوت لترتقي الي الفطرة السليمة، وتهيئتها للتفاعل مع القيم العليا كالرحمة، والعدل، والحكمة، والسلام.
سلّم المشاعر ومستويات الوعي (ديفيد هوكنز): من التشوّه إلى التشافي
يُعتبر الوعي الإنساني كما أشار إليه (ديفيد هوكنز) في كتابه “تجاوز مستويات الوعي“، مركّبًا من المشاعر التي تنشأ في النفس الإنسانية، والتي إما أن تتجلى بشكل لحظي وسلوكي، أو تترسّخ كمواقف متكرّرة تُكوّن ما يُعرف بـ”مستوى الوعي”. وهذا المستوى ليس مجرد حالة ذهنية، بل هو منظومة متكاملة من الانفعالات والسلوكيات تنعكس على حياة الإنسان وعلى البيئة من حوله.
المشاعر كجذور للسلوك
المشاعر السلبية إذا ما تكررت، تُنتج مستوى وعي منخفض، والعكس صحيح. فالخوف، إذا ما حدث لحظيًا، يمكن فهمه كمشاعر طبيعية؛ أما حين يتحوّل إلى حالة دائمة تسيطر على الشخص وتُحدّد تفاعلاته، فإنه يصبح مستوى وعي، ويؤثر سلبًا على الفرد والمجتمع. ينطبق هذا أيضًا على مشاعر مثل الحسد، الغضب، الشعور بالعار، الاستكبار… وغيرها.
وفي المقابل، فإن مشاعر مثل السلام، البهجة، الحكمة، الحب، حين تتكرّس، تُشكّل مستويات وعي عليا، يعيش الإنسان من خلالها الطمأنينة، ويُشعّ من حوله نورًا أخلاقيًا وروحيًا.
تقسيم مستويات الوعي
يعرض الباحث سلّمًا تصاعديًا لمستويات الوعي، يمكن تلخيصه كما يلي:
مستويات وعي منخفضة (سلبية):
- العار
- الأسى وتأنيب الضمير
- الغل، الحسد، الكراهية
- الخوف والتخويف
- الفخر القبلي أو الحزبي أو الذاتي
- الاتباع الأعمى دون تمحيص
- الغضب
- الاستكبار والطغيان
هذه هي ما يُطلق عليها قرآنيًا: سبيل الطاغوت أو خطوات الشيطان.
مستويات انتقالية:
- الاستعداد
- الشجاعة والصدق
- الحياد والقبول
مستويات وعي عليا (إيجابية):
- السلام
- البهجة
- الحكمة
- الحب
- النور…
وهذه تمثل ما يُسميه القرآن: سبيل الله.
التشافي كعملية قرآنية
ينبني هذا النموذج على فكرة أن الخروج من مستويات الوعي السلبية نحو الإيجابية هو جوهر عملية التشافي، وهي جهاد نفسي وروحي يستلزم العلم، والهدي، والمجاهدة. هذا المفهوم يقابله القرآن بمصطلح “الزكاة” حين تأتي بصيغة الفعل، كما في:
{وَيُزَكِّيهِمْ}، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، {يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ}.
الزكاة هنا ليست فقط غاية، بل هي نتيجة لمسارٍ داخليّ من التعافي من مشاعر الغل، والبخل، والخوف، والاستعلاء، والدخول في حالات من السلام والحكمة والتوازن النفسي.
التشافي الحقيقي: ارتقاء لا رجعة فيه
يشدّد الكاتب على أن الارتقاء الحقيقي في الوعي لا يكون مؤقتًا ولا قابلاً للانتكاس، ما لم يكن زائفًا أو مدفوعًا بالمظهر دون الجوهر. فالتحوّل من سبيل الطاغوت إلى سبيل الله، حين يكون أصيلًا، يُغيّر الإنسان جذريًا، ويُنتج زكاة حقيقية، أي صفاء داخليّ وسلوك خارجيّ نقيّ.
الزكاة كفعل رسالي: التزكية في مهمة الأنبياء
إن الزكاة، في الخطاب القرآني، لا تظهر بوصفها تكليفًا فرديًا فقط، بل تُطرح أيضًا باعتبارها فعلًا رساليًا يقوم به الأنبياء تجاه مجتمعاتهم. ويُستعمل الفعل “يُزَكِّيهم” في هذا السياق ليدلّ على وظيفة إصلاحية شاملة، لا تقتصر على التطهير الظاهري، وإنما تشمل إعادة بناء النفوس والمجتمعات من الداخل، أي السموّ بمستوى وعي الجماعة من الفوضى والطغيان إلى التوازن والسلام.
مهمة الرسل: التلاوة، التعليم، والتزكية
في أكثر من موضع، يُرتب القرآن مهمة الرسل على النحو التالي:
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَيُزَكِّيهِمْ}
[البقرة: 129]
التزكية في السياق المدني: المؤاخاة نموذجًا
يُقدّم النبي محمد ﷺ نموذجًا عمليًا لعملية التزكية الجماعية، حين هاجر إلى المدينة وأسس مجتمعًا جديدًا على قاعدة “المؤاخاة” بين المهاجرين والأنصار، بل أيضًا بين الأوس والخزرج الذين عانوا طويلًا من الاحتراب الداخلي. لم تكن المؤاخاة مجرّد اتفاق اجتماعي، بل كانت تحوّلاً جذريًا في مستوى وعي المجتمع من القبَلية إلى الأُخُوّة، من الثأر إلى الرحمة، ومن التفكك إلى التكافل.
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}
[آل عمران: 164]
إن هذا الضلال المبين الذي كان يعيشه المجتمع يتمثل في مستويات وعي هابطة (الثأر، الكراهية، العصبية، الغل…)، فجاءت الرسالة لتفتح أمامهم باب التشافي الجماعي، الذي تمثل في التزكية، أي الانتقال من سبيل الطاغوت إلى سبيل الله.
فرعون ورفض التزكية
من أوضح النماذج على رفض التزكية نجده في خطاب موسى لفرعون، حين دعاه إلى الارتقاء:
{اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿١٧﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾}
[النازعات: 17–18]
فكان رد فرعون سلسلةً من السلوكيات التي تعكس أدنى مستويات الوعي: التكذيب، العصيان، الاستكبار، الادّعاء الإلهي. وهذه كلها مستويات تدل على تمكّن سبيل الطاغوت في النفس، ورفضٍ قاطع لمسار التشافي.
الزكاة كفعل ذاتي: من يعطي ماله ليتزكّى
في حالات أخرى، تأتي الزكاة بصيغة فعلية تعبّر عن الجهد الشخصي الواعي للخروج من حالة نفسية سلبية، كالبخل مثلًا، نحو الانفاق في سبيل الله:
{الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ}
[الليل: 18]
في هذا الموضع، الزكاة لا تعني فقط إخراج المال، بل هي دلالة على تغلّب داخليّ على مستوى وعي منخفض، وانتقالٌ إلى حالة من الانفتاح والعطاء، وهو ما يعني تشافيًا حقيقيًا من الطمع والأنانية.
أمثلة قرآنية على تجليات الزكاة والتشافي
تُقدّم القصص القرآنية ثروة رمزية وسردية كبيرة يمكن من خلالها تتبع عملية الزكاة كتحوّل داخلي، سواء من حيث تحققها أو رفضها أو التظاهر بها. وسنستعرض في هذا القسم نماذج مختارة تُجسّد مستويات مختلفة من التزكية والتشافي أو عكسها، موضّحين كيف ترتبط الزكاة بمستوى الوعي لا بالطقوس أو الأقوال وحدها.
موسى والغلام: الزكاة كبراءة أولية
في قصة العبد الصالح وموسى عليه السلام، يُقتل غلام يبدو بريئًا، فيستنكر موسى هذا الفعل بقوله:
{أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}
[الكهف: 74]
وصف الغلام بـ”الزكي” يُشير إلى حالته الأولى، حيث لم تتكون بعدُ لديه النفس الإنسانية القادرة على التمييز بين الفجور والتقوى. فهو لا يزال في حالة “براءة الفطرة”، لم يدخل بعدُ في معركة الوعي، ولم تُفعَّل فيه المشاعر السلبية أو الإيجابية. وهذا ما يبرر قرار “العبد الصالح” لاحقًا حين قال:
{فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا}
[الكهف: 80–81]
الزكاة هنا تُفهم على أنها أفق مستقبليّ لنفس إنسانية قد تكون أكثر أهلية للرحمة والتقوى.
الأعراب والمنافقون: الزكاة بين التوبة والادّعاء
من الأمثلة المهمة التي تُبرز التزكية كعملية مرهونة بالإخلاص والتدرّج، ما ورد في سورة التوبة حول أناسٍ “اعترفوا بذنوبهم”، و”خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا”:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}
[التوبة: 103]
فهؤلاء على طريق التشافي، يعترفون بذواتهم، ويخوضون تجربة صادقة من الانتقال من الفساد إلى النقاء، والزكاة في هذا السياق وسيلة لدعمهم في هذا المسار.
في المقابل، تُفضَح فئة أخرى تدّعي أنها “زكّت أنفسها”، ولكنها تمارس الشرك والكذب:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}
[النساء: 49]
فـالزكاة لا تكون بالادعاء الظاهري، بل بصدق التحوّل الداخلي وتحرير النفس من خطوات الشيطان.
حادثة الإفك: صراع مستويات الوعي في مجتمع النبوة
حادثة الإفك تمثل مشهدًا دراميًا عميقًا يبرز كيف يمكن أن تتفاعل المشاعر السلبية (العار، البهتان، سوء الظن، الإشاعة…) لتُنتج انحدارًا جماعيًا في الوعي. لكن الآيات التي أعقبت هذه الحادثة كشفت أن هذا السقوط لم يكن ليمرّ دون تدخل الرحمة الإلهية:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا}
[النور: 21]
وفي هذا التعبير حسم قاطع: الزكاة لا تُنال إلا بفضل الله ورحمته، وهي لا تعني فقط طهارة من الشائعات، بل تشافيًا من المشاعر السلبية التي غذّت هذه الفتنة.
الكفر والشرك كعلامة على انعدام الزكاة
يربط القرآن بين الكفر ورفض الزكاة، بما يؤكّد أن عدم تزكية النفس هو ناتج مباشر لاتّباع سبيل الطاغوت:
{وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}
[فصلت: 6–7]
في هذا السياق، فإن الامتناع عن الزكاة لا يُقرأ كموقف مالي، بل كموقف وجوديّ نابع من انغلاق الوعي وانعدام التشافي.
الإيتاء: العطاء الممهِّد للزكاة
يظهر في الخطاب القرآني تلازمٌ واضح بين مفهومي الإيتاء والزكاة، لكن مع فرق دقيق: فـ”الإيتاء” هو الفعل الظاهر والمباشر، بينما “الزكاة” هي المحصّلة النهائية لهذا العطاء، حين يُثمر أثرًا نفسيًا وروحيًا في الداخل. وبهذا، يُمكن اعتبار الإيتاء مقدّمة سلوكية، بينما الزكاة هي الثمرة الباطنية لهذا الفعل، أي عملية التشافي والارتقاء التي تحصل في النفس نتيجة وعي صادق بالعطاء.
الإيتاء في السياق القرآني
يتنوّع السياق الذي يرد فيه فعل “آتى”، ليدل على عطاءات مادية ومعنوية. فعلى سبيل المثال:
- إيتاء المال: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}
- إيتاء الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}
- إيتاء الحكمة: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}
- إيتاء الآيات: {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُّبِينٌ}
- إيتاء الرحمة: {رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}
هذا التنوّع يُدلل على أن الإيتاء فعل شامل، يتجاوز المال ليطال المعرفة، والفهم، والهدى، والرحمة، والتجربة، مما يجعل من الزكاة ليس فقط ناتجًا عن إنفاق المال، بل عن كل فعل يُمنح بوعي وصدق وتجرد.
الزكاة كمحصّلة للإيتاء الهادف
من خلال هذا الفهم، يصبح إيتاء الزكاة هو إعطاء شيءٍ ما ــ مالًا، علمًا، وقتًا، جهدًا، إحسانًا ــ تكون نتيجته نقاء النفس وارتقاؤها. فليس كل عطاء يُفضي إلى الزكاة، وإنما فقط ما كان نابعًا من شعور إيجابي، ونيّة صادقة، ووعي بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الذات والآخر.
{الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}
[المؤمنون: 60]
هنا يتضح أن الإيتاء وحده لا يكفي، ما لم يكن مصحوبًا بخشية وصدق، أي بحضور قلبيّ يُهيئ النفس للزكاة.
منطق “الإيتاء – الزكاة”: من الخارج إلى الداخل
يمثّل الإيتاء جسرًا بين السلوك الظاهر والنموّ الباطن. فالإنفاق في سبيل الله، أو العطاء بأي شكل، هو ممارسة خارجيّة، لكنها إذا وُجدت في سياق وعي سليم، تُنتج في الداخل زكاة؛ أي تشافيًا من الأنانية، وسموًّا عن حب التملّك، وتحررًا من الخوف والقلق.
هذا المعنى يتجلّى في دعاء أهل الكهف:
{رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}
[الكهف: 10]
فهم يطلبون “إيتاء” الرحمة، و”الرشد”، أي التحوّل الداخلي الذي يصنع زكاة حقيقية.
الزكاة: خروج من سبيل الطاغوت إلى سبيل الله
يُقدّم القرآن مفهوم الزكاة في إطار صراع وجودي بين سبيلين: سبيل الله، وسبيل الطاغوت. وهذا التقابل لا يُعنى فقط بالمجال السلوكي أو الاعتقادي، بل يمتد ليشمل بنية النفس الإنسانية ومستويات الوعي التي تحكمها. فالزكاة، من هذا المنظور، هي نتيجة طبيعية لمسار تراكميّ من رفض خطوات الشيطان، وتجاوز المشاعر الهابطة، والسير باتجاه مقامات النور والسلام والحكمة.
الطاغوت وخطوات الشيطان: مستويات الوعي الدنيا
تصف الآيات الكريمة من يتبع خطوات الشيطان بأنه يعيش حالة من الفحشاء والمنكر:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}
[النور: 21]
وهذه الخطوات، بحسب تقسيم الباحث، تقابل مشاعر مثل: الغل، الحسد، البخل، الاستكبار، الكذب، التبعية العمياء… وهي مشاعر تُنتج مستوى وعي هابطًا يُدمّر النفس والمجتمع، ويُعزز الطغيان والغفلة.
سبيل الله: ارتقاء إلى مستويات الوعي العليا
في المقابل، يُقدَّم “سبيل الله” كطريقٍ صاعدٍ نحو السلام، والحكمة، والنور، والصدق، والحب. وهو طريق التزكية الحقيقية التي يتولاها الله لعباده:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ}
[النور: 21]
فالزكاة، هنا، ليست فعلًا إراديًا فقط، بل هي عطاء إلهيّ يُمنح لمن يسلك سبيل الهداية بإخلاص، ويُجاهد نفسه للتحرر من تبعيّة الشيطان.
القرآن: مصدر الهداية والشفاء
يتقاطع هذا المفهوم مع وظيفة القرآن كما حددها الله:
{قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}
[فصلت: 44]{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}
[الإسراء: 82]{قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ}
[يونس: 57]
فالقرآن يُشكّل خارطةً واضحةً لمسار التشافي، ومصدرًا يُنير للنفس طريق الزكاة، ويُعينها على مغالبة مستويات الوعي الدنيا.
من لا يُزكّي: فقدان المسار
من لا يخوض تجربة الزكاة، فهو إما منكر للآخرة، أو مستكبر، أو تابع لخطوات الشيطان، كما في قوله تعالى:
{الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}
[فصلت: 7]
فغياب الزكاة دليل على انقطاع الارتباط بمنهجية التشافي والارتقاء التي يطرحها القرآن، وهو تعبير ضمني عن الغفلة والانغماس في النفس الأدنى.
الخاتمة
يتّضح من خلال هذا البحث أن مفهوم الزكاة في القرآن الكريم يتجاوز بكثير الإطار الفقهي التقليدي الذي حصَرها في دائرة العطاء المالي، ليتحوّل إلى مشروع تحوّل وجودي للنفس الإنسانية، ينطلق من تطهير داخلي، ويتجسّد في ارتقاء تدريجي في مستويات الوعي، من أدنى حالات الشعور السلبي المرتبطة بالطاغوت، إلى أسمى حالات النور والمحبة والسلام في سبيل الله.
لقد بينت الآيات القرآنية أن الزكاة هي النتيجة الطبيعية لمسار “تشافي” داخلي، تتخلله مجاهدة للنفس، وكبح للرغبات، ومراجعة للسلوك، وتخلية من المشاعر الهابطة كالحسد والبخل والعار والغرور، وتحلية بمقامات الشجاعة والصدق والحكمة والحب. وهي بذلك ليست مجرّد طقوس أو شعارات، بل تجربة عميقة من السمو الإنساني لا تُدرك إلا عبر الهداية الإلهية والرحمة القرآنية.
كما أن فعل “الإيتاء” يمثل حركة أولى نحو هذا المسار، لكنه لا يكفي في ذاته، ما لم يُثمر زكاة، أي تحوّلاً في النفس، وتزكية في المشاعر، وتجليًا للقيم في السلوك الفردي والاجتماعي.
بناءً عليه، فإن الزكاة لا ينبغي أن تُفهم فقط بوصفها التزامًا ماليًا، بل يجب أن يُعاد النظر إليها باعتبارها مؤشرًا قرآنيًا على مستوى التشافي الذي بلغته النفس. فكل من يخرج من سبيل الطاغوت إلى سبيل الله هو في الحقيقة “يزكّي نفسه”، وكل من يزكي نفسه، فإن الله يزكّيه، وهو الذي قال:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}
[الشمس: 9–10]