مقالات

في نقض مُعضلة الشرّ: برهان الحكمة وضرورة الإرادة الحرّة

مقاربة فلسفية عقلانية في ضوء الرؤية القرآنية

تمهيد

مُعضلة الشرّ من أكثر الإشكالات الفلسفية استعمالًا في الخطاب الإلحادي المعاصر للطعن في فكرة الإله الكامل القدرة والكامل الخير. وغالبًا ما تُقدَّم هذه المعضلة في صورة تناقضٍ منطقيّ بين ثلاث قضايا: قدرة الله المطلقة، وخيريته المطلقة، ووجود الشرّ في العالم. غير أنّ هذا الطرح، في نظري، لا يقوم على تحليلٍ دقيق لمفهوم الإله في ذاته، ولا على فهمٍ متماسك لطبيعة الشرّ، ولا على إدراكٍ كافٍ لحدود العقل البشري وموقعه الوجودي داخل النظام الكوني. ومن هنا أسعى في هذا المقال إلى تفكيك هذه المعضلة من جذورها، وإعادة بناء تصور عقلاني متماسك لمسألة الشرّ، قائم على مبدأ الحكمة الإلهية، ومحدودية الإدراك الإنساني، وضرورة الإرادة الحرّة لتحقيق المعنى الأخلاقي.

أولًا: في تفكيك الأساس المنطقي لمعضلة الشرّ

يُقدَّم الطرح الإلحادي الكلاسيكي، كما صاغه ج. ل. ماكي (J. L. Mackie) أو كما يُنسب إلى ما يُعرف بـ«مفارقة أبيقور»، بوصفه برهانًا على التناقض المنطقي بين وجود الله ووجود الشرّ. ويقوم هذا الطرح على افتراضٍ ضمنيّ مفاده أن الكائن الكامل القدرة والكامل الخير يجب عليه، بحكم تعريفه، أن يمنع كل شرٍّ ممكن، وإلا كان عاجزًا أو غير خير. غير أنّ هذا الافتراض لا يستند إلى ضرورة عقلية، بل إلى تصوّر اختزالي لمفهوم الخير الإلهي، يُفرغه من بُعده الجوهري: الحكمة.

فالله – بحسب التصور القرآني والعقلي معًا – ليس مجرد قوة مطلقة تتحرك بلا غاية، بل هو فاعل حكيم، أي أن أفعاله ليست مجرد استجابات ميكانيكية لإزالة الألم، بل أفعال مقصودة ضمن نظام كليّ متكامل. ومن مقتضيات الحكمة أن يُسمَح بوجود الآلام والشرور لتحقيق خيراتٍ أعظم لا يمكن بلوغها بغير ذلك المسار. إن السماح بالألم ليس دليلًا على غياب الخير، بل قد يكون دليلًا على حضور غاية أسمى.

إن المثال الطبي يوضّح هذه النقطة بجلاء: فالجراح يسمح بألم المشرط، لا لأنه شرير، بل لأنه يسعى إلى إنقاذ حياة المريض. والألم هنا ليس غاية، بل وسيلة. وعلى المنوال نفسه، لا يصحّ عقليًا أن يُختزل الخير الإلهي في منع الألم فحسب، بل ينبغي فهمه في إطار مقاصدي أشمل.

وعليه، فإن دعوى التناقض المنطقي بين وجود الله ووجود الشرّ تنهار بمجرد إدخال عنصر الحكمة في التحليل.

ثانيًا: في طبيعة الشرّ: هل هو جوهر أم عارض؟

تناول فلاسفة الإسلام التقبيديون، مثل الفارابي وابن سينا، مسألة الشرّ بوصفه نقصًا في الكمال لا وجودًا قائمًا بذاته. فالشرّ عندهم ليس جوهرًا مخلوقًا مستقلًا، بل حالة عَرَضية ناشئة عن قصور الموجودات أو عدم اكتمال قابليتها لتحقيق الخير التام.

غير أنني أرى أن هذا التعريف، رغم وجاهته، لا يستنفد حقيقة الشرّ من حيث وظيفته الوجودية. فالشرّ ليس “نقص”، بل هو – من منظورٍ أوسع – أداة منطقية لازمة لتحقيق التدرّج في الكمال داخل نظامٍ يقوم على التفاوت والاختلاف.

فالخير لا يُدرَك إلا في مقابل إمكانية الشرّ، كما أن النور لا يُدرَك إلا في مقابل الظلام، والبصر لا يُدرَك إلا في مقابل العمى. إن هذه الثنائيات ليست تناقضات عبثية، بل بنيات إدراكية تجعل المعنى ممكنًا.

ومن ثمّ فإن الشرّ ليس “شيئًا” خلقه الله على نحو جوهري، بل هو نتيجة طبيعية لخلق عالمٍ متدرّج في المراتب، عالمٍ يقوم على الاختلاف، والتزاحم، والتفاعل، والاختبار. فالله خلق الوجود، وجعل الشرّ عارضٌ للخير ينشأ من حدود القوابل، ومن تصادم المصالح داخل العالم المادي، ومن شروط الحرية الإنسانية.

إن القول بأن الله “خلق الشرّ” بوصفه جوهرًا مستقلًا هو خلطٌ مفاهيمي، لأن الشرّ ليس كيانًا وجوديًا كالذرة أو المجرة، بل هو توصيف لعلاقة أو حالة أو نتيجة داخل نظامٍ أوسع.

ثالثًا: ليبنتز والعالم الأفضل الممكن

أجد في أطروحة الفيلسوف الألماني غوتفريد فيلهلم ليبنتز (1646–1716) إضافة فلسفية بالغة الأهمية لفهم مسألة الشرّ من منظور منطقي متماسك. فقد ذهب ليبنتز إلى أن العالم الذي نعيش فيه هو “أفضل العوالم الممكنة”، لا بمعنى أنه خالٍ من الشرّ، بل بمعنى أنه يحقق أعلى درجة ممكنة من الكمال ضمن شروط الإمكان الكوني.

ينطلق ليبنتز من مبدأ السبب الكافي، أي أن كل ما يحدث في الكون له سبب مبرِّر، ولا يختار الله عالمًا دون آخر إلا لسببٍ مرتبط بالكمال العام للنظام الكوني. فلو وُجد عالمٌ بلا شرّ، لكنه يخلو من الحرية والمسؤولية والمعنى الأخلاقي، لكان عالمًا ناقص القيمة الوجودية، مهما بدا “مريحًا” من الناحية الشعورية.

العالم الذي يحتوي على قدرٍ من الشرّ، لكنه يسمح بوجود الحرية، والاختيار، والتطور المادي والأخلاقي، والمسؤولية، هو – في ميزان الحكمة – عالمٌ أفضل من عالمٍ جامد يخلو من الألم لكنه يخلو أيضًا من المعنى.

وهكذا، لا يُعدّ وجود الشرّ دليلًا ضد حكمة الله، بل قد يكون شرطًا لتحقيق أقصى درجات الخير الممكنة في عالمٍ يقوم على الاختيار والتدرّج.

رابعًا: وهم “الشرّ المجاني” وحدود الإدراك الإنساني

يستند بعض الفلاسفة المعاصرين، مثل وليم راو (William Rowe)، إلى فكرة “الشرّ المجاني”، أي الشرور التي لا يبدو لها مبرر أخلاقي واضح، ليستنتجوا أن وجود الله غير مرجّح. غير أن هذا الاستدلال، في جوهره، يقوم على مغالطة معرفية أساسية: الخلط بين “عدم إدراك الحكمة” و“عدم وجود الحكمة”.

العقل البشري محكوم بالزمان والمكان، ولا يرى إلا مقاطع جزئية من المشهد الكوني. أما العلم الإلهي فشامل، عابر للزمن، ومحيط بالنتائج البعيدة والقريبة معًا. وما يبدو لنا شرًّا محضًا في لحظة زمنية محدودة قد يكون حلقة ضرورية في سلسلة سببية تؤدي إلى خير أعظم بعد سنوات أو قرون أو في سياق آخر لا نراه.

وهنا ينسجم هذا التحليل مع الرؤية القرآنية التي تؤكد محدودية العلم البشري:

﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾

فالحكم على حدثٍ بأنه “شرّ مطلق” هو حكمٌ متسرّع نابع من قصور إدراكي، لا من برهان عقلي حاسم. وهي نفس الفكرة الفلسفية العميقة التي تبلورت في قصة موسى مع العبد الصالح.

خامسًا: الإرادة الحرّة كأساس للخير الأخلاقي

أُدرك أن الخير الأخلاقي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل حرية حقيقية. فالفعل القسري لا يحمل قيمة أخلاقية، لأن الأخلاق تفترض الاختيار، والمسؤولية، والقدرة على الفعل أو الترك.

لو كان الإنسان مجبرًا على الخير، لما كان للخير معنى، ولا للثواب قيمة، ولا للعدل مبرر. ولهذا يؤكد القرآن مبدأ الحرية:

﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

الحرية تستلزم إمكانية الانحراف، والشرّ الأخلاقي هو الثمن الوجودي الواجب منطقيا لمنح الإنسان كرامة الاختيار. وهذا ما عبّر عنه ألفن بلانتنغا بدقة حين قرر أن خلق عالم يحتوي على كائنات حرة تختار الخير دائمًا بالجبر هو تناقض منطقي، لأن الحرية بطبيعتها تفتح باب الخطأ.

ومن هنا أفهم الشرّ الأخلاقي بوصفه “عارض الحرية”، كما أن الظلام عارض النور، لا جوهرًا مستقلًا.

سادسًا: الابتلاء وصناعة المعنى

لا ينظر القرآن إلى الألم بوصفه عبثًا، بل بوصفه أداة اختبار وبناء:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ…﴾

الابتلاء ليس عقوبة وجودية، بل آلية لصناعة المعنى، وتمييز المواقف، وبلورة الوعي الأخلاقي. فالدنيا دار اختبار لا دار جزاء، والعدالة المطلقة مؤجَّلة إلى الآخرة.

العالم الذي يخلو من الألم يخلو بالضرورة من البطولة، والصبر، والارتقاء، والمسؤولية، والتدرج نحو الكمال. إنه عالم بلا قصة أخلاقية، بلا معنى.

الخاتمة

أخلص من هذا التحليل إلى أن:

الشرّ ليس جوهرًا مخلوقًا، بل أداة منطقية للتدرج في الكمال.
العالم الحالي هو الأفضل ضمن شروط الحرية والمسؤولية.
الإدراك البشري محدود عن رؤية الحكمة الكاملة.
الحرية تستلزم إمكانية الخطأ.
الابتلاء يصنع المعنى الأخلاقي للوجود.

وعليه، فإن وجود الشرّ لا يُشكّل دليلًا ضد وجود الله، بل يؤكد وجود الحرية والعدالة المؤجَّلة. أما المطالبة بعالمٍ بلا ألم ولا اختبار، فهي مطالبة بعالمٍ بلا منطق ولا معنى مطلب عاطفي وليس منطقي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. اقتباس
    ” تناول فلاسفة الإسلام التقبيديون، مثل الفارابي وابن سينا، مسألة الشرّ بوصفه نقصًا في الكمال لا وجودًا قائمًا بذاته. فالشرّ عندهم ليس جوهرًا مخلوقًا مستقلًا، بل حالة عَرَضية ناشئة عن قصور الموجودات أو عدم اكتمال قابليتها لتحقيق الخير التام.

    غير أنني أرى أن هذا التعريف، رغم وجاهته، لا يستنفد حقيقة الشرّ من حيث وظيفته الوجودية. فالشرّ ليس “نقص”، بل هو – من منظورٍ أوسع – أداة منطقية لازمة لتحقيق التدرّج في الكمال داخل نظامٍ يقوم على التفاوت والاختلاف.

    فالخير لا يُدرَك إلا في مقابل إمكانية الشرّ، كما أن النور لا يُدرَك إلا في مقابل الظلام، والبصر لا يُدرَك إلا في مقابل العمى. إن هذه الثنائيات ليست تناقضات عبثية، بل بنيات إدراكية تجعل المعنى ممكنًا.”

    احيانا الشر يأتي كبلاء مهمته تصحيح المسار في الوجود الانساني والارتفاع بوعيه عندما يصبح الفرد او المنظومة المجتمعية منظومة جامدة راكدة متحجرة، فكيف كان يرى الملحد لكورونا او كوفيد 19؟
    هل يراه شرا من الإله ؟
    هل تساءل عن طبيعة تعامل الانسانية مع هذا الفيروس؟
    وهل تساءل لماذا افتك بكل البشر بمختلف معتقداتهم واثنياتهم- الم يؤمن بالقاعدة أن المساواة في الظلم عدالة؟
    هل استطاع ان يرمي اللوم على بني البشر على اساس انهم من تسببوا في ذلك الشر؟
    عموما يمكن اعتبار كوفيد-19 بلاء من حيث طبيعته، وفتنة من حيث آثاره، دون أن يكون أحد الوصفين بديلا عن الآخر.
    فمن حيث كونه حدثا صحيا عالميا مفاجئا أصاب البشر بغض النظر عن معتقداتهم أو مواقفهم، وأحدث اختلالا في الأنظمة الجسدية والاجتماعية والاقتصادية، فإنه يندرج ضمن مفهوم البلاء بوصفه واقعا خارجيا عاما، محايدا في ذاته، لا يحمل حكما أخلاقيا مباشرا. غير أن هذا البلاء، حين ضغط على الوعي الإنساني، وكشف أنماط الاستجابة المختلفة له من إنكار واستخفاف، أو خوف مفرط، أو استغلال، أو تضامن ومسؤولية تحول في نتائجه إلى فتنة؛ أي إلى حالة كاشفة لما في النفوس من ميزان أو اختلال.
    والملحد يترك كل هذا ولا يريد أن يكون كوفيد 19 مجرد انذار له لتصحيح مساره إذ أن الفيروس في ذاته بلاء سواء كان شرا او خيرا ولكن الانقسام الحاد في المواقف، واضطراب الثقة، وتقديم المصالح الضيقة، أو على العكس ترسيخ القيم الإنسانية، كله كان نتيجة لآثار الفتنة. وبهذا لا يكون كوفيد-19 فتنة بذاته، ولا بلاء خالصًا من حيث المآلات، بل مثالا واضحا على بلاء عام تحول عند البشر، بدرجات متفاوتة إلى فتنة في الوعي والسلوك.

    هذا الشر قد أجبر البشر على الارتقاء بالمعرفة ، وكشف هشاشة الأنظمة الصحية والاقتصادية، ووهم السيطرة المطلقة على الطبيعة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة كانت مؤجلة: معنى الأمان، ومسؤولية الفرد تجاه الجماعة، وحدود الحرية حين تتقاطع مع سلامة الآخرين. هذه الجائحة وضعت الانسانية امام مرآة لا يمكن نسيانها فمن ارتقى بوعيه تعلم، ومن رفض نسي ولا زال يراه مجرد شر بدواعي الظلم.

اترك رداً على خالد الزاحم إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى