مقالات

قاعدة «ون» و«ين» في القرآن

دراسة في دلالة بناء الكينونة ونقد التفسير الإعرابي الموروث

المقدمة

يكثر في القرآن ورود أسماء الجماعات والأوصاف بصيغتين متقابلتين: ” ـون “  ، و ” ـين “ . فنقرأ:

المؤمنون / المؤمنين ، الكافرون / الكافرين ، الظالمون / الظالمين ، المفسدون / المفسدين ، الصابرون / الصابرين ،الصادقون / الصادقين ، الصابئون / الصابئين.

وقد جرى في النحو الموروث تفسير هذا الاختلاف من خلال قاعدة مقررة سلفًا: «ون» علامة الرفع، و«ين» علامة النصب والجر. وبذلك أصبح اختلاف الصيغة نتيجة للموقع الإعرابي، وانتهى البحث عند تحديد ما إذا كان الاسم فاعلًا أو مفعولًا أو مبتدأ أو معطوفًا أو مجرورًا.

لكن المشكلة تظهر عندما يأتي القرآن ببناء لا يستقيم بسهولة مع هذه القوالب نفسها، كما في: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. وكذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾. فهنا لم يعد الإعراب يصف النص كما هو، بل اضطر إلى افتراض عناصر غير منطوقة: «أمدح الصابرين»، أو: «أخص الصابرين»، أو:

«أعني الصابرين»، وفي ﴿الصابئون﴾ افترض مبتدأ مؤخرًا أو خبرًا محذوفًا أو تقديمًا وتأخيرًا.

وهنا يظهر السؤال المنهجي: لماذا نفترض كلامًا حذفه القرآن حتى نحافظ على القاعدة، بدل أن نعيد اختبار القاعدة على ضوء ما قاله القرآن فعلًا؟ فالقرآن لم يقل: «وأمدح الصابرين» ، ولم يقل: «والصابئون كذلك» ، وإنما قال تحديدًا: ﴿الْمُوفُونَ… وَالصَّابِرِينَ﴾ ، وقال: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مختلفة:

أن اختلاف «ون» و«ين» مقصود في بنية الخطاب القرآني، وأن لكل صيغة وظيفة في طريقة إقامة الكينونة داخل الكلام، وأن ما يسمى لاحقًا رفعًا ونصبًا وجرًا لا ينبغي أن يُجعل سببًا للاختيار قبل اكتشاف قانون القرآن نفسه.

فالغاية ليست اختراع إعراب جديد، وإنما العودة خطوة إلى الوراء: ماذا تفعل «ون» في المعنى؟ وماذا تفعل «ين»؟

أولًا: الآية المؤسسة — لماذا قال «الموفون» ثم «الصابرين»؟

قال تعالى:

﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

الآية تتحدث عن بناء واحد هو حقيقة البر ، وتسرد سلسلة متصلة من الصفات والأفعال. ثم تقول :﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ ، ثم مباشرة: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾. لو كانت «ون» و«ين» مجرد استجابة آلية لموقع إعرابي، فإن اختلاف الصيغتين داخل هذه السلسلة يحتاج إلى تفسير.

وقد حاول الإعراب الموروث حل المشكلة بالقول إن:

﴿الْمُوفُونَ﴾ مرفوع، بينما: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ منصوب على المدح، بتقدير فعل محذوف مثل: «أمدح الصابرين» أو: «أخص الصابرين» ، أو: «أعني الصابرين». لكن الإشكال هنا ليس في إمكان اختراع جملة تجعل البناء موافقًا للقاعدة.

الإشكال هو: من أين جاءت هذه الجملة؟ النص لم يقلها ، بل إن إضافة «أمدح» تغير بناء الخطاب نفسه.

فبحسب هذا التخريج يكون القرآن قد انتقل فجأة من تعداد حقيقة البر إلى جملة محذوفة معناها: «وأمدح الصابرين». لكن لماذا يحتاج الصابرون وحدهم إلى فعل مدح محذوف؟ ولماذا لم يقل النص «الصابرون» كما قال «الموفون»؟ الإعراب هنا يصف المشكلة بعد وقوعها، ثم يحلها بإضافة عنصر غير موجود.

أما المنهج الدلالي فيسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا أراد القرآن أن يحقق باختلاف الصيغتين نفسهما؟

ثانيًا: الواو ليست دائمًا دليلًا على تماثل ما بعدها

من الأسس التي تقوم عليها القراءة الإعرابية أن المعطوف يتبع المعطوف عليه في الإعراب. لكن:﴿الْمُوفُونَ… وَالصَّابِرِينَ﴾ يضع أمامنا واوًا تصل بين بنيتين مختلفتين. فالواو موجودة، لكن «ون» لم تتحول إلى «ين»، و«ين» لم تتحول إلى «ون».

إذن الواو جمعت بين العنصرين في السياق، لكنها لم تلغ استقلال البناء الدلالي لكل منهما. وهذه نقطة مهمة لأن الواو في القرآن تصل بين الكينونات أو الأفعال أو الأوصاف، لكنها لا تعني بالضرورة أن الطرف الثاني نسخة تركيبية من الأول. ومن هنا فإن جعل «التبعية الإعرابية» حاكمة على كل معطوف قد يحجب الوظيفة التي أراد النص إظهارها باختلاف البناء.

ثالثًا: ماذا فعلت «ون» في ﴿الموفون﴾؟

قال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. هنا أقام النص فئة واضحة بذاتها: الموفون. ثم أسند إليها مجال فعلها: ﴿بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. فالصيغة لا تقدمهم باعتبارهم واقعين تحت فعل آخر، وإنما تجعلهم هم الكينونة الظاهرة التي يصدر عنها الوفاء. ومن هنا نلاحظ أول وظيفة لـ«ون»: «ون» تقيم أصحاب الصفة في الخطاب ككينونة ظاهرة قائمة بذاتها، ينطلق منها الإسناد أو يثبت بها الحكم.

فـ: الموفون ← يقوم بهم الوفاء ، ولذلك برزوا في الكلام.

رابعًا: ماذا فعلت «ين» في ﴿الصابرين﴾؟

قال بعدها: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. هنا لا يقدم النص «الصابرين» بوصفهم كيانًا منفصلًا ثم يسند إليه فعلًا ، بل يدخلهم مباشرة في ميادين الاختبار: ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ ، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. فالصابرون هنا مُدرجون داخل حالات تكشف صبرهم. وهذا يفتح الوظيفة المقابلة: «ين» تدخل أصحاب الصفة في علاقة أو مجال أو حكم أو فعل أو حالة تحتويهم داخل بناء أكبر.

إذن الاختلاف ليس خطأ في التناسق يحتاج إلى «أمدح» محذوفة ، بل هو الذي يصنع المعنى:

الموفون: كينونة مبرزة.

الصابرين: كينونة مدرجة في الاختبار.

خامسًا: «ون» لا تعني الفاعل

قد يقال: لعل «ون» تدل ببساطة على الفاعل ، لكن القرآن يمنع هذا الاختزال :

قال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ ، فالظالمون لا يفعلون غمرات الموت ، بل هم واقعون فيها. ومع ذلك قال: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ لماذا؟ لأن النص أقامهم هم موضوع المشهد: الظالمون ← في غمرات الموت. فالقاعدة ليست: «ون = فاعل» ، بل: «ون» تقيم الكينونة وتظهرها مركزًا قائمًا في الإسناد، سواء كانت فاعلة أو واقعة في حالة. وهذا فرق جوهري.

سادسًا: «ين» لا تعني المفعول

وكذلك لا يصح القول: «ين = مفعول».

-قال تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ المتقون ليسوا مفعولًا به لفعل ، لكنهم دخلوا في علاقة: الهداية ← للمتقين.

-وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المفسدون ليسوا مفعولًا لفعل «أفسد»، بل دخلوا في مجال العلم: علم الله ← بالمفسدين.

-وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ المؤمنون هنا مجال يُنتقى منه رجال.

إذن «ين» لا تعني مفعولًا ، وإنما: «ين» تقدم الكينونة من جهة ارتباطها ببناء آخر يحتويها أو يتعلق بها.

سابعًا: «ون» وإقامة الكينونة

 

من أوضح مواضع «ون»: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ، ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. في هذه المواضع لا يجري إدخال الجماعة تحت فعل آخر ، بل النص يقول:

هؤلاء ← المتقون.

هؤلاء ← المفلحون.

هؤلاء ← الظالمون.

هؤلاء ← المفسدون.

إنها عملية إقامة وإثبات للكينونة ، ولهذا تظهر «ون» بصورة متكررة في مواضع تثبيت الهوية.

ثامنًا: «ين» وإدراج الكينونة

1.قارن: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ بـ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

المتقون في الأولى:هم الكينونة التي يجري إثباتها.

أما في الثانية: فهم الجهة التي دخلت في علاقة مع الهدى.

2.وقارن: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بـ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.

في الأولى: الظالمون هم الحكم المثبت.

وفي الثانية: دخلوا تحت علاقة: الله ← لا يحب ← الظالمين.

وهذا التباين يتكرر على نحو يجعل اختلاف «ون/ين» جزءًا من هندسة المعنى.

تاسعًا: المؤمنون والمؤمنين

قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. النص أقام: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ كينونة رئيسة، ثم أخذ يكشف خصائصها: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾. فهم مركز البناء.

أما: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

فقد أصبحت جماعة المؤمنين مجالًا يدخل فيه الرجال المذكورون: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

إذن:

المؤمنون: الكينونة مبرزة.

المؤمنين: الكينونة مدرجة في علاقة.

عاشرًا: الكافرون والكافرين

قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، هنا أخرج الخطاب الكافرين وأقامهم طرفًا مستقلًا في المواجهة: ﴿يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

ثم وجه الكلام إليهم.

أما: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ، فالجماعة دخلت في حكم يتعلق بها: الله ← لا يحب ← الكافرين.

فالصفة واحدة، لكن زاوية حضور أصحابها مختلفة.

 

 

حادي عشر: الظالمون والظالمين

قال: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. هنا: أولئك = الظالمون.

فالظلم أثبت لهم كهوية قائمة.

أما: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، فالظالمون دخلوا في حكم عدم الهداية.

إذن:

الظالمون: إبراز.

الظالمين: إدراج.

ثاني عشر: المفسدون والمفسدين

قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾. هنا تثبيت مباشر: هم = المفسدون.

أما: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ ، فقد دخلوا في علاقة العلم.

وكذلك: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فـ﴿مفسدين﴾ مرتبطة بالحالة التي يكونون عليها أثناء الفعل.

إذن «ين» لا تنفي قيامهم بالفعل؛ بل تعرضهم من داخل العلاقة التي دخلوا فيها.

ثالث عشر: الصادقون والصادقين

قال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. الصادقون أصحاب الصدق فعلًا، لكن الصيغة جاءت: ﴿الصَّادِقِينَ﴾

لأن النص لا يقيمهم هنا باعتبارهم مركز الإسناد، وإنما يدخلهم تحت الجزاء: الله ← يجزي ← الصادقين.

أما حين تثبت لهم الهوية من ذاتها فإن صيغة «ون» تظهر في السياق المناسب.

إذن القضية ليست مقدار فاعلية الشخص، بل: كيف أحضره القرآن في هذا الموضع؟

رابع عشر: الصابرون والصابرين

وهنا تظهر مقارنة شديدة الوضوح.

قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. فالصابرون هنا دخلوا تحت فعل البشارة: بشّر ← الصابرين.

لكن قال: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾. وهنا أخرج النص جماعة بعينها وأقامها جوابًا للحصر: من يتلقاها؟﴿الصَّابِرُونَ﴾. فهم الكينونة التي أثبت لها الحكم.

إذن:

الصابرون: إقامة الكينونة.

الصابرين: إدراجها في الفعل أو العلاقة.

وهذه المقارنة مهمة لأن الصفة نفسها لم تتغير. الذي تغير هو طريقة حضور أصحابها في الخطاب.

خامس عشر: الصابئون — الموضع الذي يكشف أزمة الإعراب الموروث

قال تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ﴾.

وقال في المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ﴾.

وقال في الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ﴾.

وفق قاعدة العطف الإعرابية المعتادة كان المتوقع في المائدة أن تأتي: «والصابئين» لكن القرآن قال :﴿وَالصَّابِئُونَ﴾.

وهنا ظهرت التخريجات: قيل إن ﴿الصابئون﴾ مبتدأ وخبره محذوف ، وقيل إنه مقدم أو مؤخر في التقدير ، وقيل بوجوه أخرى لاستيعاب «ون» داخل القاعدة. لكن كل هذه المحاولات تشترك في أمر واحد: أنها تفترض نصًا غير النص المكتوب حتى تحافظ على القاعدة السابقة.

أما هذه الدراسة فتسلك الاتجاه المعاكس: إذا اختار القرآن: ﴿الصَّابِئِينَ﴾ في موضع، واختار: ﴿الصَّابِئُونَ﴾ في موضع آخر، فالأصل أن نسأل: ما الذي أراد أن يختلف؟

لا: كيف نعيد تركيب الجملة ذهنيًا حتى تصبح الصيغة موافقة لما قررناه مسبقًا؟

ومن هنا تصبح ﴿الصابئون﴾ شاهدًا مهمًا على أن «ون» نفسها تحمل وظيفة في إبراز هذه الكينونة داخل ذلك السياق، بينما جاءت ﴿الصابئين﴾ في الموضعين الآخرين مدرجة داخل السلسلة.

وقد فُصّل في بحث مستقل منشور في تطبيق «دلالات القرآن» داخل قسم المفاهيم الموجود بقسم الدلالات سبب مجيء  ﴿الصَّابِئِينَ﴾ في البقرة والحج، و﴿الصَّابِئُونَ﴾ في المائدة، ودلالة كل صيغة في سياقها. أما موضع الاستشهاد هنا فهو أن اختلاف «ون/ين» مقصود بذاته، ولا يجوز إلغاؤه بإضافة محذوفات أو تقديرات لم يذكرها النص.

سادس عشر: لماذا جاءت سلسلة كاملة على «ين»؟

قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. هذه الآية مهمة لأنها تمنع تفسير «ين» بأنها ضعف أو سلبية أو عدم فاعلية. فالمنفق فاعل ، والمستغفر فاعل ، والصادق يقوم بصدق ، والقانت قائم بما يقوم به. ومع ذلك جاءت كلها: صابرين، صادقين، قانتين، منفقين، مستغفرين.

لماذا؟ لأنها جميعًا مدرجة داخل نسق واحد يصف الكينونة المقصودة. فالذي تحدده «ين» ليس أن الشخص غير فاعل، وإنما أن النص يعرضه من جهة اندراجه في بناء آخر.

سابع عشر: النون ثابتة والجهة تتغير

هناك ملاحظة بنيوية مهمة: الصيغتان تشتركان في:

النون ، ويختلف ما قبلها: واو + نون ، مقابل: ياء + نون. وهذا يدعونا إلى عدم التعامل مع الواو والياء كعلامتين صوتيتين بلا وظيفة.

فالتحول من: مؤمنون ، إلى: مؤمنين ليس حذفًا للكلمة وإنشاء كلمة أخرى؛ فالكينونة الأساسية باقية، والنون باقية، لكن جهة إقامة هذه الكينونة داخل الخطاب تتغير.

ومن خلال الاستقراء يظهر أن: «ون» تحمل الكينونة إلى جهة البروز والقيام في الإسناد ، بينما: «ين» تحملها إلى جهة الاتصال والاندراج في علاقة.

ثامن عشر: لماذا لا نسمي هذا «رفعًا ونصبًا»؟

يمكن للدارس بعد ذلك أن يضع أسماء اصطلاحية لما يراه ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأسماء إلى أسباب للظاهرة. فنقول: جاءت «ون» لأنها مرفوعة ، وجاءت «ين» لأنها منصوبة. ثم إذا خالف ظاهر النص القاعدة قلنا: هناك فعل محذوف، أو مبتدأ محذوف، أو خبر محذوف، أو تقديم وتأخير، أو نصب على المدح. وهكذا تصبح القاعدة غير قابلة للاختبار لأن كل بناء قرآني يمكن إدخاله فيها بإضافة محذوف مناسب.

أما المنهج الذي تتبناه هذه الدراسة فيبدأ بالنص كما هو: ﴿الْمُوفُونَ﴾ مقصودة ، ﴿الصَّابِرِينَ﴾ مقصودة ، ﴿الصَّابِئُونَ﴾ مقصودة ، ﴿الصَّابِئِينَ﴾ مقصودة. ثم يبحث عن القانون الذي يفسر اختيار كل واحدة منها من غير إضافة كلمة واحدة إلى النص.

 

 

تاسع عشر: العودة إلى ﴿الموفون والصابرين﴾

الآن يمكن قراءة الآية المؤسسة دون الحاجة إلى: «أمدح الصابرين» أو: «أخص الصابرين». قال:﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾. فأقام الموفين بالعهد ككينونة ظاهرة، لأن الوفاء يصدر عنهم ويتحقق بقيامهم به ، ثم قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ ، فأدخل الصابرين في ميادين الابتلاء التي يظهر فيها صبرهم ثم ختم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وعاد إلى: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾. لماذا؟ لأن الآية انتهت من تعداد عناصر البر، ثم أقامت أصحابها في النهاية كهوية مكتملة: ﴿هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. فتصبح حركة الآية:

الموفون: إقامة كينونة.

الصابرين: إدراج في ميادين الاختبار.

المتقون: إقامة الهوية الناتجة النهائية.

وبذلك لا يصبح اختلاف «الموفون/الصابرين» خللًا يحتاج إلى «نصب على المدح»، بل جزءًا من البيان نفسه.

عشرون: القاعدة الدلالية

بعد استقراء هذه المواضع يمكن اقتراح القاعدة التالية:

أ ) «ون»

بناء يقيم الكينونة في الخطاب من جهة قيامها وبروزها واستقلالها النسبي في الإسناد، فيجعلها طرفًا ظاهرًا يُثبت له فعل أو حال أو وصف أو هوية.

ومن أمثلته: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿الْكَافِرُونَ﴾ ، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾ ، ﴿الصَّابِرُونَ﴾ ، ﴿الصَّابِئُونَ﴾ ، ﴿الْمُوفُونَ﴾ .

ب ) «ين»

بناء يدخل الكينونة في علاقة أو فعل أو حكم أو وصف أو مجال أو حالة أو منظومة أكبر، فيقدمها من جهة تعلقها بما حولها لا من جهة استقلالها في الإسناد.

ومن أمثلته: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ ، ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾، ﴿الْكَافِرِينَ﴾ ، ﴿الصَّابِرِينَ﴾ ، ﴿الصَّادِقِينَ﴾ ، ﴿الصَّابِئِينَ﴾.

واحد وعشرون: قاعدة ضمن منهج أوسع للتدبر

هذه الدراسة ليست بحثًا معزولًا، بل تطبيق لمنهج يقوم على أن القرآن هو الأصل الذي تُستنبط منه قواعد فهمه، لا نصًّا يُخضع لقواعد وُضعت بعده. وهو المنهج نفسه الذي قامت عليه بحوث سابقة في «دلالات القرآن»، مثل:

وهم الجذر الدلالي، وهدم سلطة النحو والإعراب على القرآن، وما تضمنه من دراسة مواضع مثل:

﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ ، ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ، ﴿إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ، ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ، ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. والمنهج في جميع هذه الدراسات واحد: لا نسأل كيف نُدخل النص في القاعدة، بل لماذا اختار القرآن هذا البناء تحديدًا؟

فكل اختلاف في الصيغة، أو الرسم، أو العدد، أو الضمير، أو الوصل والفصل، أو ترتيب الكلام، هو موضع محتمل لاكتشاف قاعدة دلالية جديدة.

ومن هنا يكون طريق التدبر:

رصد الظاهرة، وجمع نظائرها، ومقارنة سياقاتها، واستخراج وظيفتها، ثم اختبار القاعدة على بقية المواضع. فالغاية ليست هدم القواعد لمجرد الهدم، بل إعادة المرجعية إلى موضعها الصحيح: القرآن يُكشف منه قانون اللسان، ولا يُحاكم بقانون صيغ بعده.

مقال الصابئون و الصابئين—. https://www.facebook.com/share/p/1Y6GtrVqj2/

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى