مقالات

يأجوج ومأجوج في القرآن

من الإفساد إلى الاحتواء ثم الفتح

يأجوج ومأجوج في القرآن

من الإفساد إلى الاحتواء ثم الفتح

المقدمة

من أكثر القصص القرآنية التي تراكم حولها التصوير الأسطوري قصة يأجوج ومأجوج. فمرة يُبحث عنهما في شعوب التاريخ، ومرة خلف جدار مجهول، ومرة يقال إنهما براكين أو جراثيم أو ظواهر طبيعية، ثم يعاد تركيب الآيات لتناسب الفرضية المختارة.

لكن القرآن لم يطلب منا أن نبحث عن يأجوج ومأجوج خارج النص قبل أن نفهم كيف عرّفهما هو. واللافت أن القرآن لم يعطنا نسبهما، ولا وطنهما، ولا عددهما، ولا أسماء قادتهما، ولا وصف أجسادهم، ولا اسم الأرض التي يوجدون فيها.

بدل ذلك أعطانا ما هو أهم لفهم وظيفتهما: وصفهما، وحركتهما، وعلاقتهما بالحدود، وكيف جرى احتواء أثرهما، وما الذي يحدث عندما ينتهي هذا الاحتواء. بل إن بناء الاسمين نفسيهما يفتح لنا بابًا إضافيًا لفهم طبيعة هذه المنظومة.

ومن هنا يبدأ البحث.

أولًا: ماذا قال القرآن عن يأجوج ومأجوج؟

لم يرد الاسمان صراحة إلا في موضعين.

قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: 94]

وقال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96]

ومن هذين الموضعين وسياقهما ينبغي بناء المفهوم.

فالأول يعرض حالهما أثناء وجود نظام الاحتواء، والثاني يعرض ما يحدث عند انتهاء هذا الاحتواء وفتح المنظومة.

ثانيًا: يأجوج ومأجوج كيان جماعي عاقل

قال القرآن: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ثم قال بعد إقامة الردم: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ، ثم قال: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.

فالخطاب يبني منظومة كاملة من الأفعال والضمائر المسندة إلى جمع عاقل: مفسدون، اسطاعوا، استطاعوا، يظهروه، نقبًا، هم، ينسلون. فالحديث ليس عن ظاهرة تقع تلقائيًا بفعل الطبيعة، وإنما عن كيان جماعي يتحرك ويحاول تجاوز مانع ويبحث عن طريق للنفاذ.

 

ولهذا فإن تفسير يأجوج ومأجوج بالبراكين أو الزلازل أو الجراثيم أو غيرها من الظواهر الطبيعية غير العاقلة يصطدم ببنية النص نفسها. فالبركان لا «يستطيع» ولا يحاول أن يظهر ردمًا أو ينقبه، ولا يعود عليه ضمير جمع العقلاء بهذه الصورة.

وعليه: يأجوج ومأجوج كيان جماعي عاقل، والأقرب من مجموع الأوصاف أنه تكوين بشري جماعي، دون أن يعطينا القرآن ما يسمح بتحويله إلى عرق أو قبيلة تاريخية محددة.

ثالثًا: ليسا رجلين اسمهما يأجوج ومأجوج

لو كان الاسمان لرجلين لاقتضى السياق معاملتهما بوصفهما اثنين ، لكن القرآن يقول: ﴿مُفْسِدُونَ﴾ ، ويقول:﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. إذن نحن أمام تكوين جماعي، لا أمام شخصين منفردين.

لكن القرآن في الوقت نفسه لا يقول: «قوم يأجوج» ، ولا: «قبيلة مأجوج». ولهذا لا يصح أن نثبت الجماعية ثم نقفز منها إلى قومية أو نسب تاريخي لم يذكره النص. والأدق أن نقول: يأجوج ومأجوج ثنائية اسمية لجماعة عاقلة تعمل كوحدة واحدة.

رابعًا: ماذا تعني «يأجوج ومأجوج»؟

قبل تفسير الياء والميم، لا بد من الرجوع إلى المجال الدلالي الذي ينطلق منه الاسمان ، والقرآن نفسه يعطينا مادة قريبة واضحة هي: { أجاج }.

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: 53] ، وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12] ، وقال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: 70]

والقرآن هنا يمنع اختزال «أجاج» في «الملح»، لأنه قال أصلًا: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾. فـ«ملح» يصف طبيعة الماء، بينما «أجاج» تضيف حالة بلغها هذا الماء ، وتزداد الدلالة وضوحًا في قوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾. فالماء نفسه يمكن أن يتحول إلى حالة «أجاج»، فتتغير صلاحيته وأثره.

ومن مجموع هذه الاستعمالات يظهر أن المجال الدلالي لـ«أ ج ج» يقوم على: شدة متصاعدة مؤثرة، تبلغ من الشيء درجة يظهر معها أثرها في حاله ووظيفته. فـ«أجاج» هي الشدة وقد تحققت في الشيء وأصبحت حالة مؤثرة فيه.

ومن هذا المجال نفسه ننتقل إلى بناء الاسمين.

خامسًا: «يأجوج» والشدة حين تدخل طور الفعل

القرآن يعرض نمطًا واضحًا في الأبنية الفعلية: يجرم، يفسد، يكفر، يعمل، يسلم. في هذه الأبنية تدخل الياء بالمفهوم في طور الحدوث والتشغيل.

فـ«يفسد» يقدم الفساد وهو يحدث، و«يكفر» يقدم الكفر وهو يمارس، و«يجرم» يقدم الإجرام في طور الفعل.

 

فالقاعدة ليست أن كل ياء تحمل معنى واحدًا أينما جاءت، وإنما: الياء في صدر هذا النوع من الأبنية الفعلية تدخل بالمفهوم في طور الفعل والتشغيل.

وعند تطبيق ذلك على «أ ج ج»، تكون «يأجوج» تعبيرًا عن: الشدة وقد دخلت طور الفعل والتشغيل وأصبحت أثرًا جاريًا. فالاسم لا يبدأ مفهومًا جديدًا منفصلًا عن «أ ج ج»، وإنما يشغل المجال نفسه.

سادسًا: «مأجوج» وانتقال الفعل إلى فاعله

في المقابل نجد نمطًا آخر في القرآن: يفسد ومفسد، يجرم ومجرم، يؤمن ومؤمن، يسلم ومسلم، يكذب ومكذب.

في الأولى يكون المفهوم في طور الفعل ، وفي الثانية ينتقل مركز النظر إلى من يحمل هذا الفعل ويصبح موصوفًا بوظيفته.

فـ«يفسد» يعرض الإفساد وهو جارٍ، أما «مفسد» فيعرض من أصبح الإفساد صادرًا عنه ووصفًا له.

ومن هنا: الميم في هذه الأبنية الوصفية تنقل مركز الدلالة من الفعل إلى حامل الفعل وصفته.

وعند تطبيق ذلك على «مأجوج»، تصبح الدلالة: حامل الشدة الذي أصبح فاعلًا بها وموصوفًا بأثرها.

وهنا يصبح ترتيب القرآن نفسه لافتًا ، فالقرآن يقول دائمًا: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ ولا يعكس الترتيب. فيأتي الفعل أولًا، ثم فاعله: «يأجوج» فعل الشدة وتشغيلها، و«مأجوج» حامل هذه الشدة والفاعل بها.

سابعًا: ثنائية في الاسم ووحدة في الوظيفة

مع ذلك، لا يعني هذا أن القرآن يقدم جماعتين لكل واحدة منهما وظيفة مستقلة ، فهو لم يقل إن يأجوج يقوم بأمر ومأجوج يقوم بأمر آخر. بل قال: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ،
ثم قال: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.

فالاسمان يعملان كوحدة واحدة ، وبذلك يمكن القول:

«يأجوج ومأجوج» ثنائية اسمية تجمع فعل الشدة وفاعلها في منظومة وظيفية واحدة.

وهذا يفسر لماذا يأتي الوصف القرآني لهما جمعيًا موحدًا: ﴿مُفْسِدُونَ﴾.

ثامنًا: لماذا وصفهم القرآن بـ«مفسدون في الأرض»؟

القوم لم يقولوا: إنهم كفار ، ولا: إنهم وحوش ، ولا: إنهم غرباء ، ولا حتى: إنهم يقتلوننا. قالوا تحديدًا: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. وهذا الوصف ينسجم مع ما كشفته بنية الاسم من شدة دخلت طور الفعل وأصبح لها حامل فاعل بها.

لكن الأهم أن طلب القوم يكشف طبيعة الإفساد: ﴿أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. فهم لم يطلبوا القضاء عليهم، وإنما طلبوا ضبط العلاقة بينهم وبينهم.

ولهذا تتكرر «بين» بصورة لافتة: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ، ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. وكأن مركز القصة ليس الجدار، وإنما: البين بين مجالين.

فالمشكلة تظهر حين تتجاوز حركة أحد المجالين حده فتؤثر في المجال الآخر.

تاسعًا: «في الأرض» لا تعني الكرة الأرضية كلها

قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: 73] ، ومن الواضح أنهم لم يكونوا يتحدثون عن إفساد الكوكب كله.

وقال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48] ، فـ«الأرض» يمكن أن تكون المجال الذي تعمل فيه الجماعة أو النظام.

وعليه فإن قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا يثبت وحده أن فسادهم كان يغطي الكرة الأرضية كلها ، لكنه يثبت أن لهم أثرًا مفسدًا فعليًا في المجال الذي تصل إليه حركتهم.

عاشرًا: السدان كانا موجودين قبل ذو القرنين

قال القرآن: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾. إذن السدان موجودان قبل تدخل ذي القرنين ، فهو لم يبنهما.
ثم قال القوم: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. لكن ذا القرنين لم يقل: «سأبني سدًا» بل قال: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾. ثم بدأ العمل: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ…﴾. فهذا يدل على أن العمل وقع في موضع بين طرفين موجودين أصلًا. والأقرب أن هناك نظام فصل قائمًا، لكن موضعًا فيه كان يسمح بالنفاذ، فجاء الردم ليكمل وظيفة الاحتواء.

الحادي عشر: السد غير الردم

القوم طلبوا: ﴿سَدًّا﴾ ، أي وظيفة المنع والفصل. أما ذو القرنين فقال: ﴿رَدْمًا﴾ ، أي الطريقة التي حقق بها هذه الوظيفة في موضع النفاذ.
 ولهذا يمكن التفريق بينهما وظيفيًا: السد هو حالة المنع المطلوبة، والردم هو الإنشاء الذي حقق هذه الحالة في موضع الفجوة.

وهذا يفسر لماذا كانت السدود موجودة أصلًا، ومع ذلك طلب القوم «سدًا». فالمطلوب لم يكن بالضرورة جدارًا ثالثًا، وإنما استكمال وظيفة الفصل بين المجالين.

الثاني عشر: الردم ليس سجنًا ليأجوج ومأجوج

لا توجد آية تقول إن يأجوج ومأجوج أحيط بهم من جميع الجهات ، ولا أنهم حبسوا داخل وادٍ ، ولا أن الردم يطوق أرضهم. بل التعبير هو: ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ﴾ ، ثم: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾. إذن الردم حد بين مجالين، وليس بالضرورة جدار سجن حول جماعة.

 

فيمكن ليأجوج ومأجوج أن يظلوا موجودين ويتحركوا داخل مجالهم، بينما يمنعهم الردم من تجاوز الحد إلى مجال آخر.

الثالث عشر: ماذا فعل الردم بحركتهم؟

قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾. فالقرآن يعرض طريقتين لتجاوز الحد: المرور فوقه، أو النفاذ خلاله ، وكلاهما تعطل.

وهذا يؤكد أن القضية كلها تدور حول: حركة وحد ومحاولة تجاوز واحتواء. فالردم لم يغير طبيعة يأجوج ومأجوج، وإنما أوقف قدرتهم على نقل حركتهم إلى المجال الآخر.

الرابع عشر: الردم احتوى الإفساد ولم يلغِه

القرآن لا يقول إن يأجوج ومأجوج أصبحوا صالحين بعد بناء الردم ، ولا يقول إن الصفة التي عرفوا بها زالت. الذي تغير هو إمكان النفاذ ، ولهذا فإن الردم لم يلغِ وظيفة يأجوج ومأجوج، وإنما احتوى أثرها ومنع انتقاله عبر الحد.

ومن هنا نفهم قول ذي القرنين: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾. فالرحمة هنا في نجاح الاحتواء وحماية المجال الآخر من أثر الحركة المتجاوزة.

الخامس عشر: الاحتواء مؤقت إلى مجيء وعد الله

بعد أن وصف الردم بأنه رحمة قال ذو القرنين مباشرة:

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾. إذن للردم زمن وظيفة ، فهو رحمة في مرحلة معينة، لكنه ليس بناءً أبديًا ، وعندما يأتي وعد الله تنتهي وظيفته.

والأهم أن السياق لا يتوقف عند الدك، بل يقول بعدها مباشرة: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. وهنا تتحدد المرحلة الزمنية بصورة شديدة الوضوح. فنحن أمام: مجيء وعد الله، ثم انتهاء الحد، ثم الموج، ثم النفخ في الصور، ثم الجمع.

وبذلك فإن انتهاء احتواء يأجوج ومأجوج مرتبط بآخر الزمان ومشهد الانتقال إلى الوعد والجمع، لا بحدث تاريخي عابر وقع وانتهى.

السادس عشر: سورة الأنبياء تؤكد أن فتحهم في آخر الزمان

يأتي الموضع الثاني ليؤكد الصورة نفسها: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ۝ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا…﴾ [الأنبياء: 96–97]

فالقرآن لا يفصل بين فتح يأجوج ومأجوج وبين الوعد الحق ، بل يقول: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ثم مباشرة:﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. وهذا يطابق سورة الكهف، حيث قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ ، ثم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.

 

إذن الموضعان يشرح أحدهما الآخر : في الكهف نجد انتهاء الردم عند مجيء الوعد ، وفي الأنبياء نجد فتح يأجوج ومأجوج عند اقتراب الوعد الحق.

وعليه: فتح يأجوج ومأجوج حدث يقع في المرحلة النهائية من هذا النظام، عند اقتراب الوعد الحق والنفخ في الصور والجمع؛ أي في آخر الزمان بالاصطلاح المتداول.

السابع عشر: ماذا تعني ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؟

هذه الآية لا ينبغي عزلها عن السياق الذي يسبق فتح يأجوج ومأجوج.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ۝ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.

إذن القاعدة التي قررها النص هي: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. ثم يأتي مباشرة: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. إذا أخذنا «حرام» في وظيفتها القرآنية الدالة على المنع والامتناع، فإن الذي جعله النص ممتنعًا هو:

﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ ، أي أن عدم الرجوع هو الممتنع.  فالهلاك لا يخرج القرية من القاعدة التي سبقت: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ . وبذلك يصبح تسلسل الآيات شديد التماسك:

قرر أولًا أن الجميع راجعون إليه.

ثم قرر أن القرية التي وقع عليها الهلاك ليست مستثناة من الرجوع.

ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.

ثم: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.

فـ«حتى إذا» ليست افتتاح قصة منفصلة عن الآيات السابقة، وإنما تدخل بنا إلى المرحلة التي يقترب فيها تحقق الرجوع المقرر قبلها. وهذا يجعل وجود آية يأجوج ومأجوج في هذا الموضع مفهومًا: التقطع الذي عاشته الأمم والحدود التي فصلت بينها يدخل نظامها مرحلة النهاية، ويبدأ مشهد الفتح والنسلان، ثم يقترب الوعد الذي ينتهي بالرجوع والجمع.

الثامن عشر: من التقطع إلى الجمع

إذا قرأنا سورة الأنبياء من هذا المنظور ظهر تسلسل بالغ الأهمية. يبدأ النص بقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. ثم يقول: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾. ثم: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾. ثم يأتي فتح يأجوج ومأجوج: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. ثم: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.

وفي سورة الكهف نجد عند مجيء الوعد: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ، ثم: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. فتظهر أمامنا حركة كلية في النص: بدأت بوحدة، ثم حدث التقطع، ثم قامت الحدود والاحتواء، ثم تنتهي وظيفة الحدود عند الوعد، ثم يأتي النسلان والموج، ثم الجمع والرجوع.

وهنا تتجاوز قصة يأجوج ومأجوج صورة «قوم خلف جدار» إلى موقعها في التحول النهائي لنظام الحدود والتقطع قبل الجمع.

التاسع عشر: لماذا قال ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾؟

القرآن لم يقل: «حتى إذا فُتح الردم» ، ولم يقل: «حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج» ، بل قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. وهذا التعبير بالغ الأهمية.

فالفتح في القرآن لا يقتصر على فتح باب مادي، بل يمكن أن يكون إزالة مانع وإتاحة ما كان محجوبًا أو محتوى. قال: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ، وعليه فإن: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ يمكن فهمها وظيفيًا على أن حالة التقييد والاحتواء المفروضة على حركتهم قد انتهت. وتأتي الجملة التالية لتبين النتيجة فورًا: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. فالفتح هنا فتح للمنظومة وحركتها، لا مجرد فتح باب في جدار.

العشرون: لماذا ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾؟

لو كانت الصورة مجرد جماعة محبوسة خلف جدار له منفذ واحد، لكان المتوقع أن يصف النص خروجها من ذلك الموضع.

لكنه يقول: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. والقوة الدلالية هنا ليست في «حدب» وحدها، بل في: “من كل”. فالحركة بعد الفتح أصبحت واسعة ومتعددة الاتجاهات.

وهذا يضعف صورة ملايين الكائنات التي ظلت محصورة خلف جدار واحد ثم خرجت من بوابته. والأقرب أن الردم كان نقطة حاسمة في منظومة احتواء، وأن انهيار نظام الاحتواء يحرر حركة لم تعد مقيدة بذلك الموضع.

ولا يلزم من ذلك القول إن الردم كان يحيط بالكرة الأرضية؛ فالنص لا يعطينا ما يسمح بهذا الجزم.

الحادي والعشرون: ما معنى ﴿يَنْسِلُونَ﴾؟

ورد الفعل نفسه في مشهد آخر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51].

ولا يعني هذا أن يأجوج ومأجوج هم الموتى الخارجون من الأجداث ، لكن الاستعمالين يكشفان طبيعة «النسلان»: حركة جماعية واسعة تنطلق بعد انتهاء حالة كانت تمنع هذه الحركة أو تقيدها.

في سورة يس يأتي النسلان بعد النفخ والخروج من الأجداث ، وفي الأنبياء يأتي بعد فتح يأجوج ومأجوج ، وكلاهما داخل مشهد النهاية والرجوع.

ومن هنا يصبح لفظ «ينسلون» متوافقًا تمامًا مع معنى الاسم الذي توصلنا إليه: شدة أصبحت فعلًا جارياً وحركة ظاهرة واسعة.

الثاني والعشرون: ماذا عن ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؟

قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾. لا ينبغي الجزم بأن الضمير محصور في يأجوج ومأجوج وحدهم؛ لأن الآية تنتقل سريعًا إلى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. وقد يكون المشهد قد اتسع إلى الناس جميعًا ، لكن الأهم هو الوظيفة التي يكشفها التعبير.

 

في بداية القصة كان: ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ﴾ ، أي فصل بين مجالين. وعند مجيء الوعد يصبح المشهد: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ، ثم ينتهي إلى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾. أي أن المشهد يتحول من الفصل بالحدود إلى التداخل والحركة ثم الجمع.

الثالث والعشرون: لماذا لا يكونان براكين أو جراثيم؟

بعد اكتمال الصورة يصبح الرد على هذه الفرضيات أقوى من مجرد الاستناد إلى ضمير العقلاء. فالفرضية الطبيعية يجب أن تفسر شبكة النص كلها: كيف تكون الظاهرة الطبيعية: ﴿مُفْسِدُونَ﴾؟ وكيف: ﴿اسْطَاعُوا﴾؟ وكيف: ﴿اسْتَطَاعُوا﴾؟ وكيف تحاول أن تظهر الردم أو تنقبه؟ وكيف يعود عليها: ﴿هُمْ﴾؟ ، وكيف: ﴿يَنْسِلُونَ﴾؟

وكيف تكون العلاقة: ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ﴾؟ ، وكيف يكون الحل إقامة حد بين مجالين؟

 

بل إن دلالة الاسمين نفسها، بعد ردها إلى مجال الشدة ثم قراءة «يأجوج» بوصفها تشغيلًا لهذه الشدة و«مأجوج» بوصفها حاملها الفاعل بها، تنسجم مع كيان جماعي عاقل يتحرك ويؤثر، لا مع ظاهرة طبيعية عمياء.

ولهذا لا تسقط فرضية البراكين أو الجراثيم بسبب كلمة واحدة، بل لأنها تعجز عن تشغيل النظام النصي كله دون كسره.

الرابع والعشرون: الصورة الكاملة

بعد جمع الآيات يصبح تصور يأجوج ومأجوج أكثر وضوحًا. نحن أمام كيانين جماعيين عاقلين يمثلان ثنائية اسمية واحدة في الوظيفة.

واسمهما نفسه ينطلق من مجال «أ ج ج» الدال على الشدة المتصاعدة المؤثرة.

تظهر هذه الشدة في «يأجوج» وهي تدخل طور الفعل والتشغيل، وفي «مأجوج» في حاملها الذي أصبح فاعلًا بها ، ويجمعهما القرآن في وصف واحد: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ويظهر هذا الإفساد عندما تتجاوز الحركة مجالها إلى مجال الآخرين ، وكان بين المجالين نظام فصل قائم أصلًا، لكنه احتاج إلى استكمال في موضع النفاذ ، فأنشأ ذو القرنين الردم، فأصبحت محاولات تجاوزه من فوقه أو خلاله غير ممكنة. ووصف ذلك بأنه:﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾. لكن الرحمة هنا مرحلية؛ لأن ذا القرنين نفسه أعلن أن للردم نهاية: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ ، وعند مجيء الوعد تنتهي وظيفة الاحتواء.

وفي الموضع الآخر: ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. فتعود الشدة التي كانت محتواة إلى مجال الحركة الواسعة:

﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾. ثم يدخل المشهد مباشرة في: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ، وفي الكهف: ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ، ثم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.

فالقصة تبدأ بالإفساد، ثم الاحتواء، وتنتهي بالفتح والنسلان والموج، داخل التحول الأكبر من التقطع إلى الرجوع والجمع.

 

الخلاصة

يأجوج ومأجوج في القرآن ليسا براكين، ولا جراثيم، ولا ظاهرة طبيعية عمياء، ولا شخصين منفردين. كما أن القرآن لا يعطينا أساسًا كافيًا لتحويلهما إلى قبيلة تاريخية محددة.

يأجوج ومأجوج كيانان جماعيان عاقلان، يمثلان ثنائية اسمية تعمل كوحدة وظيفية واحدة. وتنطلق التسمية من مجال «أ ج ج» الدال على الشدة المتصاعدة المؤثرة؛ فـ«يأجوج» تمثل دخول هذه الشدة في طور الفعل والتشغيل، بينما يمثل «مأجوج» حامل هذه الشدة والفاعل بها. وبذلك يجمع الاسمان الفعل وفاعله في بنية واحدة، وهو ما ينسجم مع وصفهما القرآني الجامع: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. وتظهر هذه الشدة الفاعلة في حركة تتجاوز حدود مجالها فتؤثر في مجال آخر لذلك جاء العلاج القرآني باحتواء الحركة وإقامة حد بين المجالين. وظل هذا الاحتواء ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ ، إلى مجيء وعد الله، حيث تنتهي وظيفة الحد وتفتح المنظومة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ، فتتحول الحركة المحتواة إلى نسلان واسع: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.

وليس توقيت هذا الفتح مجهولًا في النص؛ فسورة الكهف تربط نهاية الردم بمجيء وعد الله ثم النفخ في الصور والجمع، وسورة الأنبياء تربط فتح يأجوج ومأجوج مباشرة باقتراب الوعد الحق.

وعليه فإن فتح يأجوج ومأجوج من أحداث المرحلة الأخيرة قبل تحقق الوعد والجمع أي من أحداث آخر الزمان. كما أن قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ يأتي بعد تقرير: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾، فيؤكد، في سياق الآيات، أن الهلاك لا يلغي قانون الرجوع فالممتنع هو أن ينتهي أمر هؤلاء بلا رجوع، ثم تدخل الآيات مباشرة في لحظة الفتح واقتراب الوعد الحق.

وبذلك تصبح قصة يأجوج ومأجوج قصة شدة وإفساد وحدود واحتواء وفتح ونسلان، ثم موج وجمع ورجوع، لا قصة وحوش مجهولة محبوسة خلف جدار أسطوري.

أما تحديد هويتهم التاريخية أو موقع مجالهم الجغرافي فلا يقدم القرآن ما يكفي للجزم به، ومن الأمانة ألا نحول الاحتمال إلى يقين.

البحث القادم: من هو ذو القرنين؟

يبقى بعد ذلك الطرف الآخر من القصة: ذو القرنين.

فالقرآن لم يقدمه لنا باسمه الشخصي ولا بنسبه ولا بمملكته، وإنما قدمه من خلال وصف مختلف تمامًا:

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾. ثم تتكرر في قصته حركة: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.

فمن هو «ذو القرنين» في البنية القرآنية؟ وما معنى «القرنين»؟ ولماذا لم يقل القرآن اسمه؟ وما علاقة «القرن» بالتمكين في الأرض؟ ولماذا انتقل بين مغرب الشمس ومطلعها ثم بين السدين؟ وما وظيفة «ذي» و«ذا» في طريقة تقديمه داخل القصة؟

 

هذه ستكون مادة البحث القادم، حتى نقرأ ذو القرنين من داخل القرآن نفسه، كما قرأنا يأجوج ومأجوج من داخله.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى