أبحاثيتدبرون

الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى: قراءة مختلفة في ضوء القرآن

في هذا البحث سنتحدث عن مفردات وردت في القرآن الكريم وسنقدم فهماً جديداً عنها نزعم أنه سيحل بعض المشكلات التي تواجهنا في فهم طبيعة تعاملنا مع كتاب الله.

والمفردات التي نحن بصدد الحديث عنها هي: الذين آمنوا، الذين هادوا، الصابئون، والنصارى.

أول ملاحظة سنلاحظها في القرآن الكريم عن هذه المفردات، أنها أسماء:

١) إما أطلقوها على أنفسهم،
٢) أو أطلقها عليهم الآخرون وتبنوها،
٣) أو تكون لسان مقال لهم.

ولا تمثل هذه المسميات بنفسها أي تفاضل بين هذه الفئات من حيث التقوى والإيمان، أو حتى التعامل الاجتماعي.

وسنبدأ بـ الذين آمنوا.

أولاً: من هم الذين آمنوا؟

الذين آمنوا هم من يزعمون أو يقولون إنهم آمنوا بالله وبالذي أنزل إليهم وما أنزل من قبل.

وهذا يعني أنها فئة تتواجد مع أي رسول أو نبي وتُقر قولاً أنها آمنت بالله وبما أُرسل به ذلك النبي وبما أنزل من قبل. فهي تواجدت مع نوح، مع إبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد، وما بينهم من أنبياء ورسل.

والتسمية هنا لم يسموا أنفسهم بها، ولكنه أمر رباني بأن يقولوا ذلك:

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}
(سورة البقرة، الآية 136)

{قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}
(سورة آل عمران، الآية 84)

فتسميتهم بهذا الاسم يجعلهم من “الذين آمنوا” كمسّمى وكطائفة يُوجه لها الخطاب من بين الطوائف الأخرى، لكن لا يعطيهم أي ميزة تفاضلية ما لم يتم تحويل الإيمان عن طريق القول إلى تطبيق عملي، أي نقله من القول بالأفواه والتمظهر المجتمعي إلى تفعيل مفيد ومؤثر في المجتمع، ليصبحوا من المؤمنين.


في الآية السابقة رقم (136) من سورة البقرة نلاحظ أنه أمرهم بأن يقولوا: “آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم…”، قَوْلاً فقط، ليصبحوا من الذين آمنوا.

وهذا اللفظ – كما أسلفت – لا يصبغ على الناس وصف الإيمان والصلاح والهداية، ولذلك اشترط عليهم عند الرد أن يُرى فيهم الإيمان، أي تطبيقه عملياً، ليصفهم بالمهتدين.

فقال لهم:

{فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ}

فينتقل بهم من القول: (“قولوا آمنا”)
إلى الفعل: (“فإن آمنوا”)

ولم يقل: “فإن قالوا مثل ما قلتم”، إذ أن القول يجعلهم من الذين آمنوا، ولكن لا يجعلهم من المهتدين. فالهداية تتطلب الإيمان كسلوك فاعل، ولا يكفي مجرد القول بالأفواه.

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}
(سورة البقرة، الآيتان 136–137

فالذين يذهبون بوصف “الذين آمنوا” بأنهم هم الذين يمنحون الأمن، فهو وصف جميل، ولكنه وصف متقدم قليلاً. فهذا التوصيف هو كمن يبدأ في عدّ الأعداد الموجبة ويبدأ من الرقم الرابع، فيقول: أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية… إلخ، ويتناسى ما قبل الرقم ٤ من أعداد موجبة.

فـ “الذين آمنوا” هي تسمية تبدأ بأقل وصف، وهو قولهم: “آمنا بالله وما أُنزل إلينا…”.

والآية التالية تصف أناسًا يقولون إنهم آمنوا بالله واليوم الآخر، فهم من الذين آمنوا، ولكن لأنهم لا يحولون قولهم بالإيمان إلى عمل وسلوك، نُفي عنهم الوصف بـ المؤمنين:

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}
(سورة البقرة: 8)

ومن هنا نصل إلى التعريف:

“مجموعة الذين آمنوا هي عادةً صاحبة أول تواجد مع الرسول المعني، تثق في نبوّته ورسالته، وتقول إنها آمنت به وبما جاء به، وتظل حاملة للاسم حتى بعد وفاة ذلك الرسول، ما لم تنحرف فتختار اسمًا آخر لها أو تتبنى مسمّى يُطلقه عليها الآخرون.”

ومع ذلك، فليس ذلك بمثابة صكوك غفران لها، بل ستنتقل إلى مسمّيات أخرى متى ما أقرّت اسمًا جديدًا، أو تبنّت مسمّى جديدًا تم إطلاقه عليها، فتتحول مباشرةً من اسم “الذين آمنوا” إلى الاسم الجديد، كما سنرى في حالات الذين هادوا وغيرها، فالأسماء تظل أسماء لا قيمة لها في مصير الإنسان.

