مقالات

هل المسلمون في حاجة حقيقية الى التنوير؟

 هل هناك حاجة إلى التنوير وإعادة فهم خطاب التنزيل الحكيم؟؟

المقدمة:

يُعَدّ السؤال عن التنوير أحد أكثر الأسئلة حساسية في الفكر العربي  منذ زمن بعيد، إذ لا يأتي السؤال كمجرّد حاجة لاستعادةٍ مصطلحٍ غربيٍّ أُلصق بعصور النهضة الأوروبية، بل باعتباره سؤالًا في جوهر علاقة الإنسان بالمعرفة، وفي مدى قدرته على إعادة اكتشاف غايات ومقاصد النص القرآني من داخله لا من خلال وسائطٍ موروثة عاجزة. والسؤال ليس عن النتيجة والغاية أي ليس عن  «الضوء» الذي يُلقيه التنوير بقدر ما هو عن «الظلمة» التي سمحت بغياب التنوير وحركته عبر الزمكان ، أي عن تراكم القرون التي أُغلق فيها باب الفهم، وأُوكلت فيها مهمة التفكير إلى فئةٍ محددة من الرجال الذين احتكروا الكلام باسم الدين تحت إدعاء التخصص.

إنّ الحديث عن التنوير في السياق العربي لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تقليد «التجربة الغربية التي انطلقت من قطيعةٍ حادّةٍ مع النصوص الدينية المتمثلة في الكنيسة» ، بل هو بحثٌ عن تجديد الوعي  بالدين ذاته؛ تجديدٍ يعيد للعقل دوره الطبيعي بوصفه أداة لفهم الخطاب الإلهي، لا خصمًا له. فالتنوير المقصود هنا ليس صراعًا مع النص، بل هو انبثاقٌ من النص ، إذ لا يمكن للعقل أن يخرج عن منبعٍ أوجده ليهتدي إليه. وفي هذا المعنى، يصبح التنوير الإسلامي الذي ندعو له هو في حقيقته  استئناف لا قطيعة؛ استئناف لدور الإنسان بوصفه قارئًا ومسؤولًا عن تدبّره، كما أراده الله حين قال:

 ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).

لقد ظلّت المعرفة الدينية عبر قرون طويلة محصورةً في دائرةٍ ضيّقةٍ من الأشخاص الذين مثّلوا المؤسسة الدينية الرسمية، حتى تماهت صورة “العالم” مع “الشيخ”، وكأنّ  فهم ومعرفة الحقيقة لا يكون إلا لمن درس في كليات الشريعة والدراسات الإسلامية  أو انتمى إلى  المعاهد «الدينية». وبهذا  الحصر والقصر، تحوّلت المعرفة إلى سلطة، والسلطة إلى وصايةٍ على العقول، فأصبح العامّي لا يجرؤ على التفكير خارج ما لقّن له، وأصبح الدين مجرّد منظومة تلقين لا منظومة تفكير.

غير أنّ العالم المعاصر، و بانفجاره الرقمي، قلب هذا التراتب رأسًا على عقب. فلم يعد المتلقي أسيرا للمنبر أو الفتوى الورقية، او شريط الكاسيت ، بل صار يملك نوافذه الخاصة  على العالم: يشاهد، يحلّل، ويقارن، ويُنتج معرفةً بديلةً تُعيد قراءة النص القرآني بمنهجٍ عقليٍّ جديد. وهنا تحديدًا، تبرز الحاجة الملحّة إلى «التنوير» ليعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والنص، بين الدين والعقل، وبين التراث والواقع؛ تنوير لا يُقصي الدين، بل يحرّره من الذين جعلوه حكرًا عليهم وأوصياء عليه.

 

الفصل الأول:مفهوم التنوير

بين الإرث الغربي والوعي الإسلامي

إنّ مصطلح «التنوير» في أصله الأوروبي ارتبط بحركةٍ فلسفيةٍ واجتماعيةٍ هدفت إلى تحرير الإنسان من سلطة الكنيسة والإقطاع، وكان شعارها الأبرز «اعرف بنفسك ولا تؤمن إلا بما يدركه عقلك». أما في السياق الإسلامي، فالأمر أكثر تعقيدًا، لأنّ العلاقة بين الوحي والعقل لم تكن يومًا علاقة عداء، بل علاقة تلازم وتكامل.

فالقرآن الكريم لا يقدّم نفسه كنصٍّ غامضٍ يُطلَب التسليم به دون وعي، بل كنصٍّ مفتوحٍ يدعو الإنسان إلى النظر والتفكّر، كما في قوله تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20)،

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21.

إنّ جوهر التنوير في المفهوم الإسلامي لا يقوم على الثورة ضد الوحي، بل على الثورة ضد الوسائط التي عطّلت فاعلية الوحي  وجعلت نفسها في موقع الوصاية عليه . فحينما يتحوّل النص إلى مادة يتم تكرارها،  يفقد الإنسان قدرته على التفاعل معه ككائنٍ حيٍّ متجدّد،  فيصبح الدين ذاته في حاجةٍ إلى إعادة إحياء. فالتنوير هنا ليس رفضًا لما كان، بل نقدًا لما تراكم على ما كان. والفرق دقيقٌ بين أن تهاجم النص، وبين أن تزيح عنه غبار الشروحات التي حجبت نوره.

لقد أفرز التاريخ الإسلامي مدارس فكرية متعدّدة حاولت كلٌّ مدرسة منها أن تفسّر النص وفق أدواتها ومناهجها، لكن أغلب هذه الأدوات نشأت في بيئاتٍ  زمكانية محدودةٍ ووفق معطياتٍ لغويةٍ  واجتماعيةٍ كانت صالحةً لعصرها،، ومع مرور الوقت، تحوّلت تلك الأدوات إلى « منهجيات مقدسة» لا يجوز تجاوزها، حتى صارت علوم القرآن والتفسير واصول الفقه وعلوم الحديث كأنها نصوصٌ موازيةٌ للوحي، تُتلى وتُشرح وتُدرّس دون مراجعةٍ حقيقيةٍ للأسس التي قامت عليها، وهنا تكمن المفارقة!!

 فبينما يدعو القرآن إلى التجديد في النظر، جُمّدَتْ أدوات النظر ذاتها!!

من هنا، فإنّ الحاجة إلى التنوير ليست مقاربة مع التنوير في الغرب وانما ضرورة يتطلبها الواقع كما أنها ليست دعوةً إلى هدم القديم، بل إلى مساءلته، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين النص ومناهجه. فالوعي الديني الذي لا تتم مراجعة أدواته يتحوّل إلى تكرارٍ أجوف؛ يردّد ذات المفاهيم التي صاغها الأسلاف في عصورٍ مغايرةٍ تمامًا لواقعنا، في حين أنّ النص القرآني بطبيعته متجدّد، يتسع لكل زمنٍ ومكان، ولا ينطق إلا لمن يتدبّره في سياقه المتغيّر.

الفصل الثاني: تحوّل مركز المعرفة الدينية

من الشيخ إلى المفكر:

حينما  نتأمل خريطة الوعي الديني في العالم العربي والإسلامي، نكتشف أن مفهوم “العالم” أو “العارف بالدين” ظل قرونًا طويلةً مرتبطًا بالهيئة التقليدية للشيخ؛ ذلك الرجل الذي درس علوم الفقه والتفسير في المعاهد الدينية والجامعات الاسلامية ، فصار في نظر العامة ممثلًا للسلطة الشرعية وصوتًا وحيدًا للحقيقة، ومع تراكم الجهل وتعاقب الأجيال، تحوّلت هذه الصورة إلى بنيةٍ ذهنيةٍ عميقةٍ في المخيلة الجمعية، حتى كاد التدين نفسه يُقاس بمدى القرب من خطاب الشيخ أو الالتزام بفتواه.

غير أنّ هذا النموذج بدأ يتصدّع تدريجيًا مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي شهدها القرن الواحد والعشرون. فوسائل التواصل الاجتماعي ومنصّات الفيديو والمحتوى الرقمي أعادت توزيع موازين  القوى المعرفية، فظهر على الساحة نمط جديد من المتحدثين في الشأن الديني والفكري، ليسوا من خريجي المؤسسات التقليدية، بل من حقولٍ علميةٍ أخرى كالهندسة، والطب، والفيزياء، وعلم النفس، والفلسفة الحديثة.

وقد يبدو الأمر في ظاهره خروجًا  عن المألوف، لكنه في جوهره عودة إلى الأصل: إذ إنّ القرآن لم يربط التدبّر بالانتماء المؤسسي، بل بالفعل العقلي الحرّ. يقول تعالى:

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: 29).

 فالنداء موجَّهٌ إلى “أولي الألباب” لا إلى “أهل الفتوى”، وإلى كلّ من يملك قدرة النظر والتفكر، أيًا كان مجاله أو تخصصه.

لقد  مثل هذا التحول نموذجًا جديدًا للعلاقة مع خطاب الوحي ، يقوم على إعادة اكتشافه من خلال أدوات العلم الحديث ومنهجيات التفكير النقدي. فالمهندس حين يقترب من القرآن بعقلٍ منظَّمٍ يعرف قوانين الاتساق والتصميم، يرى فيه نظامًا دقيقًا يحكم الوجود الهندسي الذي درسه وتخصص فيه. والطبيب النفسي حين يتدبّر خطاب النفس في الكتاب الكريم، يجد فيه علمًا متكاملًا بالوعي والاضطراب والاتزان. وهكذا بدأنا نرى خطابًا دينيًا جديدًا أكثر قربًا من الواقع وأقل خضوعًا للموروث.

لقد شكّل المفكرون الجدد، مثل الدكتورمحمد شحرور –رحمه الله– وسبيط  النيلي وابوالقاسم الحاج حمد وغيرهم  مرحلةً فارقةً في هذا التحوّل. فشحرور على سبيل المثال  لم يأتِ بقراءةٍ ضدّ النص، بل بقراءةٍ من داخله، مستندةٍ إلى أدواتٍ عقلانيةٍ صارمةٍ في تحليل اللفظ والسياق والمفهوم، فأعاد تعريف كثير من المصطلحات التي استقرّت بطريقة خاطئة في الذهن الإسلامي قرونًا طويلة.

ولم يكن شحرور وحده في هذا الاتجاه، لكنه كان الأكثر تأثيرًا، لأنه قدّم للعامة أدواتٍ جديدةٍ يستطيعون بها قراءة النص بأنفسهم دون وساطةٍ أو وصاية، فانتقل الدين من “المنبر” إلى “شاشات الهواتف ”، ومن “الخُطبة” إلى “الوعي”

لقد كان هذا التحول في جوهره خطوةً نحو “دمقرطة الفهم الديني”، أي جعل المعرفة الدينية متاحةً لكل من يمتلك أدوات التفكير، لا حكرًا على طبقةٍ مغلقة. ولعلّ أخطر ما كشفه هذا الواقع الجديد هو هشاشة الخطاب الوعظي الذي ظل يُقدَّم على المنابر لقرونٍ دون تطوير، إذ اكتُشف أنه خطابٌ انفعاليٌّ، عاطفيٌّ، يثير المشاعر أكثر مما يحرّك العقول .

فمع انقضاء الخطبة تتبدّد حرارة الوعظ، وتبقى الحياة كما هي؛ لأنّ القناعة لم تتغيّر، والسلوك لم يُبنَ على إدراكٍ معرفيٍّ جديد وسلوك الإنسان في محيط عمله وتفاعله يتغير بتغيير قناعاته الداخلية لا بمجرد الاحاسيس والمشاعر العاطفية العابرة من خطاب عابر يعتمد الملقي له على لغة الجسد ونبرة الصوت.

التنوير المطلوب اليوم لا يعني إقصاء العلماء التقليديين، بل انفتاحهم على أدوات المفكرين الجدد وتطويرها، وتحرّرهم من فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة. فالدين ليس مؤسسةً، بل حركةُ وعيٍ تتجدّد بتجدّد أدواتها ضمن حركة المجتمعات .

ومن هنا، فإنّ أخطر ما واجه الفكر الإسلامي لم يكن الإلحاد أو الغرب، بل “جمود الأداة” التي ظلّت تكرّر ذات المقدمات وتنتظر نتائج مختلفة، كما قال آينشتاين يومًا: “من الغباء أن تكرّر الشيء نفسه وتنتظر نتائج جديدة.”

الفصل الثالث:

 أزمة أدوات الفهم بين النص والتراث

إنّ ما يواجه الفكر الإسلامي المعاصر ليس أزمة في النص القرآني، وإنما أزمة في الأداة التي نتعامل بها معه. فالقرآن الكريم ما زال نصًّا مفتوحًا على كل الأزمنة، حيًّا بقدر ما يُقرأ في ضوء العقل والتجربة. لكن المشكلة الكبرى أنّ أدوات الفهم التي ورثناها من العصور الكلاسيكية جُمدت على حالها، وأصبحت هي ذاتها عقبةً أمام تفاعل النص مع الواقع.

لقد نشأت علوم القرآن وأصول الفقه في بيئةٍ تاريخيةٍ محددة، حملت خصوصيةً فكريةً واجتماعيةً وسياسيةً واضحة. كانت تلك العلوم في بدايتها استجابةً لحاجةٍ معرفيةٍ ملحّة لتنظيم الفهم الديني في المجتمع، لكنها تحوّلت مع مرور الوقت إلى منظومات مغلقة، تُكرّر نفسها وتمنع التجديد تحت ذريعة “صيانة الدين” وحمايته . فمفاهيم مثل “الناسخ والمنسوخ” و”المكي والمدني” و”أسباب النزول” و”القراءات” و”المحكم والمتشابه” لم تُعاد قراءتها أو تفكيكها وتحليلها مرات اخرى في ضوء تطور العلوم الحديثة أو و توسّع الوعي الإنساني، بل بقيت كما هي منذ أكثر من ألف عام .

إنّ هذه الأدوات، على الرغم من قيمتها التاريخية، أصبحت الآن غير كافيةٍ لفهم الخطاب والنص  في سياقٍ معرفيٍّ جديد. فهي أدواتٌ أُنتجت في زمنٍ كانت فيه المعرفة تعتمد على النقل، بينما أصبحنا اليوم في عصرٍ تتقدّم فيه المناهج العلمية على أسس التجريب والبرهان والقياس. فكيف يمكن أن نظل نقرأ القرآن بعين الماضي، ونحن نعيش في عصرٍ تتبدّل فيه المفاهيم كل يوم؟

لقد ظلّ الخطاب الديني السائد يقدّس الأداة أكثر مما يقدّس كشف الحقيقة التي صُنعت لأجلها، فصار كلّ من يحاول مراجعة هذه الأدوات  يوصف بالزندقة والكفر أو الخروج عن الإجماع. وهكذا نشأت بين النص والواقع “عُزلة منهجية” وجمود معرفي، لم يكن سببها القرآن، بل مناهج وأدوات الفهم نفسها.

وحين نتمعّن في تاريخ الفكر الإسلامي، نرى أنّ الجمود لم يكن قدرًا محتومًا، بل خيارًا بشريًا. فالإمام الشافعي حين أسّس علم أصول الفقه لم يكن يقصد أن يغلق باب الاجتهاد، بل أراد أن يفتح أمام العلماء منهجًا للتفكير المنظّم في النصوص. لكن ما حدث لاحقًا هو أن هذا المنهج تحوّل من “وسيلةٍ للفهم” إلى “غايةٍ بحد ذاته”، حتى صارت القواعد الأصولية فيه مرجعًا أعلى من النص نفسه!!  وفي بعض الأحيان، يُحاكم إليها الوحي بدل أن تُحاكم هي إليه •

في هذا السياق، يمكننا القول إنّ إعادة إنتاج علوم القرآن لا تعني هدم التراث، وإنما استكمال ما بدأه الأوائل ولكن بمنهجٍ جديدٍ، يتناسب مع تطور الوعي الإنساني. فالتاريخ ليس عبئًا يُحمل، بل رصيدٌ يُطوَّر. والفرق بين من يعبد النص ومن يتدبّره هو أنّ الأول يجمّد العقل على ما قاله السلف، بينما الثاني يُفعّل العقل ليدرك مراد الله في زمنه وفق جدلية الثابت والمتغير •

إنّ من أكبر مظاهر الأزمة أيضًا، أنّ معظم ما نسمّيه اليوم “علومًا شرعية” لا ترتبط مباشرةً بالقرآن الكريم، بل بقراءاتٍ تفسيريةٍ بشريةٍ بُنيت عليه. فالعلاقة بين النص وهذه العلوم لم تعد علاقة تأسيس، بل علاقة تبعية. ولهذا السبب، تكرّرت المفاهيم نفسها في كل المدارس التفسيرية: من الزركشي إلى السيوطي، ومن الجرجاني إلى الزرقاني، حتى أصبحنا نعيش في دائرةٍ معرفيةٍ مغلقةٍ تكرّر القديم بصيغٍ وألوان جديدةٍ دون أن تُنتج فكرًا أصيلًا.

وإذا كانت الثورة التقنية قد كشفت عن هذا الجمود، فإنها في الوقت ذاته فتحت أفقًا جديدًا للوعي. فاليوم لم يعُد احتكار المعرفة ممكنًا؛ يستطيع كل إنسان أن يصل إلى النص، أن يبحث فيه، أن يقارن بين التفاسير، أن يرى التناقضات، وأن يُكوّن فهمه الخاصّ القائم على العقل والتدبّر. هذه هي “ثورة الوعي” التي يعجز الخطاب التقليدي عن استيعابها،  فهي ثورة تُعيد السلطة من الشيخ إلى الإنسان الفرد المخاطب بالنص مباشرة.

إنّ أزمة الفهم ليست في التصديق بوجود الرب ، بل في الوسيط الذي حال بين الإنسان وربّه. وما دام هذا الوسيط متمسكًا بأدواته القديمة، فإنّ التجديد سيظلّ شعارًا لا يتحقق وفقا لتلك الأدوات . أما حين نجرؤ على مساءلة تلك الأدوات وإعادة تعريفها وفق المنهج القرآني نفسه، فسنكتشف أنّ النصّ لا يخشى التجديد، بل يدعو إليه. يقول الله تعالى:

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (مريم: 76).

{ وَٱلَّذِینَ جَـٰهَدُوا۟ فِینَا لَنَهۡدِیَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ }[سُورَةُ العَنكَبُوتِ: ٦٩]

 فالهدى هنا حركة تصاعدٍ مستمرة في الوعي، لا تتوقف عند جيلٍ أو منهجٍ أو مدرسة أبدا ولاينبغي لها ذلك.

الفصل الرابع: نحو منهج معرفي موحّد

سبق أن وقفنا عند تشخيص المعضلة:  بأن القرآن ليس هو المشكلة، بل تكمن المشكلة في الأدوات والممارسات التي تُقرأ به. والخلاص لا يكون بفوضى تأويلية مفتوحة تُنتج  نتائج متعارضة ومتباينة، ولا بأن نترك الساحة لكل صاحب رأيٍ أن يبتدع ما يشاء من معانٍ تحت إطار  الحرية فيكون الأمر كما تقول العرب ” سداح مداح و كلأ  مباح” ولكن يجب ضبط هذه الأدوات  والمعايير والقواعد من داخل منظومة خطاب الوحي نفسه أي  تأسيس منهج معرفي موحّد، لا على قاعدة طاعةٍ منهجيةٍ عمياء ، بل على قواعد و آلياتٍ متّفقٍ عليها تُستمدّ من روح النص ومقتضيات العقل المعاصر، وتضع الحدود التي تحمي النص من «الانشطار التأويلي» ومن تحويله إلى مرآةٍ لكل نزوعٍ شخصيّ «الأهواء والأغراض».

مبررات المنهج الموحد:

أولًا: وجود منهجٍ موحّد يحدّ من الفوضى التأويلية ويُعيد الأمن إلى الخطاب الديني. حين تتوافر آليات إستقرائية  متفق عليها، تقلّل من  السطوة العشوائية للادعاءات المتباينة؛ لا لأن المنهج يُلغي الاختلاف، بل لأن الاختلاف يصير في إطار قواعدٍ واضحة تُقاس بها جودة الحجة ومدى انسجامها مع النص وسياقه وبنيته اللسانية.

ثانيًا: توحيد المنهج يحمي النص من «الاستيلاء الرمزي»

 وهذا يمنع ويقلل من تحويل الآيات والسياقات  إلى رموز مطاطية تُستغل لخدمة مصالح أيديولوجية أو تجارب نفسية خاصة. عندما تكون هناك أدوات مشتركة لقراءة الدلالة والسياق والوظيفة اللسانية والبلاغية، يصبح من الصعب اختطاف المعنى، ويصير المجتمع أكثر قدرةً على التمييز بين القراءة السويّة والقراءة الملتبسة.

ثالثًا: المنهج الموحّد يتيح قنوات تفاعلية بين المتخصّصين من حقول معرفية متعددة من علماء تطبيقيين ، علماء لسانيات ، فلاسفة، وعلماء  اجتماع، علماء نفس، و باحثين في علوم الطبيعة ، بحيث تُثري كل أداة قراءة الآخر. هذه الشراكة بين التخصّصات تُنتج قراءاتٍ متعدّدة الأبعاد وتبعد قراءةَ الآية عن  بعدها التأريخي الضيق و الأدلجة المنغلقة، وهذا ما نجده  تحت المصطلحات  القرآنية  «الراسخون في العلم _ اولي الالباب _ العلماء _ الذين أوتوا العلم» 

حلول مقترحة لمنهج معرفي موحّد

(إطار مقارب لا تفصيلي)

أشير هنا إلى عناصر إطارية ينبغي أن تكون جزءًا من أي مشروع موحّد، مع الإقرار أن تفصيل الآليات والأدوات يتطلب حوارًا موسّعًا:

  • أولوية النص وبناؤه اللسانيّ: قراءة تجترح المعنى من داخلِ بنية اللفظ والسياق وعدم استيراد مرجعيات خارجية مُهيمنة دون مبرر نصّي واضح. أيّ تفسير لا يبدأ بعرض بنيّة الآية ووظائفها البلاغية يكون ناقصًا.
  • سياق التلقي وليس سياقاً وحيداً للتأويل:

تتعامل القراءة مع السياق التاريخي واللساني ، لكن لا تجعل من  التاريخ قيدًا مطلقًا؛ فالآية لها أبعاد وظيفية تتجاوز ظروف النزول إلى نظمٍ معرفية و أخلاقية عامة.

  • تعدد وسائل الدلالة وتكاملها: القواعد اللسانية ، السياق القرآني العام، القرائن اللفظية المحيطة بالسياق الخاص، الروايات التاريخية المنسوبة للنبي في تفاعله الأول و الموثوقة متنا لا سندا فحسب باعتبارها بيانًا لا مصدرًا موازياً، ضوابط العقل والقياس، ومراعاة الواقع المعاصر. هذا التكامل يمنع التفرد بأداةٍ واحدة تُحوِّل النص إلى مسوَّدةٍ أحادية.
  • شفافية المنهجية: كل قارئ أو دارس ومتدبر  يعلن أدواته ومنطلقاته عند تقديم قراءته: ما هي المفاهيم التي اعتمدها؟ ما هو معيار القبول والردّ؟ هذا المبدأ يقلّل من الادعاءات المطلقة ويجعل الحوار نقديًا ومنظّمًا.
  • آلية مراجعة جماعية: تأسيس لجان أو مجالس علمية متعددة التخصصات تُعنى بمتابعة القراءات الجديدة، وتُصدر تقويمًا منهجيًا لا هيئةٍ رقابية قسرية، بل مرجعية تقييمية تقيّم مدى التزام القراءة بمقاييس النص والمنهج.

أما إن  بقيت الساحة مفتوحة لكلِّ «نمط» تأويلي — الباطني، الرمزي، التأويلي النفسي، التفسخ الحرفي، أو حتى التأويل المرتبط بالمصالح السياسية — فإنّنا سنشهد مزيدًا من التشتت: كلٌّ ينادي من سربه، ويفسر النصّ بما يخدم منصّبه أو مشروعه. النتيجة ليست تعددًا صحيًا للأفكار، بل تشظّيًا يفقد الأمة قدرتها على الاستخدام العملي للقرآن في بناء الوعي الجمعي،، وخلاصة هذا الفصل أنه يجب أن يتحدّ الفاعلون المفكرون على آلية ومنهج وأدوات موحّدة حتى لا يتحوّل الاختلاف إلى فوضى معرفية.

الخاتمة / ضرورة التحرك:

إذا كان التنوير بالمفهوم الذي نحمله هنا يعني أن يعود العقل إلى مكانه الطبيعي كشريكٍ لا كعدوٍّ للنص، فإنّ المنهج الموحد هو البنية التي تتيح له ذلك دون فوضى. ليس المطلوب قطيعة مع التراث، بل تنقية التراث وقراءته بوصفه رصيدًا يُطوّر؛ ليس المطلوب طمس الاختلاف، بل تجويد أدوات الاختلاف. وإنّ أولى خطوات هذا المسار هي الاتفاق العام — بين الباحثين، والعلماء، والممارسين، والمثقفين — على قواعد اشتغال مشتركة، تَصون النص وتُحافِظ على حريّة الفكر.

لقد أبهرتنا  الثورة الرقمية بإمكانياتٍ هائلةٍ لنشر العلم والقراءة، لكنها أيضًا كشفت هشاشةَ سطوةِ الوسائط القديمة. إنّ دعوتنا اليوم ليست إلى إقصاءٍ ولا إلى انفلات، بل إلى تأسيسٍ معرفيٍّ جديدٍ: منهجٌ موحّدٌ، شفافٌ، وتعدديٌّ في نطاق الضوابط. حين ننجح في ذلك، يتحوّل التنوير من كلمةٍ استبطانيةٍ مكسوة بثوب المؤامرة  إلى مشروعٍ عمليّ. حينها فقط يستعيد القرآن مكانته الحقيقية، كمصدرَ وعيٍ متحركٍ، وقاعدةً لتجديدٍ حضاري، وأساسًا لقناعةٍ تُثمر سلوكًا حقيقيًا في الحياة فتقام الصلاة بمفهومها القرآني  وتؤتى الزكاة كذلك بمفهومها القرآني .

                                                             المفكر والباحث السوداني:

                                                                       ياسر العديرقاوي

أستاذ ياسر العديرقاوي

أستاذ ياسر العديرقاوي: مفكر ومُثقف إسلامي يتميز برؤيته الثقافية الشاملة ومشروعه الفكري الكبير الذي يسعى من خلاله إلى تقديم منظور جديد للفكر الإسلامي والتدبر في القرءان الكريم. ساهم بشكل بارز في إثراء النقاشات الفكرية من خلال برامجه التلفزيونية التي تناولت بالدراسة والتحليل العديد من الجوانب المتعلقة بالدراسات القرءانية، مما جعله أحد الأصوات المؤثرة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى