
الزنا – الجزء الثاني: البغاء
في الجزء الأول، توقفنا عند تقاطع الزنا مع البغاء، وهو تقاطع فرضته تفاسير التراث التي اعتبرت الزنا والبغاء بمعنى واحد. وقد وردت مفردة “البِغاء” بكسر الباء في كتاب الله مرة واحدة في سورة النور، وهي السورة نفسها التي وردت فيها أحكام الزنا، وذلك في قوله تعالى:
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (النور: 33).
وإذا كان ورود المفردتين (الزنا والبغاء) في سورة واحدة يكفي للجزم باختلاف معناهما، فإن ذلك لم يشفع عند المتقدمين من المفسرين الذين أصروا على أن البغاء هو الزنا. يقول الطبري في تفسير الآية:
“القول في تأويل قوله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، يقول تعالى ذكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا.”
ويستمر الطبري في سرد عشرات الأقوال التي تؤكد هذا المعنى الواحد، وهو أن البغاء هو الزنا. ومع أن الله تعالى خصص بداية سورة النور للحديث عن الزنا، ولم يستخدم مفردة “البغاء” إلا في الآية الثالثة والثلاثين، إلا أن الطبري فسر الزنا بالبغاء والبغاء بالزنا، وانتهى الأمر.
في الجزء الأول، ذكرنا أن “البغي” يعني طلب الشيء الفاسد أو السعي بالمفسدة. فما هو البغاء؟ لننظر في الآية التي وردت فيها المفردة، ولنبدأ بفحص السياق الذي وردت فيه. يقول الله تعالى في الآية السابقة:
وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (النور: 32).
أي لا تجعلوا الفقر سببا لمنع عقد النكاح، بل اجعلوا الشرط هو الصلاح: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ، والأيامى هم العزاب. ونلاحظ أن الآية خصت الفقراء بالذكر، ولم تذكر المساكين. وقد سبق أن أوضحنا في مقالات سابقة أن المسكين هو ضعيف الدخل، بينما الفقير هو من لا دخل له أو العاطل عن العمل. فالمسكين قد يستطيع النفقة على نفسه وزوجته، أما الفقير فلا يستطيع النفقة حتى على نفسه، ومع ذلك اشترطت الآية الصلاح فقط. ولا يجب أن يُفهم من قوله “الصالحين” أنهم العاطلون عن العمل الملازمون للمساجد، بل صلاح الرجل يتعلق بصلاح العقل والإرادة والسعي في كل عمل صالح.
إذن، السياق هنا هو تشجيع على الزواج وفتح المجال أمام الطبقات الفقيرة والضعيفة في المجتمع. نلاحظ كذلك أن الحديث لا يدور حول الأجر (الصداق أو المهر)، بل على العكس، هناك أمر بمساعدة هذه الفئات مالياً. لأن الآية التالية -وهي موضوع النظر- تشير إلى ملاك اليمين بأن يسمحوا لمن في ملك يمينهم بالزواج:
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ (النور: 33).
ثم تتوجه الآية لتخصيص الحديث عن الفتيات، بعد أن كان الحديث عن ملك اليمين (فتياناً وفتيات)، فيقول سبحانه:
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (النور: 33).
ولنفترض، كما فعل الطبري، أن البغاء هو الزنا. هنا يطرح السؤال الأول: إذا كان البغاء هو الزنا، فما دلالة قوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا؟ وإذا لم يُردن التحصن، فهل يحق للمالك أن يستمر في إكراههن على الزنا؟ وما دور المجتمع والدولة في هذا الموقف؟ بل ما موقف الآيات وسورة النور والوحي كله من هذا الإكراه؟ علماً أن الزنا أصلاً حرام. الآيات تسكت عن ذلك.
بل كيف يستقيم في عقل عاقل أن يكون السياق عن تشجيع ملاك اليمين على تزويج من في ملك يمينهم، واشتراط علم الصلاح والخيرية في المرشحين (فتياناً وفتيات)، ثم يتحول للحديث عن الباغيات المحترفات اللواتي أردن التحصن ذات صباح؟ لا يستقيم هذا التفسير.
والسؤال الثاني: إذا كان البغاء هو الزنا، والمالك هو من يُكره فتياته عليه، فكيف يكون قوله: وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ عائداً عليهن، أي على المكرَهات؟ أليس المحتاج إلى المغفرة والرحمة هو الذي أكره فتياته على الزنا؟ أما المُكرَه فلا حرج عليه لأنه مكرَه. ولو فرضنا أن المغفرة والرحمة عائدة على المكرَهات على الزنا، ألم يكن حقيقاً بالآية أن تتوعد المكرِهين بالعذاب والعقاب في الدنيا والآخرة حتى يمتنعوا عن جريمة الاتجار بالبشر؟ الآيات تسكت عن هذا كذلك، مع أن الآيات توعدت الزناة وحددت لهم الحدود، فكيف لم تحدد الحدود لمن يُكره الناس على البغاء، إذا كان البغاء هو الزنا؟ لا يستقيم هذا التفسير.
بل نرى أن كون الآيات لا تتحدث عن عقوبة المكرِه على البغاء، دليل على أن البغاء ليس شيئاً حراماً ولا قبيحاً، وليس الزنا قولاً واحداً. في الجزء الأول، قلنا إن البغي هو الطلب والسعي في أمر فاسد أو بمفسدة، أما البغاء، فهو الطلب والسعي صرفاً خالصاً، كما دل على ذلك الجذر الذي اشتق منه، “بغى يبغي”، الذي يعني الطلب والسعي. ولما كانت الفتيات ملك اليمين تخدم أسيادها في المنزل وخارجه، وتسعى في قضاء حوائجهم، فإن ما يقمن به هو الطلب والسعي، أي البغاء.
فهل أطلقت العرب على الإماء: الباغيات والبغايا؟ جاء في لسان العرب:
“البِغْية والبُغْية: الحاجة المَبْغِيَّة، بالكسر والضم، يقال: ما لي في بني فلان بِغْيَة وبُغْية أي حاجة. والبِغْيَة مثل الجلْسة التي تَبْغِيها، والبُغْية الحاجة نفسها؛ عن الأَصمعي. وأَبغاه الشيءَ: طلبه له أو أَعانه على طلبه، وقيل: بَغاه الشيءَ طلبه له، وأَبغاه إياه أَعانه عليه. وقال اللحياني: اسْتَبْغَى القومَ فَبَغَوْه وبغَوْا له أي طلبوا له. والباغي: الطالِبُ، والجمع بُغاة وبُغْيانٌ. وبَغَيْتُك الشيءَ: طلبته لك؛ ومنه قول الشاعر:
وكم آمِلٍ من ذي غِنىً وقَرابةٍ
لِتَبْغِيَه خيراً، وليس بفاعِل
وأبْغَيْتُك الشيءَ: جعلتك له طالباً.”
وقيل: البَغِيُّ الأَمَةُ، فاجرة كانت أو غير فاجرة، وقال أبو عبيد: البَغايا الإماءُ لأنهنَّ كنَّ يَفْجُرْنَ. يقال: قامت على رؤوسهم البَغايا، يعني الإماءَ، الواحدة بَغِيٌّ، والجمع بغايا.
مما سبق، يتبين أن مفردة “بغيّ” و”باغية”، التي جمعها “بغايا”، كانت تطلق على الأمة عموماً، ثم اختصت بالأمة الفاجرة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان يُطلق على الأمة عموماً لفظ “بغي” و”باغية” لأنها تطلب لسيدها حاجته وتسعى إليها، فإن هذا يعني أنها تمارس عملها الذي اشتُريت من أجله، وهو البغاء، أي الطلب والسعي. والبغاء والبغي مصدر من “بغى يبغي”، كما تقول “سِقاء” و”سقي” من “سقى يسقي”.
ونرى أيضاً أن مفردة “بغي” و”باغية” استأثرت في التداول لاحقاً بما هو جنسي، لكون الأسياد كانوا يشترون الإماء كثيراً لقضاء حاجة الجنس، فطغى المعنى اللاحق المتداول على المعنى الأصيل.
عليه، فإن قوله تعالى:
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (النور: 33)،
مقصوده ودلالته هو أن ملاك اليمين لا يجب أن يكرهوا فتياتهم على خدمتهم متى بلغن السن التي يصبح الجنس فيها مطلوباً، وعبر عنه بـ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا، أي متى ظهرت رغبتهن في الزواج وأصبح عدمه مدعاة لعدم التحصن والفجور. وهنا يستقيم معنى قوله:
وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ،
أي أن الذين يكرهونهن على البقاء في خدمتهم يقومون بعمل خاطئ، لكنهم متى انتهوا وسمحوا لهن بالزواج فإن الله غفور رحيم، ولذلك قال مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ، أي أن المغفرة والرحمة تجب بعد انتهاء الإكراه، وليس خلاله.
من خلال تحليل النصوص القرآنية والتفاسير التراثية، يتضح أن مفهوم البغاء في القرآن الكريم لا يمكن حصره في كونه مجرد مرادف للزنا، كما ذهب إلى ذلك العديد من المفسرين. فالسياق الذي وردت فيه آية النور (33) يشير إلى أن البغاء يتعلق بمسألة إجبار الإماء على القيام بأعمال معينة لصالح أسيادهن، لا سيما عندما يرغبن في الزواج والتحصّن، وهو ما يجعل من التفسير التقليدي موضع مراجعة وإعادة نظر.
في الجزء القادم من هذه السلسلة، سنواصل البحث في الجذور اللغوية والتاريخية لمفهوم الزنا، ونتناول كيف تطوّر مدلوله عبر العصور، وما إذا كان هناك فرق بين فهمه في السياق القرآني وفهمه في المجتمعات الإسلامية اللاحقة. كما سنناقش دور الفقهاء في تشكيل المفاهيم المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المسلمة، وتأثير ذلك على تفسير النصوص الشرعية.
يتبع في الجزء الثالث…
السلام عليكم ورحمة الله، رمضان مبارك عليكم جميعا ، استاذ كمال الغزي تحية طيبة ، لقد عرفتك مؤخرا و الغريب أننا نعيش في نفس الدولة ، المهم أشكرك على هذه القراء التي تحتاج منا أولا أن نتخلى عن معنى المصطلح الذي كبرنا معه ، وثانيا أن نركز ونحكم العقل في هذا الموضوع الحساس . بالنسبة لي لا زال مفهوما الزنا و البغاء و الفواحش متعلقة بالعلاقة الجنسية فقط ، أعلم أنني سأحتاج الكثير من الوقت لأفك هذه الرابطة، في انتظار الجزء الثالث و اكيد يجب أن أعيد قراءة كل الاجزاء بعين نقدية هذه المرأة وبعدها سوف أرى هل سأهضم الموضوع أم لا . تحياتي وشكرا لك .