ثانيًا: من هم الذين هادوا؟

فطبقًا لتعريف الذين آمنوا السابق، نستطيع القول بأن أول مجموعة أعلنت إيمانها برسول الله موسى كانت تمثل فئة الذين آمنوا في ذلك المجتمع النبوي، وأولهم سحرة فرعون الذين قالوا: “إنا آمنا برب العالمين”:

{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (122)}
(سورة الأعراف: 120–122)

فهؤلاء لا يمكن أن نسميهم المؤمنين، لأن الإيمان يحتاج تفعيلًا وتفاعلًا،
ولا نسميهم اليهود أو الذين هادوا، فذلك يتطلب انحرافًا عن تسميتهم بـ الذين آمنوا.
فقولهم وحده جعلهم من الذين آمنوا في ذلك المجتمع النبوي.

ثم نجدهم يستمرون في مخاطبتهم لفرعون عندما قام بتهديدهم:

{قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)}
(سورة الأعراف: 125–126)

ولما ضايقهم فرعون وملؤه بالقتل، ذكرهم موسى بأن يستعينوا بالله ويصبروا:

{قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)}
(سورة الأعراف: 128–129)

ولكن هل الطريق إلى الإيمان والهداية سهل؟

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)}
(سورة العنكبوت: 2–3)

كلا، فهو طريق كثير الفتن للتمحيص.

فسقط الذين آمنوا من قوم موسى في أول الطريق، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة، رغم أنهم قبل قليل كانوا يقولون: “آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون”.

{وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)}
(سورة الأعراف: 137–140

[سورة الأعراف: 128 إلى 140]
فرغم أنهم قالوا “آمنا”، وأنجاهم الله من فرعون، لم يصمدوا، فطلبوا آلهة مُشخّصة، بعد نجاتهم من العذاب مباشرة، وكل ذلك لم يُخرجهم من مسمى “الذين آمنوا”، والتي لا تُضفي عليهم صفة “مؤمنين” بعد.

ثم للمرة الثانية يسقطون في الفتنة:

{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)}
(سورة الأعراف: 148–149)

ثم كان أول ظهور لطائفة جديدة منحرفة عن “الذين آمنوا بموسى”، وكان ذلك بعد موت النبي موسى، حيث جاءت تسمية تلك الطائفة باسم “الذين هادوا”. وهم يعتبرون أنفسهم خلفاء للذين آمنوا مع موسى، أي يدّعون أنهم ينتهجون نهجهم، وأنهم سلفهم الذي يقتدون به.

أي أن قدوتهم هم الذين قالوا:

“إنا هدنا إليك”

فبعد وفاة النبي موسى، نُظن أنهم كانوا يقولون: “نحن نتبع سلفنا الذين هادوا إلى الله مع رسول الله موسى”، فتمت تسميتهم بـ “الذين هادوا”.

ورغم ذلك، فالله يوضح ويؤكد أن رحمته ليست للقول فقط، فلا يُجزى الإنسان لمجرد قوله “إنا هدنا إليك” أو “إنا آمنا”، وإنما رحمتي أكتبها للذين:

  1. يتقون

  2. يؤتون الزكاة

  3. يؤمنون بآياتي

وهذا هو تفعيل الإيمان الذي نتحدث عنه:

{وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) ۞ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)}
(سورة الأعراف: 155–156)

فأول انحراف لهم هو اتخاذ مسمّى جديد.
وعلى هذا الأساس، ومع الاسم الجديد، سيكون من السهل قبول أي تحريف يقوم به الأحبار تحت ضغط السلطة السياسية.

وعلى امتداد حياة بني إسرائيل من بعد موسى، كان الله يرسل إليهم الرسل رسولًا بعد رسول، ليبينوا لهم ما يختلفون فيه، ولكنهم استمروا في تكذيب الرسل بسبب ما رَسَخَ عندهم من تحريف للتوراة.

  • منهم من استقر بهم الحال أن يكونوا من الذين هادوا، أي الذين انحرفوا عن المستوى الأول (الذين آمنوا بموسى)

  • ومنهم من أخذ مسميات جديدة أكثر انحرافًا وتطرفًا واستكبارًا وانغلاقًا، وهم اليهود

وهؤلاء ربما مثّلوا السلطة السياسية، لتكون لهم الهيمنة والسطوة على الأحبار والكهنوت.
فاستكبروا حتى قالوا:

  • “إن يد الله مغلولة”

  • “إن الله فقير ونحن أغنياء”

  • “العزير ابن الله”

  • “نحن أبناء الله وأحباؤه”

ولذلك باءوا بغضب من الله، وألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فهم من حرب إلى حرب، ومن قتل إلى قتل.

ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود،
والذين آمنوا هنا ليسوا فقط الذين آمنوا بمحمد، وإنما أيضًا الذين آمنوا بعيسى وموسى أنفسهم.

إلى أن جاء نبي الله يحيى، ومن بعد الذين آمنوا بيحيى، تفرّعت منهم مجموعة أخرى، وهي الصابئين، وذلك قبل مجيء نبي الله عيسى، والتي سنتطرق لها لاحقًا في هذا البحث.

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}
(سورة البقرة: 87)

هذا التحريف تسبب فيه أحبارهم، فقد مارسوا التحريم على أنفسهم ببغيهم ونسبوه إلى الله:

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}
(سورة الأنعام: 146)

{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ۖ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}
(سورة النحل: 118)

وهناك من يَلتبس عليه الأمر ويعتقد أن الله قد شرع لهم هذا التحريم في التوراة.

ولكن الله حين يُحرّم، فهو يُحرّم لمصلحة الناس، وهنا يشير بكل وضوح إلى أنها طيبات.
ولم يذكر تحريمها في التوراة، ولكنه التحريف الذي مارسه الأحبار على ما هو موجود بالتوراة:

{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا}
(سورة النساء: 160)

حتى عند الطوائف التي تتبع النبي محمد، فمنهم من مارس هذا التحريم عبر فتاوى الشيوخ، فتجد تشريع الحرام موجودًا في كتبهم المنتشرة بين أتباعهم، بجانب القرآن، ولكننا نشهد أن الله لم يُحرّمه في كتابه.

ثم انظر إليهم مرة أخرى، كيف يقرّون بذلك:

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ}
(سورة الأنعام: 148)

هنا لم يقل “الذين هادوا”، وإنما قال “الذين أشركوا”، وهم من قاموا بذلك من بين الذين هادوا، وتناقلوه أبًا عن جد، هم من حرّفوا وضلّوا واتبعوا آباءهم.

هذه الآيات كلها في سياق واحد، تتحدث عن بني إسرائيل في مجتمع النبي محمد، ثم يتواصل الخطاب للنبي محمد وهو بين ظهرانيهم، يحاجّونه بأن هذا التحريم إنما هو ما حرمه الله عليهم في كتابه.

لكن الله يوجّه رسوله بألا يشهد أن الله حرّمه، لأنه لا يعدو كونه تحريفًا وشركًا فقط.
فإن شهدوا، فلا تشهد معهم:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)}
(سورة الأنعام: 149–150)

فجاء النبي محمد ليضع عنهم الأغلال التي وضعوها على أنفسهم، ويُحلّ لهم الطيبات التي حرّموها على أنفسهم، وتناقلتها أجيالهم اللاحقة ونسبوها إلى الله:

{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}
(سورة الأعراف: 156–157)

ثم ينتقل بهم السياق إلى سورة الأنعام مرة أخرى، ليُوضح لهم ما حرّمه الله عليهم فعلاً في التوراة، بلا تحريف:

{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ…}
(سورة الأنعام: 151 إلى 153)

ويختمها بقوله: “لعلكم تذكرون”.
هذا التعبير في العادة يُحيل الإنسان إلى معلومة سهلة الوصول، لا تحتاج إلى اجتهاد وبحث، بمعنى أن ما حرمه الله عليكم موجود في التوراة، لو رجعتم لها ستجدونه بلا عناء.

فلا تحتاجون إلى اجتهادات الأحبار والرهبان أو الشيوخ والملالي، ولا إلى تحريفاتهم على شاكلة:

“ذكر غير واحد من العلماء”
“قال الجمهور”
“فعل ذلك الرسول وفعلنا بعده”…

ولكن… من يُقنع هؤلاء أن هدى الله هو الهدى؟!
ومن يُقنعهم أن هذا الكتاب مصدّق لما بين يديه من الكتاب؟!!

ومع ذلك، رأينا كيف كان المنافقون والذين هادوا يأتون للنبي وبوعي مسبق، يريدون أن يأخذوا منه ما يريدون من العلم، وما يتوافق فقط مع أهوائهم، بتوصية من أحبارهم الذين يُحرّفون الكلم عن مواضعه:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
(سورة المائدة: 41)

ثالثًا: الصابئون والنصارى

(1) الصابئون:

لقد تابعنا في المحور السابق تسلسل الآيات الواضحة التي تُبيّن لنا ماهية:

  • الذين آمنوا

  • الذين هادوا

  • اليهود

وذلك في بني إسرائيل من قوم النبي موسى، وصولًا إلى قوم النبي محمد ﷺ.

فبيّنا أن “الذين آمنوا” هم من بُعث فيهم النبي المعني، وقالوا إنهم يثقون بنبوّته وبما جاء به من ربه، وما أُنزل من قبله.
لكن هذا لا يعني أنهم صاروا مؤمنين دائمًا، إذ يوجد من بينهم:

  • من أشرك

  • أو صار منافقًا

  • أو كافرًا يعيش بينهم مخادعًا

وطوال تلك الفترة، من نبي الله موسى إلى نبي الله محمد، جاءهم نبيّون كثيرون يدعون أقوامهم إلى عبادة الله، وهم:

  • مصدّقون لما قبلهم من الرسل

  • مصحّحون لما لحق بالرسالة من تحريفات القوم

ومع كل نبي:

  • يؤمن البعض فيصبحون من الذين آمنوا

  • ويتبعهم خلفهم

  • وعندما ينحرف الخلف، يأخذون اسمًا ووصفًا جديدًا

قال تعالى:

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}
(سورة البقرة: 213)

في فهمنا السائد، نتصوّر أن موسى وعيسى ليس بينهما رسل، حيث يُطلقون على التوراة معه “العهد القديم”، ويعتقدون أنه لم يأتِ بعده إلا عيسى، مُصحّحًا لتحريفات التوراة، فيما يُطلقون على رسالته “العهد الجديد”.

لكن يمكنك أن تتخيل عدد الرسل الذين أُرسلوا بين موسى وعيسى، من خلال هذه الآية:

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}
(سورة البقرة: 87)

فـ مجموعة من الرسل جاءت لبني إسرائيل من بعد موسى، لتُصحّح للناس ما اختلفوا فيه.
فمنهم من:

  • كذّب وبقي على طائفته المنحرفة (كالذين هادوا)

  • ومنهم من استكبر وعادى الأنبياء (كالـيهود)

  • ومنهم من بقي على حاله السابق (الذين آمنوا)

أي أن من يُقرّ ويقول: “آمنا بالله وما أُنزل إلينا من التوراة”, يصبح من الذين آمنوا.

وفي هذه الفترة ما بين موسى وعيسى، يظهر نبي الله يحيى، في فترة ربما سابقة قليلاً لظهور نبي الله عيسى، ويأتي:

  • مصحّحًا لما لحق بالتوراة من تحريف

  • فيؤمن به البعض فيصبحون من الذين آمنوا

  • ثم يتبعهم خلفهم

ولكن، الذين غالوا في يحيى، ونسبوا التشريعات إليه على أنه:

  • مجدد لدينهم

  • خاتم لأنبياء الله

  • لا يؤمنون برسول يأتي بعده

هؤلاء الخلف يسميهم القرآن: الصابئين

ورغم وجود هؤلاء الصابئين إلى اليوم، إلا أن بعضهم لا يُحبّذ هذه التسمية، بسبب المعنى الذي أضفاه العرب عليها:

  • العرب تقول: “الصابئ” هو من يخرج من دينه إلى دين آخر

  • أو أنهم عبدة النجوم والكواكب

وهذا ما لا يطيقه هؤلاء، فذهبوا بأنفسهم إلى قلب الهمزة غينًا، لتصبح:

  • صابِغة

  • صابِغين

دلالة على أن:

دينهم وتعاليمهم هي تعاليم الدين الأول، دين آدم عليه السلام
ويجب على كل دين أن يصطبغ بدينهم

وهذه التسمية جاءت فقط للتبرير والابتعاد عن تفسيرات العرب.

بينما يؤمنون بأن نبيهم هو آخر نبي، ولا يُقرّون بنبي بعده، وهذا المسلك غير سليم، وسنراه عندما نتطرق لشرح أسباب مجيء كلمة “الصابئين” لاحقة لكلمة “النصارى” في سورة البقرة.

فالتسمية القرآنية تشير إلى أن أتباع الذين آمنوا من قوم نبي الله يحيى قد غالوا في نبيهم، حيث إنه آتاه الله الكتاب والحكم وهو صبي، فجعلوه آخر أنبياء الله.

وهذه المغالاة في كونه أوتي الحكم صبيًّا، كما يشير القرآن، هي وراء هذه التسمية:

{يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13)}
(سورة مريم: 12–13)

فالذين آمنوا بيحيى هم من الذين آمنوا، ثم يأتي أتباعهم اللاحقون فيُغالون في رسولهم الذي أوتي الحكم في صباه، ويرفضون من يليه من الأنبياء والرسل، فيسميهم القرآن بالصابئين.

القرآن لم يذكر عنهم شيئًا خارج مواضع الآيات الثلاثة المعروفة، وهي في ثلاث آيات فقط، سنتناولها لاحقًا بالشرح والتحليل.

(٢) النصارى:

نجد ارتباط النصارى بنبي الله عيسى ابن مريم في مرحلة لاحقة لرسالته، ولم تكن هذه التسمية موجودة وهو بين ظهرانيهم.

أول مجموعة مع كل نبي، أمامها خيار:

  • أن تكون من الذين آمنوا

  • أو تكفر

  • أو ترفضه بدعوى أن دين آبائهم هو الصحيح

فمثلًا، عندما جاء عيسى لبني إسرائيل، كان هناك:

  • الذين هادوا

  • وكان الصابئون موجودين

فمن هؤلاء من:

  • أقرّ وقال إنه آمن بعيسى كرسول

  • وآمن بما جاء به مصدقًا لما بين يديه من التوراة

فهؤلاء سيُسمّون “الذين آمنوا”.

وهناك من بقي على طائفته القديمة، سواء من الذين هادوا أو من الصابئين.

وأول المجموعات التي شكلت وصف “الذين آمنوا” مع عيسى هم:

الحواريون
ونجد وصفهم في هذه الآيات:

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)}
(سورة آل عمران: 52–53)

إذن:
الحواريون ومن سلك طريقهم من بني إسرائيل هم الذين شكّلوا وصف “الذين آمنوا”.

لكن بعد وفاة عيسى عليه السلام، صار بنو إسرائيل يأخذون تعليمهم من القسيسين والرهبان، وهذا لا يضمن عدم الانحراف عن التوراة والتحريف فيها.

وقد رأينا كيف فعل الأحبار بالتوراة سابقًا عند الذين هادوا، ورأينا كيف كانوا يقولون: “هذا حلال وهذا حرام”،
ورأينا كيف كانوا يرسلون أتباعهم للنبي محمد، ويقولون لهم:

“إن أُوتيتم هذا فخذوه، وإن لم تؤتوه فاحذروا”.

ورأينا كيف يحذر الله الذين آمنوا من هؤلاء الأحبار والرهبان:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
(سورة التوبة: 34)

فـ اليهود هم مجموعة من الذين هادوا غالوا في دينهم، وتبنّوا فكرة أنهم:

  • أبناء الله وأحباؤه

واتخذوا موقفًا عدائيًا ممن يرفض ذلك.

أما النصارى، فهم سمّوا أنفسهم “نصارى”، وقالوا إنهم:

  • خلف لسلفهم من الحواريين الذين قالوا “نحن أنصار الله”

فقالوا: “نحن نصارى”

وزيادة على ذلك، تَبَنّوا فكرة اليهود بأنهم:

  • أبناء الله وأحباؤه

  • وأن المسيح ابن الله

وقد كفر منهم البعض حين قالوا:

إن الله هو المسيح ابن مريم

قال تعالى:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}
(سورة المائدة: 18)

فـ وصلوا إلى مرحلة يقدّسون فيها رجال الدين، لدرجة أنهم:

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ۖ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}
(سورة التوبة: 31)

فهم لديهم التوراة ويؤمنون بها، لكن إيمانهم بها مختلط بتحريفات صنعها لهم أحبارهم ورهبانهم،
واتباعهم لهؤلاء جعلهم يقولون:

  • العزير ابن الله (اليهود)

  • المسيح ابن الله (النصارى)

قال تعالى:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ۖ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَـٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)}
(سورة التوبة: 30–31)

وهذا التحريف جعلهم يرفضون أي نبي يأتي من بعدهم،
فيعادونه، ويعادون الذين آمنوا من كل رسالة:

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)}
(سورة المائدة: 82–84)

إلى هنا نكون قد انتهينا من فهم هذه المصطلحات، ولنعطِ تلخيصًا وتعريفًا بها مرة أخرى:

  • الذين آمنوا:
    هم كل فئة عاصرت النبي المعني وقالت إنها آمنت بالله وبرسالته وبما أُنزل من قبله، سواء كانوا مع نوح أو إبراهيم أو لوط، أو زكريا ويحيى وموسى، أو عيسى، أو محمد عليهم السلام جميعًا.

  • الذين هادوا:
    يزعمون أنهم خلفاء لسلفهم الذين آمنوا مع موسى، الذين قالوا: “إنا هدنا إليك”، لكنهم حرّفوا في رسالة نبيهم كثيرًا ورفضوا الإيمان بما جاء بعده من الرسل، فتبنّوا منهج أنهم يتبعون سلفهم الذين قالوا: “إنا هدنا إليك”.
    فأُطلق عليهم الآخرون اسم “الذين هادوا”.

  • اليهود:
    طائفة من بني إسرائيل تبنّت موقفًا عدائيًّا ضد الله وضد الذين آمنوا من كل الرسالات، وغالَت في دينها، واتخذت أربابًا من دون الله، وتؤمن بأن العزير ابن الله.

  • النصارى:
    يدّعون أنهم خلفٌ لأنصار الله من الحواريين الذين آمنوا بعيسى وقالوا: “نحن أنصار الله”.
    فأطلقوا على أنفسهم اسم “نصارى”.
    لكنهم أيضًا اتخذوا أربابًا من دون الله، فحُرّفت لهم تعاليم الكتاب، وتبنّوا غلوًا في الدين حتى قالوا: “المسيح ابن الله” ثم “المسيح هو الله”.

  • الصابئون:
    هم الذين جاءوا خلفًا للذين آمنوا بالنبي يحيى، واعتبروه آخر الأنبياء، فلم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمد عليهما السلام.

 سؤال:

من الذين جاءوا من بعد الذين قالوا إنهم آمنوا بالله وبالنبي محمد وما قبله من الرسل والكتاب؟

نعم، جاء الشيعة والسنة، وكل منهما يقول إن الآخر ليس على شيء، وتشعّبت من بينهما طوائف أخرى أيضًا، فهم يطبقون ما قالته اليهود والنصارى من قبل:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
(سورة البقرة: 113)

 عودة إلى الصابئين:

والآن نأتي إلى الآيات الثلاث التي ورد فيها لفظ الصابئين، ولم تأتِ في موضع آخر من القرآن الكريم.

حتى الآن، لم تصل معرفتنا القرآنية عنهم إلى نبي محدد يرتبطون به ارتباطًا واضحًا، كما رأينا في:

  • الذين آمنوا (مع الأنبياء)

  • الذين هادوا (مع موسى)

  • النصارى (مع عيسى)

كذلك، لم نحدّد فترتهم الزمنية التي نشأوا فيها.
ولكن، بما أنهم ذُكروا ثلاث مرات في آيات مختلفة، فنظن أنها كافية لتعطينا ما نستطيع فهمه

 الآيات الثلاث التي ورد فيها ذكر “الصابئين”:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
(سورة البقرة: 62)

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
(سورة المائدة: 69)

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
(سورة الحج: 17)

 إذن، لدينا أسئلة محورية لا بد من إثارتها هنا ونسعى للإجابة عنها:

السؤال الأول:

في آية سورة البقرة وآية سورة المائدة، نلاحظ أن الآيتين تم ختمهما بقوله:

“فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”

 فما الذي نفهمه من هذا الختام؟

السؤال الثاني:

ما الذي أفاده تقديم “النصارى” مرةً على “الصابئين” (في سورة البقرة)،
بينما تم تقديم “الصابئون” على النصارى في الآية الأخرى (سورة المائدة)؟

 وماذا لو تم تقديم “الصابئين” على “الذين هادوا”؟
ما دلالة هذا الترتيب المتنوع؟

السؤال الثالث:

ما الذي نستفيده من إضافة “المجوس” و”الذين أشركوا” في آية سورة الحج؟
وختمها بطريقة مختلفة عن الآيتين الأخريين من البقرة والمائدة؟

 ملاحظات تحليلية:

  • بما أنه لا يوجد أي ترتيب آخر للصابئين في القرآن الكريم عدا هذه الآيات الثلاث،
    فنعتقد أن فيها ما يشبع رغبتنا وفضولنا في فهم هذه المفردة.

  • ولا بد من اختلاف الأغراض في إيراد كلمة الصابئين من حيث:

    1. الانضباط الحرفي

    2. التراتب اللفظي

    3. دلالة السياق الخاص بكل آية

 مقارنة ختامية:

إذا أخذنا آية سورة البقرة وآية سورة المائدة، نجد أنهما:

  • تذكران نفس الطوائف (مع اختلاف الترتيب والتصريف)

  • تختمان بنفس النص:

“فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”

لكن في سورة البقرة جاء تعبير إضافي يزيد في المعنى:

“فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ”

 فإذا حذفنا هذا الجزء من الآية، سنجدهما هكذا:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا …………… فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
[سورة المائدة: 69]

فإذا لاحظنا الآيتين نجد أنهما تتضمنان نفس المجموعات ونفس شرط العمل، وهو: الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، ونفس المصير وهو: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولكن هناك اختلاف في ترتيب طائفتي “الصابئون” و”النصارى”، حيث تبادلت مواقعهما. والسؤال هنا: هل أثّر هذا التبادل على مصيرهم؟

الإجابة: لا، طبعًا. وبدليل قوله: لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ولكن هناك من يُشكك، من النصارى أو من أتباع محمد، بأن رسولهم هو الخاتم، ويجب على الطوائف السابقة أن تلغي تعاليمها وتمتثل لما جاء به النبي محمد فقط. فما الحل؟

الحل هو في الاعتراف بذلك دون قهر أو إلزام. فإن الله قد أكّد الأمر بالتعبير الذي حذفناه قبل قليل، وهو: “فلهم أجرهم عند ربهم”.

وأين جاء هذا النص؟

جاء في آية سورة البقرة، حين جاءت “الصابئين” لاحقة للنصارى. وهذا يدل على أن هذه الآية جاءت لإثبات الأجر للمشككين، لا لإثبات ترتيب زمني أو تفاضلي، ولعدم ممارسة القهر على أتباع الرسل السابقين لإلحاقهم بالرسالة التالية، لأن هدى الله هو الهدى.

تصبح أهمية آية المائدة أنها توضح ترتيب هذه الطوائف بحسب أسبقيتها الزمانية. فمن آية سورة المائدة نجد أن الفرق تترتب كالتالي:

الذين آمنوا → الذين هادوا → الصابئون → النصارى

ويجب التنبيه مرة أخرى إلى أن الذين آمنوا في هذا السياق هم بحسب تعريف البحث، وليس بحسب المفهوم السائد.

وجاءت كلمة “الصابئون” مرفوعة لتُبيّن أن مبتدأها الفعلي أنها ظهرت في الفترة بين موسى وعيسى. بينما جاء ترتيبها في آية سورة البقرة لاحقًا، لتضع قاعدة مفادها: لا ينبغي قهر الطوائف أو إلزامها باتباع النبي الجديد وترك طائفتها القديمة.

بمعنى أنه لا ينبغي للنصارى أن يُلزموا الصابئين بأن يكونوا نصارى، فالقرآن أثبت من هذا الترتيب أن “الصابئين” قد استمر وجودهم حتى بعد النصارى، وحتى عند بعثة محمد، وأثبت لهم أن من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليه ولا هو يحزن، بل أكّده بقوله: فلهم أجرهم عند ربهم.

التعبير القرآني: “من آمن بالله واليوم الآخر” هو المرتكز الرئيسي الذي يجعل الإنسان يسلك سلوك الإسلام بدون رقابة أو سلطة أو تخويف. وتُفسره الآية:

{بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}
[سورة البقرة: 112]

نلاحظ التقابل بين هذه الآية والآيتين قيد الدراسة:

  • “من آمن بالله واليوم الآخر” = “أسلم وجهه لله”

  • “وعمل صالحًا” = “وهو محسن”

وكلا التعبيرين ينتهي بنفس المصير: لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

في آية سورة البقرة يتّضح لنا أن جميع المسميات لا تعني أفضلية ولا سبقًا زمنيًا، فكل نبي جاء بهدف الهداية، ومصدّقًا لما قبله، لأن هدى الله هو الهدى:

{وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}
[سورة البقرة: 120]

فمعنى هذا المفهوم باختصار:
إذا كان الذي عندي هو هدى الله، فإن تركي له واتباعي لهدى الله الذي عندكم لا يعطيني أفضلية أو نقصانًا. لأنه هو نفس الهدى. وهذا هو معنى: “هدى الله هو الهدى”.

فيقول لهم: إن هدى الله الذي أتاكم هو ذاته الذي أتاني. ولكن الله يُحذّر النبي من اتباعهم ويبيّن له أنهم قد حرّفوا الهدى الذي جاءهم، واتبعوا أهواءهم.

آية سورة المائدة هي المفتاح. إذ جاءت فيها “الصابئون” بالواو، لتُبيّن لنا أن موقعهم في الآية يحدد متى نشأت هذه الطائفة، أي بين الذين هادوا والنصارى. فهي ظهرت في الفترة ما بين بعثة موسى وعيسى. وهذا يجعل المجموعات المذكورة تتوالى وفقًا للأسبقية الزمانية.

ثم تأتينا آية سورة البقرة لتضع “الصابئين” بعد النصارى، لتعطينا مفهوماً جديدًا، وهو عدم اشتراط الإيمان بالنبي اللاحق. أي:

يكفي لأي طائفة إيمانها بالنبي الذي انتسبت إليه، لأن هدى الله هو الهدى.
فالصابئين قد أوتوا الكتاب قبل عيسى، ورغم ذلك أُثبتت أحقيتهم في الأجر، ولم يُشترط عليهم ترك كتابهم أو الانتقال إلى الكتاب الذي جاء به عيسى، حتى وإن تواجد الرسولان في زمن واحد، كما في حالة إبراهيم ولوط، فكان لكل منهما قومه، ولكل منهما من آمن به.

فلا ضير في أن يكون مع كل نبي مجموعة من الذين آمنوا، ولا أفضلية لأحد بحسب النبي الذي انتسب إليه، لأن هدى الله هو الهدى.

وللتأكيد، لم تُختَم آية البقرة بنفس آية المائدة، بل زيد فيها:

“فلهم أجرهم عند ربهم”

ليُزيل الشك، ويؤكد أن الحق محفوظ، ولا يُظلم أحد. ثم ختمت بنفس العبارة: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، حتى لا يظن النصارى لاحقًا بأن عيسى عليه السلام خاتم ينسخ من قبله، فيُلزم الصابئين أو الذين هادوا باتباعه. وكذلك لا يظن أتباع النبي محمد أن كون نبيهم خاتم النبيين يعني إلغاء كل ما قبله.

فهدى الله هو الهدى، وكل كتاب يأتي مصدقًا لما قبله. وكما حرّف الأولون كتبهم، فنحن أيضًا قد حرّفناه.

هاتان الآيتان تقدمان لنا أن العمل الصالح، والإيمان بالله واليوم الآخر، كصوت داخلي وفطرة إنسانية، هما الفيصل.

وتنبهانّا ألا نسلك مسلك اليهود الذين قالوا: “ليست النصارى على شيء”، ولا مسلك النصارى الذين قالوا: “ليست اليهود على شيء”، حتى لا نكون من الذين لا يعلمون، فنقلدهم ونقول الشيء ذاته عن الطوائف الأخرى.

هذه الأسماء لا قيمة لها في ميزان الحساب، ولا تأثير لها في تحديد مصير الإنسان الأخروي.

فمن كل فرقة من الفرق المذكورة في آيتي البقرة والمائدة، قد يكون منهم المتقون، أو المشركون، أو الكافرون.
فالمحدد الوحيد لمصير الإنسان هو:
الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، لا المسميات، ولا الأسبقية، ولا اسم النبي.

ثم جاءت آية سورة الحج لتؤكد نفس المفهوم الذي ذكرته آية البقرة:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
[سورة الحج: 17]

وهنا جاء الترتيب ليكونوا متساوين في الوجود والوجودية، بحيث أن جميع هذه المجموعات موجودة شئتم أم أبيتم، تأكيدًا لقوله تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}
[سورة هود: 118]

من هم المجوس؟

ذهب كثير من الناس إلى اعتبار المجوس طائفة من أهل الكتاب بسبب وجودهم ضمن هذه الآية التي تتحدث عن أهل الكتاب، وهو اجتهاد جيد. وذهب البعض إلى أنهم هم الزرادشتية، والبعض الآخر وصفهم بأنهم عبدة الكواكب، أو أنهم بعض الكهنة في بعض الديانات، فلا يوجد قول فصل.

فكلمة المجوس لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة في هذه الآية، ولهذا السبب صَعُب أمر فهمها من داخل القرآن، فذهب معظم الناس قديماً وحديثاً إلى التفسيرات التاريخية، وفي معظمها كانت تحمل جزءاً من الصواب، ولكن لم نجد لها تفسيراً يوضح من أين جاء هذا الاسم. ولم يذهبوا إلى تصريف الكلمة وفحص اشتقاقاتها، بل استعانوا بالإسقاط التاريخي فقط، واكتفوا به.

إذا بحثنا في القرآن، سنجد آية واحدة أخرى نعتقد أنها تقدم لنا ما نستطيع أن نقوله ونحسبه جديداً في فهم مصطلح المجوس:

{فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا}
[سورة الإسراء: 5]

فـ”المجوس” ليست اسماً لطائفة معينة، وإنما وصف ما. وإذا حذفنا “أل” التعريف تصبح “مجوساً”، والميم هنا ليست حرفاً أصلياً في الكلمة، وإنما هي ميم المضارعة، أي هي الميم التي ندخلها على الفعل المضارع للثلاثي لنصوغ منه اسم المفعول.

مثلاً من الفعل (قام): يقوم ← مقيم
وكذلك الفعل (جاس) في الآية: جاس ← يجوس ← مجوس

فاسم الفاعل منها (جاسّ) بالسين المشددة، وصيغة الجمع منه: جاسّون وجاسّين، وهم من يقومون بعملية الجَسّ والتنقل والاستكشاف والعثور على شيء محدد أو العثور على أشياء جديدة لم تكن في الحسبان أصلاً.

أما اسم المفعول منه فهو “مجوس”، بميم مفتوحة، وهم الذين يقع عليهم الاستكشاف، أي تم العثور عليهم. فهم محل الجَسّ، ويصبحون “مجوس”، والمفرد منها وصيغة الجمع شيء واحد: مجوس.

معنى “جاس”:
الجيم والسين حرفان يدلان على الجمع والاندماج مع انتشار لطلب شيء محدد، والألف تزيد الحركة قوة وفاعلية (كما يرى الشدياق). فالذي “يجوس خلال الديار” في الآية، يطوفها جيئة وذهاباً بغرض محدد. وقد يستكشف في أثناء الجَسّ شيئاً جديداً فيصبح مجوساً.

فالمجوس إذن هم الذين وقع عليهم الفعل، أي الذين تمت عملية البحث عنهم والعثور عليهم، وهذا ما كان يفعله الرحالة والمستشرقون قديماً. أما نحن فنحصل على ذلك بأسفارنا من دولة إلى أخرى، فنكتشف طوائف لم نسمع بها من قبل.

ولدينا مثل سوداني يقول: “شق الديار علم”، والشق هنا يعني: السفر والتنقل من مكان إلى مكان غير معروف سابقاً، فالمقصود هو حصول العلم والمعرفة الجديدة بسبب هذا التنقل.

قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
[سورة الحج: 17]

بعد أن تعرفنا على المجموعات الأخرى في الآية، وما تلك المجموعات إلا لكونها معروفة وحديثة زمانياً، نجد أن هناك مجموعات كثيرة وطوائف من حولنا لا نستطيع أن نثبت أو ننفي عنها سلامة تعاليمها أو طقوسها الدينية، إن كانت ربانية أم لا.

فمثلاً: البوذية، الطاوية، الزرادشتية، الكونفوشيوسية، وغيرها كثير جداً، كطوائف تنسب تعاليمها إلى أسماء تقول إنهم أنبياء أو معلمون أو آلهة. حتى أن أسماءهم التي يُنسب إليهم تعاليمهم، لا نعرفها.

هذه الطوائف كان يمكن لها أن تكون ضمن الآية، ولكن لكثرة هذه المجموعات، وعدم إمكانية ذكرها واحدة تلو الأخرى، استخدم القرآن أسلوباً مختلفاً عن أسلوبنا البشري. فنحن عندما نذكر أشياء كثيرة، نقول: (الذين آمنوا، الذين هادوا، الصابئين، النصارى… إلخ)، أي أن “إلخ” تعني وجود طوائف أخرى لا يسع المجال لذكرها.

أما القرآن فلا يستخدم تعبير (إلخ)، بل يستخدم مصطلحاً يحمل نفس المعنى الكامل، وهو “المجوس”. أي أن المجوس تؤدي المعنى الكامل لكل الطوائف التي لم تُذكر، أو التي سيتم استكشافها لاحقاً، أو التي لا يمكن تصنيفها بدقة.

فكلمة المجوس في الآية، تعني الطوائف غير المصنفة، التي لا نعرف لها نبياً بوضوح، أو لا يمكننا الجزم إن كانت تعاليمهم من الله أو لا. فالله لم يترك قرية إلا وأرسل إليها نذيراً:

{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}
[سورة فاطر: 24]

وقال أيضًا:

{وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا}
[سورة النساء: 164]

فهنالك إمكانية وجود طوائف دينية أخرى غير التي نعرفها، وتنسب تعاليمها إلى الرسل أو إلى غيرهم. وهذه الطوائف تقع ضمن إطار المجوس.

فنحن من “نجوس خلال الديار” لنكتشف وجودهم فعلاً، فهم مجوس.

إذن، آية سورة الحج تذكر لنا الطوائف التي ذكرت في البقرة والمائدة، ثم أضافت لها الفرق والطوائف التي يمكن الكشف عنها مستقبلاً تحت اسم “المجوس”، وختمت الآية بـ”الذين أشركوا”، وكأننا أمام كل الطوائف المغلقة من الجهتين.

وأي إنسان لا يخرج من بين هذه الطوائف.

ثم ينبهنا الله أن الحكم عليهم ليس من حقنا، بل هو شأن يختص به وحده:

إن الله هو من يفصل بينهم يوم القيامة.

{إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}
[سورة الحج: 17]

والحمد لله رب العالمين.

الاستاذ خالد الزاحم

الأستاذ خالد الزاحم باحث مهتم بالدراسات القرءانية، كرّس سنوات طويلة في تحليل نص القرءان الكريم، ونشر العديد من المقالات المتخصصة في البحث القرءاني، حيث يتميز بأسلوب دقيق ورؤية عميقة تسعى إلى فهم النص وفق سياق النظم القرآني الداخلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى