أبحاثيتدبرون

كيف وصل القرآن الكريم إلينا؟

إن من يقول من أهل التراث ،أن طريقة نقل القرآن هي نفس طريقة نقل السنة ،يعلم جيداً أن هذا القول هو محض افتراء، وزعم لا أساس له من الصحة ،إذ أنهم أنفسهم ينقضون هذا القول ، حين يقولون بأن القرآن قد نقل الينا بالتواتر اللفظي ، في حين أنه لا يوجد في السنة كللها أحاديث متواترة لفظياً الا حديثاً واحد لازالوا مختلفين فيه ، وهوما يعني أنه حتى بمنهجهم الذي يعتمدون عليه في علم مصطلح الحديث وغيره، فإن طريقة نقل القرآن مختلفة تماماً عن طريقة نقل السنة ، فالقرآن بحسب كلامهم نقل بالتواتر اللفظي ، بينما السنة كللها أحاد ، وإن وجد فيها المتواتر فهو متواتر بالمعنى وليس باللفظ ، ما يعني إقرارهم الضمني بإن طريقة نقل القرآن مختلفة تماماً عن طريقة نقل السنة ، وما قولهم بالتساوي بين الطريقتين الا ضربا من ضروب الجدل بالباطل . 

أما نحن فنقول أن طريقة نقل القرآن مختلفة تماما عن طريقة نقل الأحاديث المنسوبة الى رسولنا لكريم والتي يطلقون عليها مسمى ( السنة ) ، حيث أن القرآن الكريم  بالنسبة لنا ،قد جاءنا بطريقين متوازيين و متلازمين عبر الأجيال  ،لا غنى لأحدهما عن الأخرى ، وهو أنه وصلنا مكتوباً في السطور ، ومحفوظاً في الصدور ، في طريقين متوازيين ومتلازمين  جيلاً بعد جيل ، ولو غاب أحدهما لاعترانا الشك في صحة الآخر ،فما في السطور هو ضمان لما في الصدور ،أن يتم اختلاقه زوراً وافتراء على الله، وما في الصدور هو ضمان من أن يتم التحريف لما جاء في السطور، وقد أوضحنا تفاصيل هذا الأمر في مبحث سابق [1].لكننا لم نفصل في طريقة نزوله على نبينا الكريم ابتداء .

ولما لهذه الجزئية من أهمية، ولكون البعض من أنصار التراث من الروايات وغيرها، يحاول جاهداً أن يساوي بين القرآن وغيره مما ورد في الروايات، حتى أن بعضهم يطلق على الروايات من الأحاديث مسمى (الوحي الثاني) وبعضهم يرى أن القرآن ينسخ بالسنة، وهو قول الجمهور، فقد رأينا أن نفرد هذا المبحث لنبين فيه كيفية نزول القرآن الكريم، وما إذا كان قد نزل على نبينا الكريم من السماء مكتوباً؟؟ أم نزل وحياً مقروءاً بواسطة جبريل عليه السلام، وكتبه نبينا الكريم بيده الشريفة، أو بواسطة الصحابة المقربين؟؟ وما وصلنا إليه في هذا الشأن ولله العلم من قبل ومن بعد، هو أن القرآن قد نزل على نبينا الكريم مكتوباً، ولنا في هذا أدلتنا العقلية والنقلية واللغوية، التي تثبت نزول القرآن على رسولنا الكريم مكتوباً مسطوراً، ويمكن تلخيص الأدلة والبراهين على ذلك فيما يلي:  

أولا: الأدلة العقلية على أن القرآن الكريم قد نزل مكتوبا.

ونقصد بالأدلة العقلية على أن القرآن الكريم قد نزل مكتوبا، الدلائل والملاحظات والتساؤلات المنطقية، التي تجعل العقل لا يقبل الا أن يكون القرآن قد نزل مكتوبا.

  • إن القرآن الكريم قد أمر المسلمين في آية الدين، والذي قد لا يتجاوز هذا الدين العشرة دراهم، أن يكتبوا اتفاقية الدين، بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) البقرة. وأكد على ذلك في نفس الآية فقال (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ) البقرة. ثم برر ذلك في نفس الآية بقوله (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) البقرة. فهل يأمرنا الله بضرورة الكتابة للدَين رغم وجود شهود عليه، ثم ينزل علينا كتاباً تبياناً لكل شيء غير مكتوب، هذا ينافي العقل والمنطق تماماً، بل أن الله قد أمر ملائكته أن يكتبوا أعمالنا فقال (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)) الانفطار. في إشارة الى أهمية الكتابة مع عدم حاجته إليها، كونه عليم بذات الصدور وليس فقط بما تكتبه الملائكة، ولم يأت في المصحف كاملاً، ولا آية واحدة، تأمرنا بكتابة القرآن، بل اكتفى بالأمر بتلاوته، وتدبره، وهذا لا يعني إلا شيئا واحداً، هو أن القرآن قد نزل مكتوبا، وفي هذه الحالة فما الداعي لأمرهم أن يكتبوه.
  • وردت الآيات الصريحة في أن كتاب موسى عليه السلام قد نزل مكتوباً، وهو ما يجعلنا نؤمن تماما أن القرآن قد نزل مكتوباً، وبالذات مع وجود آيات كثيرة في القرآن نفسه تقول بنزوله بمسمى الكتاب.
  • ما للرسم القرآني من قداسة لدى كافة الفرق، جعلتهم لا يجرؤون على تغييره، ابتداءً من جيل الصحابة وإلى اليوم، رغم وجود ملاحظات كثيرة في طريقة رسم الكثير من الكلمات، ما يدل على أن القداسة تم توارثها من جيل الصحابة نفسه، وأن هذه القداسة توحي بعلمهم (أي جيل الصحابة) أنه نزل مكتوباً، أو على الأقل كان رسمة بتوجيه إلاهي، وأن ما روي أن الرسم القرآني كان نتيجة اجتهاد من عثمان أو غيره، هي روايات غير صحيحة، ويمكن ملاحظة القدسية في الآتي:
  • وجود الكثير من الكلمات في القرآن الكريم قراءتها الصوتية تختلف تماما عن رسمها القرآني ،ما يدل دلالة قطعية أن طريقة القراءة جاءت لاحقة للنص المكتوب بوحي من الله، مثل الحروف المقطعة في بداية السور ، والتي كتبت بطريقة مخالفة تماما لمنطوقها اللغوي الذي أخذ من فم النبي عليه السلام ،والذي لا خلاف عليه في أنه نزل به جبريل الأمين  ، فمثلا الحروف المقطعة في فاتحة سورة (يس )  كتبت بهذا الشكل  ( يس ) والذي يفترض أن يكتب لو كان النص الكتابي  لاحقا للقراءة وخاضع للاجتهاد لكتبت بهذه الطريقة   ( ياسين  ) أو ( ي ، س ) ، و في مطلع سورة ( طه )  لو لم تكن الكتابة متقدمة لكتبت ( طاها )  أو ( ط ، هـ ) وكذا مطلع  سورة البقرة ( الف لام ميم ) أو ( أ ، ل ، م ) أما أن تكتب ( الم ) فهذا يخالف المألوف في الكتابة وأبسط أبجديات الإملاء في اللغة، بل وحتى يخالف الاجتهاد السليم للمجتهد، وقس على ذلك بقية الحروف المقطعة في القرآن الكريم ( كهيعص) ( طسم ) ( حم )… الخ، ما يعني أن من كتب النسخ القرآنية اللاحقة فيما بعد وأرسلها إلى الأمصار سواء كان عثمان بن عفان أو غيره  لم يكن في وسعة الا أن ينقل الرسم القرآني من الصحف الأصلية كما هو لا يزيد فيه ولا ينقص
  • كلمات مثل (صلواة ــــ زكواة ــــ حيواة) والتي تكتب في أماكن كثيرة من القرآن الكريم، بطريقة مخالفة لنطقها المأخوذ عن النبي، ومع ذلك لم يجرؤ أحد لا من السابقين ولا من اللاحقين على تغييرها إملائيا، لمعرفتهم أن الرسم القرآني له نفس قدسية القراءة، وغير خاضع للاجتهاد ، حتى وإن لم يعرفوا سبب القدسية في الكتابة .
  • كلمة (إبراهيم) تكتب في كامل المصحف بهذا الشكل، إلا في سورة البقرة فقد وردت في كامل السورة بهذا الرسم (ابراهم):

سورة البقرة:


سورة هود:

مع نطقها في الحالين (إبراهيم)، ومع ذلك لم يتطرق أحد من المفسرين والعلماء لتفسير هذا الاختلاف، إلى أن جاء في الآونة الأخيرة من يكتشف ذلك من خلال ما ورد في (التوراة) أن سيدنا إبراهيم كان اسمه (ابرام) والتي تنطق عربياً (إبراهم)، وتم تغيير اسمه في مراحل لاحقة من حياته إلى (إبراهيم)، وهذا يعني أن التغيير في رسم الكلمات لم يكن صدفة، بل لحكمة إلاهية هي من رسمت القرآن بهذا الشكل، وهذا دليل على أن القرآن نزل مكتوبا وليس شفاهه.  وأنها قد تأتي اللحظة، التي نستطيع فيها أن نكتشف سبب رسم بقية الكلمات بطريقة مخالفة، تماما كما تم الاكتشاف لماذا كتب اسم (إبراهيم) بشكل مختلف في سورة البقرة.

  • أن يكون القرآن الكريم من أول صفحة الى آخر صفحة مكتوب بنمط واحد، يدل على أنه كتب بقلم واحد، وليس بأقلام متعددة، كما يقول أهل التراث، وما فعله عثمان عليه السلام، محصور في نسخ هذا الرسم كما هو في نسخ متعددة لتوزيعها على الأمصار.
  • إن ما وصلنا عن إجماع الصحابة، رغم اختلافهم بعد النبي في بقية الأمور، على أن رسم المصحف توقيفي، رغم قول الرواة المتأخرين، أن من كتبه هو زيد بن ثابت، يعد قرينة واضحة أن قدسيته قادمة من نزوله مكتوبا، فزيد بن ثابت ليس حتى من كبار الصحابة ليكون لرسمة قدسية.
  • الاكتشاف مؤخراً، أن ما قيل أن القرآن الأول لم يكن منقوطا غير صحيح، ويمكن العودة الى بعض الأبحاث الجديدة التي توضح أنها كانت منقوطة، كما وردت بعض الروايات تؤيد هذا بالقول أنه كان منقوطاً وتم تجريدة من نقطة بفعل فاعل، وهو ما أوردة الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابة مصادر الشعر الجاهلي من ص 35 الى ص 40 دار الجيل بيروت، وفيها دلائل واضحة على أن المصحف كان منقوطاً منذ نزوله حيث يقول ما نصه (( وقد استوقفنا كلام ابن العربي على غموضه وحاجته إلى فضل بيان يوضحه ، فلما قرأنا ما سنعرضه من كلام ابن الجزري كان خير موضح ،قال ( … ثم إن الصحابة رضي الله عنهم لما كتبوا تلك المصاحف جردوها من النقط والشكل ليحتمله مالم يكن في العرضة الأخيرة مما صح ّ عن النبي صلى الله عليه وسلم . وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمر الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن: لفظه ومعناه جميعاً ولم يكونوا ليسقطوا شيئاً من القرآن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ولا يمنعوا من القراءة به) وقول ثالث روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال (جردوا القرآن ليربو في صغيركم ولا ينأى عنه كبيركم … ) وقد ذكر الزمخشري شارحاً قول ابن مسعود أنه (أراد تجريده من النقط والفواتح والعشور لئلا ينشأ نشء فيرى أنها من القرآن).

وهذه الأقوال الثلاثة يفهم منها أن النقط أمر قد كان معروفاً قبل كتابة مصحف عثمان، ثم عدل عنه عدلاً مقصوداً وجرِّد القرآن منه تجريداً متعمداً، والقول في (تجريد) القرآن طويل، ونحن نعلم أن من ضمن ما يقصد من (التجريد) أن يكتب القرآن وحده في الصفحة لا يختلط به شيء من التفسير، أو الحديث، أو القصص، أو أية كتابة أخرى، لئلا يختلط على القارئ فيتوهم أن جميع المكتوب هو من القرآن الكريم. ولكن كلام الزمخشري وابن العربي وابن الجزري واضح وضوحاً لا لبس فيه، وهو ينص على أن (تجريد القرآن) يتضمن تجريده من النقط أيضاً.

وقد يكون المقصود من النقط هنا (النقط بالنحو) أي نقط ابي الأسود الدؤلي، وهو بيان حركات أواخر الكلام بوضع نقطة فوق الحرف للدلالة على الفتحة، ونقطة تحت الحرف للدلالة على الكسرة، ونقطة بين يدي الحرف للدلالة على الضمة ن بحبر يخالف لونه لون حبر الكتابة نفسها.

ومع تقريرنا لهذا المعنى فإننا نرى في قول ابن الجزري : (وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين) – تفريقاً بين النقط والشكل وذكراً لكل منهما وحده ، ونرى كذلك أن تجريد الكلمات من النقط لاحتمال الكلمة القراءات المختلفة يقتضي أن يكون معاني النقط المعني الذي نفهمه منه اليوم ، وللقراءات ا لتي تحتملها الكلمة الواحدة الخالية من النقط أمثلة كثيرة ، لعل أوضحها وأشهرها ما ورد في سورة النساء آية 94 : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً) .  وفي قراءة: (فتثبتوا) ورسم الكلمة (ڡٮٮىٮوا) محتمل للقراءتين. ))[2] (انتهى كلامه).

ثم يستمر في الصفحة رقم ( 38) النقطة رقم ( 4 ) قائلاً : (وقد كانت الكتابة الحميرية والصفوية والثمودية واللحيانية ،والكتابة النبطية التي يرجح أن الكتابة العربية مشتقة منها – كانت كل هذه الكتابات غير منقوطة ، ولكن المدقق فيها يجد أن الكثرة الغالبة من حروفها يختلف بعضها عن بعض اختلافاً يمنع اللبس والاختلاط ، ومن هنا لم تكن في حاجة إلى نقط ، وأما الخط العربي فكثير من حروفه متشابهة في الكتابة تشابها كاملاً ، مختلفة في الصوت اختلافاً تاماً ، ولا سبيل على التفرقة بينهما إلا بالنقط ، بل إن هذا التشابه العجيب بين الحروف ليكاد يجعلنا نظن أن الحرف منذ أن وُجِد وُجِد معه نقطُه ، وأن النقط ضرورة من ضرورات هذه الحروف منذ نشأتها ، إلا إذا كان يفرق بينها بوسيلة أخرى من وسائل الخط توضحها وتمنع اختلاطها مع غيرها ،وإلا لكانت الكتابة ، وخاصةً الطويلة منها ، عسيرة القراءة لا سبيل إلى فهمها . ولا عبرة في تجريد القرآن الكريم فإن الأصل فيه أن يكون محفوظاً في الصدر، وأن يرجع الحافظ إلى الكتاب للتذكر، أو أن يتلقاه المتعلم من معلم يحفِّظه إياه ثم يعود إلى الكتاب للاستذكار. )[3] (انتهى كلامه).

وفي الصفحة رقم (40) يستأنف كلامه قائلاً في الفقرة رقم (7): (ولعل خير ما يدعم هذه النقطة السابقة من حديثنا: تلك الوثيقة البردية التي يرجع تاريخها الى سنة 22 هجرية على عهد عمر بن الخطاب وهي مكتوبة باللغتين العربية واليونانية، والذي يعنينا من هذه البردية أن بعض حروفها منقوط معجم وهي حروف: الخاء والذال والزاي والشين والنون، وكذلك الشأن في نقش وجد بقرب الطائف ومؤرخ في سنة 58 هجرية على عهد معاوية ابن أبي سفيان، فإن أكثر حروفه التي تحتاج الى نقط منقوطة معجمة.

فنحن نرى إذن أن تاريخ الوثيقة البردية وهو سنة 22 هجرية سابق بسنوات كثيرة على ما ذكره الكتاب العرب في نشأة النقط والإعجام، وكذلك هذا النقش المؤرخ في سنة 58 هجرية، وثمة أمر آخر يجدر بنا أن ننبه عليه وهو أن أكثر الوثائق البردية – التي عثر عليها مؤرخة في القرن الأول الهجري غير منقوطة ولا معجمة، وذلك يعني أن إهمال النقط فيما عثرنا عليه من نقوش جاهلية لا يعني ضرورة أن النقط لم يكن معروفاً مستعملاً، لأن إهمال النقط في النقوش وأوراق البردى الإسلامية لم يمنع وجود وثائق ونقوش منقوطة .))[4] (انتهى كلامه).

 

مخطوطة برمنجهام تعود إلى زمن التنزيل نفسه وتحتوي على النقاط
مخطوطة برمنجهام تعود إلى زمن التنزيل نفسه وتحتوي على النقاط

هـ- الإعجاز في الرسم القرآني

  • خلال السنوات الأخيرة، اكتشف العديد من الباحثين في علوم الرسم القرآني إعجازًا مذهلًا في طريقة كتابة المصحف، مما يؤكد أن الرسم القرآني لم يكن اجتهادًا بشريًا.
  • من أبرز الباحثين في هذا المجال:
    • الأستاذ ياسر العدير قاوي (السودان)
    • الأستاذ زياد السلوادي
  • أبحاثهم، المتوفرة على الإنترنت، تكشف أن الرسم القرآني يحوي أسرارًا رياضية ولغوية متكاملة، يستحيل أن تكون وليدة اجتهاد بشري، بل لا بد أن تكون وحيًا إلهيًا.

أن كل ما أوردناه في الصفحات السابقة، إن لم نعتبره أدلة على نزول القرآن مكتوبا، فهي على الأقل قرائن قوية على ذلك، وهي بمثابة المقبلات التي تفتح شهية الباحث عن كيفية نزول القرآن على رسولنا الكريم، وهل الرسم القرآني فيه هو رسم عثماني كما يقال ؟؟ أم رسم رباني نزل به الروح الأمين؟؟

ثانياً: الأدلة على نزول القرآن مكتوبا من خلال تكامل الآيات الواضحة:

إن ابتداء نزول القرآن الكريم بقوله تعالى:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)) العلق.  

والذي يعني الأمر من الله لرسوله أن (يقرأ)، فيه دلالة على أن ما نزل عليه كان مكتوبا، وهل يُقرأ الا المكتوب؟؟؟ فإن قال من يريد الجدل نعم يمكن قراءة المحفوظ، نقول له فإن لم يكن قبلها محفوظاً وكانت هي أول آية في القرآن الكريم؟؟ فلا يمكن إلا أنها أمر بقراءة المكتوب أمامه ، خصوصا وقد ذكر القلم  في الآية التالية لها ، وفي ذلك إشارة إلى الكتابة، ما يمثل قرينة في أن المقصود باقْرَأْ في بداية السورة هو القراءة من المكتوب ، ثم جاءت السورة التي بعدها مباشرة بحسب النزول ،وهي سورة القلم ، فكان ذكر القلم في بدايتها ،وهو القلم الذي نعرفه ،القلم الذي نسطر به السطور من الكتابة على الورق ،يفهم هذا بمجرد إكمال كلمات الآية بالقول  (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي  ما يتم كتابته بهذا القلم

 ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2)،،،،،  إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15) القلم

ولنا أن نلاحظ من خلال الآيات السابقة من سورة القلم، والتي تبدأ بذكر القلم، وما يسطرونه بهذا القلم من كتابة، وعلى نفس السياق، يأتي رد كفار قريش على آيات القرآن الكريم، التي يتلوها عليهم أنها (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15)) حيث يفهم من هذا الرد أنهم يتكلمون عن قرآن مكتوب، قرآن مسطور، وليس قرآن ملفوظ، تم التعبير عن ذلك بقولهم أساطير، وهي جمع الجمع من سطر، (سطر، سطور، أساطير) وفيها دلالة واضحة أنهم (أي مشركي قريش) يتكلمون عن قرآن مكتوب.

ثم تأتي سورة المدثر فتصف ما نزل من كتاب الله الكريم بأنه (تذكره)

(فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) المدثر. 

نعم التذكرة هنا يقصد بها القرآن الكريم، كون القرآن هو ما أُمِر رسولنا الكريم أن يُذَّكِر به الناس، في قوله تعالى من سورة (ق ) (  فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) . ق. وقوله في سورة طه (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) طه.، لهذا خلصنا الى أن المقصود بالتذكرة هو القرآن الكريم  ، وعليه فلنستمر مع الآيات  في سورة المدثر، لنعرف ماذا بعد ذكرها للتذكرة.

  (فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلاَّ بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (53) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) المدثر

  وهنا يجب على المتدبر أن يضع  خط تحت قوله تعالى ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) المدثر .  كونها تدل على أن القرآن الذي ينذرهم به رسولنا الكريم، وهو ما أسمته الآيات بمسمى (التذكرة)، هو عبارة عن صحف منشورة، ما يعني انه قرآن مكتوب على رق منشور، وليس مجرد كلام ملفوظ شفاهية، وكل واحد منهم، يريد أن يؤتى مثل ما أوتي رسول الله (صُحُفاً مُنَشَّرَةً).

ثم تأتي سورة عبس لتؤكد لنا أكثر ما دلت عليه الآيات السابقة، فتقول لنا في صراحة تامة، بأن ما يذكرهم به رسولنا الكريم، هو قرآن مكتوب، فتصف لنا ما سبق و أسمته الآيات السابقة من القرآن بالـ ( تذكرة ) تصفه بأنه في صحف مكرمة ،مرفوعة مطهرة ،كُتِبَ بأيدي سَفَرَة أي ( كَتَبَه) كرام برره وهم الملائكة، بمعنى أنه وصل الى الرسول مكتوباً في صحف وليس فقط ملفوظ شفاهية، قال تعالى

( كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) عبس . 

فالسياق اللغوي في الآية موضوعنا  يتكلم عن  القرآن الكريم، الذي ينذر به الرسول الناس ويصفه بأنه (تذكرة) (في صحف مكرمة) (مرفوعة مطهرة) إلى هنا فهو يصف آيات القرآن الكريم ،لا خلاف على ذلك بين جميع المفسرين ، ثم ينتقل بنا في الآية التي تليها ليرينا كيف تمت كتابته ،فيقول أن كتب على يد (سَفرَة) أي (كَتَبَة) فالكتاب في اللغة يطلق عليه ( السِفر ) (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) الجمعة  فالأسفار في الآية تعني الكتب ، وسَفَرَه تعني كَتَبَه، و الآية موضوعنا تقول ، أن من كتب القرآن  هم كرام برره ،ويقصد بهم الملائكة الذين يكتبون القرآن بأمر من الله ،تماما كما كتبوا التوراة بأمر الله ،ولا يعني قوله ( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)  وجودها ،  بل يعني كتابتها، اذ لو كان المقصود وجودها لناقض آخر الآية أولها، إذ أن أولها يشير إلى أنه ميسر ومتاح لكل أنسان، فهو موجود و مكتوب في صحف مكرمة ( فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) ، فإذا ما افترضنا إن قوله بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)  يعني (وجوده ) فهذا يعني أنه غير متاح لكل من شاء الذكر ، فلا أحد يمكنه التعامل المباشر مع الملائكة ، ولا معنى لأن يكون بأيدي سفرة (وجوده) إذ الأولى لو كان المقصود هو ( الوجود ) أن يقال بأيدي (حفظة ) وليس سفرة أو كتبة ،ما يعني أن معنى قوله  (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)) كتابتها وليس وجودها ،  وهو ما يعني أيضاً  أن القرآن الكريم كان يُنَّزل على رسولنا الكريم مكتوبا أولاً بأول ، لذلك نجد الذين كفروا منبهرين بهذا ،فينكرون ان هذا من عند الله فيقولون بعد أن يروها صحفا مكتوبة (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (6)  الفرقان .

هل بعد هذا الوضوح من وضوح ، انظر كيف كانت دعواهم ،وكيف كان  الأمر لرسو لنا الكريم أن يجيبهم ، دعواهم أن ما ينذرهم به من قرآن  هي  نُسخ قام بكتابتها نقلا عن  كتب الأولين يقصدون ( التوراة والإنجيل )  أكتتبها أي أنه أنتسخ نسخة منها ،( فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ )، وكلمة (تُملَى) في اللغة  لا تطلق الى على من يلقن الكلام لكتابته وليس لسماعة ، ما يعني أنهم يتكلمون عن قرآن مكتوب ،ولو كانوا يتكلمون عن قرآن ملفوظ شفاهية فقط، لكانت الآية ( فَهِيَ تُتْلَى عَلَيْهِ ) وليس تملى عليه ، أي  أن كفار قريش يدعون ،أن هذه الصحف  المكتوبة التي  يتلوا منها رسول الله  القرآن الكريم ، هي نسخ قام رسولنا باكتتابها من الكتب السماوية السابقة ، وليست من عند الله كما يخبرهم رسولنا الكريم ، فيأتي الرد المباشر على هذا الافتراء، بالأمر لرسول الله ،بتكذيب افتراءاتهم عليه في مصدر هذه الصحف  بالقول : بل هي منزلة من عند  الله وليس كما تقولون :

  (قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (6)  الفرقان  .

 إذا فالرد قد أثبت وجود الصحف المكتوبة، القرآن المكتوب ،ودحض دعواهم في مصدر هذه الصحف ،وأنها ليست منتسخة من الكتب السابقة ،بل هي منزلة من عند الله ، ثم تأتي آيات سورة العنكبوت ،لتبين سذاجة وبطلان دعواهم في أنه انتسخها من كتب الأولين،  فتقول لهم ،أنهم يعلمون مسبقاً أنه أُميّ ،لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يكون هذا.   

( وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت.

وكيف لذو عقل أن يقول بعد قوله تعالى (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت   أن الآيات لا تتكلم عن قرآن مكتوب، إذا لو كانت الآيات تتكلم عن قرآن مقروء شفاهية فما علاقة ريبة المبطلون (مشركي مكة)  بعدم قدرة الرسول على أن يخط بيمينة أي أن ( يكتب )  قبل نزول القرآن  ، ولأكتفت الآية بالقول  (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ …. إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) دون ذكر للخط والكتابة، كونه لا وجود لكتاب مكتوب، ويؤكد ما ذهبنا إليه في تأولينا لهذه الآيات بصورة قاطعة، قوله تعالى في سورة البينة

(رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ (4)) البينة.

هذه الآية تؤكد كل ما قبلها من الآيات ،من أن القرآن كان يأتي رسول الله مكتوباً في الصحف، وهي نفس الصحف المطهرة المذكورة في سورتي المدثر وعبس ، جاءت هنا الآية صريحة ،في أن رسول الله يتلوا أي يقرأ صحفا مطهرة ،تتضمن ( كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) ،أي المكتوب في هذه الصحف التي يقرأها على الناس ،فكلمة (كُتب) في الآية هي الجمع من (كتابة) وتعني ذات المسطور المكتوب في هذه الصحف ، فإذا كان هذا المسطور يتكلم عن موضوع واحد مكتمل ،كان (كتاب) ،فإذا تعددت المواضيع و اختلفت ، جمعت على (كُتب) ، فهي تحمل ذات المعنى لكلمة ( كُتب ) في قوله تعالى ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) الأنبياء . فالسجل هنا هو مسمى للصحف التي يتم التسجيل أو التدوين فيها كتابةً، فيخبرنا الله أنه يوم القيامة سيطوي السماء كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتب فيها. ما يعني أن (الكُتب) في الآية السابقة تعني كما ذكرنا المكتوب المسطور في هذه الصحف.

،ثم تأتي سورة الطور فتقول لنا بكل وضوح ،أنه كتاب مسطور أي مكتوب  ،وليس مجرد كتاب للمناقلة الشفوية

( وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)  الطور 

فالكتاب المسطور في هذه الآيات هو القرآن الكريم ،حتى وإن لم يذكر صراحة ،إذا لا يعقل أنه يتكلم عن التوراة أو غيرها من الكتب السماوية ، بقرينة ان المخاطب هو نبينا الكريم، فالأولى ان القَسَمَ في الآية إن جاز أن نسميه قسَماً ،هو بكتاب القرآن الكريم  المنزل عليه . 

وهنا قد يقول قائل، إنما يقصد بآيات سورة الطور، وسورة عبس، كتاب اللوح المحفوظ عند الله في السماء، عندها يجب ان نقول لمن يقول هذا: ما دليلك اللغوي أو القرآني على هذا؟؟؟؟ وبالتأكيد سنجده يستدل على دعواه بقول الله

(بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) البروج.

وهو ما يستدل بها الغالبية، على أن اللوح المحفوظ هو في السماء، فنقول له: أين وجه الدِلالة في الآية على أن اللوح المحفوظ في الآية في السماء؟؟؟؟؟ اليس القرآن المجيد، هو القرآن الذي أمر الله نبيه أن ينذر به قومة، فعجبوا من ذلك (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2). ق؟؟؟، ثم ما دليل من يقول أن قوله (فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)) تعني في السماء، ألم تكن ألواح موسى في الأرض ؟؟؟ وكانت محفوظة من عهد موسى إلى عهد رسولنا الكريم

(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) المائدة   

فما اختلاف ألواح موسى عن ألواحنا ، وقد كتبتها الملائكة بأمر الله

(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) الأعراف ،

واللوح في اللغة يطلق على كل سطح عريض مستوي  ،من أي مادة كانت ، وقد أطلق اللسان القرآني على الكتاب الذي انزل على موسى مسمى ( الألواح ) ،وهو ما تم تسميته في آية أخرى  ( صحف موسى ) فقال  (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) النجم . فألواح موسى هي عينها صحف موسى، ما يعني أن اللوح المحفوظ في الأرض وليس في السماء، مثله مثل ألواح موسى، وما اللوح المحفوظ إلا مسمى وصفي للصحف المطهرة التي يتلوها رسولنا الكريم على المشركين في آية البينة (رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) البينة.

ولمن يستدل أيضا بما ورد في آيات سورة الواقعة:

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) الواقعة.

معتقدا أن قوله (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تعني أنه في السماء، لأنه لو كان في الأرض لمسَّة الجميع، نقول له أن كلمة (يَمَسُّهُ) في الآية لا تعني مجرد الملامسة والمتتبع لها في السياقات القرآنية في كامل المصحف الشريف، يجدها تعني التغيير في الجوهر بالتعديل والتغيير، كقوله تعالى:

  • (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) الأنعام. فالمس في الآية يعني حدوث الضر أو حدوث الخير في جوهر الانسان.
  • (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) آل عمران. والمعنى يشرح نفسه.
  • (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيّاً (20) مريم، فالمس هنا يقصد به الجماع وليس مجرد الملامسة، التي بلا شك أن كثير من أقاربها قد لمسوها.
  • (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) النور. فالمس هنا فيه تغيير لجوهر الزيت فيحترق ويتحول الى ضوء يستنار به.
  • الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) فاطر. والمس هنا يعني حدوث الاجهاد والتعب لمن مسة النصب واللغوب.

ما يعني أن المس في اللسان القرآني يعني التغيير في الجوهر  وليس مجرد الملامسة لسطح الشيء ،والذي يعبر عنه اللسان القرآني بالفعل ( لمس ) ، أما التبديل أو التغير فهو من اختصاص الملائكة المطهرون ،من يكتبون القرآن وينزلونه صحفا مكتوبة على رسولنا الكريم ،  ولا دليل لغوي في الآية ،يوجب أن يكون كتاب القرآن في السماء ، والمطهرون في الآية ،هم الملائكة الكتبة لكتاب القرآن الكريم ،المنزل من عند الله وهذا ما تقوله الآيات  المختلفة  ،في أن القرآن ينزل مكتوبا على رسولنا الكريم أولاً بأول ،وبحسب الأحداث المتلاحقة.

وأما من يستدل بقوله تعالى:

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) الأنعام.

على أن الله لم ينزل كتاب ملموس بل شفاهية، على اعتبار أن ما بعد ( لو ) يفترض فيه امتناع حدوثه  ،  نقول له لقد أخطأت في فهمك للسياق اللغوي للآية، فالآية تتكلم عن افتراض حدوث ( المعاينة ) أي أن يكون التنزيل بحضورهم ،حتى أنهم يستطيعون لمس الكتاب المنزل ، وليس في كل الأحوال  ،وهذا لم يحدث طبعا ، والدليل على أن القصد هو المعاينة ،وليس مجرد التنزيل على الرسول ،هو  اختتام الآية بقوله (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) فأين السحر في أن يعطيهم كتاب في قرطاس إن لم يحدث الأمر أمام أعينهم ، بل الأولى عندئذ أن يقولوا هذا كذب أو افتراء وليس سحر ، وإنما السحر فيما يحدث أمامهم ، من نزول القرآن الكريم من السماء أمام أعينهم حتى يلمسوه بأيديهم ، والآية هي رداً على ما ورد نصه في سورة الإسراء من اشتراطات عليه ،ليؤمنوا بما جاء به في قول الله على لسانهم  (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93) الإسراء  وهم يقصدون أن يحدث هذا أمام أعينهم ، فيشهدون ما يحدث معاينة وليس سماعا   .

بعد كل هذه الآيات، التي يقول لنا ظاهرها على الأقل، أن ما كان ينزل على رسولنا الكريم، ويقرأه على الناس في مكة والمدينة، هو صحف مكتوبة وليس شيء آخر، بعد كل هذا، يفترض على من يقول غير ذلك، أن يأتي بدليلة القرآني أو اللغوي ،على خطأ ما طرحناه، فالقرآن الكريم يبقى هو المصدر اليقيني الوحيد، وكل ما أوردناه في طرحنا هي أدلة قرآنية، وعلى من يقول بغير قولنا هذا، إما أن يبين لنا سوء فهمنا اللغوي للآيات التي أوردناها، أو أن يأتي بآيات أكثر قطعية في دلالتها ،ليبين خطأ ما ذهبنا إليه في الطرح السابق .

ثالثاً: الأدلة على نزول القرآن مكتوباً من خلال الدلالة اللغوية للمسميات الواردة تصف ما  أنزل على رسولنا الكريم :

يقول الله عز وجل (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر. ومما لا شك فيه ،أن أهم سبل التيسير لفهم القرآن الكريم ،هو نزوله باللسان العربي ، والذي  يعتبر اللغة الأم لكل من يعيش في وطننا العربي الكبير ،قال تعالى:

  (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)الشعراء 

قال تعالى ( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)  فصلت  ما يعني ،أن أول ما نعود إليه كي نفهم القرآن الكريم ، هو  اللغة العربية.

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) فصلت.

كما أن القرآن الكريم، يمثل أول معاجم اللغة العربية التي يجب العودة اليها، لفهم معاني الكلمات المختلفة، وذلك من خلال تتبع الكلمة الواحدة، في السياقات المختلفة، في كامل القرآن الكريم، لمعرفة معناها.

مما سبق ،ولأجل فهم أعمق للقرآن الكريم ،نعود إلى اللغة العربية واللسان القرآني تحديدا، لمعرفة بعض المصطلحات التي وردت كثيرا في القرآن ، والتي ربما تكون معروفة لدى الكثير منا، لكننا لأسباب مختلفة ،نتغافل عنها رغم معرفتنا بها ، وربما يكون قد غاب عنا بعض تفاصيلها ، لذلك نجدد دعوتنا للقارئ ،الى التعمق معنا قليلاً في فهمها ،لأجل الوصول الى المعرفة الصحيحة لمعناها ،من خلال جعل اللغة العربية التي نزل بها القرآن (اللسان القرآني)  هو المعيار لفهمها ،وليس المفاهيم الموروثة دون دليل على صحتها ،سوى نسبتها الى أسلافنا الصالحين.

إن من أهم المصطلحات التي وردت في تسمية ما نزل على رسولنا الكريم، مصطلحات (الكتاب) و (الصحف) و (القرآن)، والتي وردت في آيات كثيرة جداً، وعليه فسنخصص هذا الفصل، للتعمق أكثر في فهم هذه المصطلحات، لنعرف ما معنى الكتاب وما معنى الصحف وما معنى القرآن:

(الكتاب والصحف و القرآن) والفرق بين كل منهم:

أولا ًالكتاب:

مصطلح الكتاب، هو مصطلح شائع ،ومعروف ،سواء في حاضرنا اليوم ،أو في الماضي البعيد ،  ولسنا بحاجة الى العودة إلى قواميس اللغة ،لنعرف أن  كلمة  ( كتاب ) مصدر من مصادر الفعل كتب ،بل هو المصدر المعتمد في اللسان القرآني ،حيث لا نجده يستخدم المصدر المعتاد عند  أصحاب اللغة وهو ( كتابه ) على الإطلاق ،بل يستخدم ( كتاب )  بلفظة المذكر للدلالة على الكتابة، كما أن كلمة ( كتاب )  في العربية المتداولة قديما وحديثا ، هي مسمى لما كُتِب فيه من الورق أو الجلد الرقيق ،أو غيره مما خصص للكتابة فيه بغرض التدوين أو المراسلة ، وهنا يجب أن  ننبه إلى شيء قد  يراه القارئ بسيطاً ،لكنه مهم جدا ،وهو  أن اللسان القرآني يختلف قليلاً في استخدامه لمسمى ( الكتاب ) ،وبما يخالف قليلا التعريف أعلاه ، فهو في تسميته للكتاب أنما يسميه نسبة إلى الكتابة نفسها لا إلى الورق ،معتبراً أن ما كتب فيه من ورق أو غيره تابعاً يفهم بالبداهة، و قد يذكر منفصلاً إن كان هناك ضرورة لذكرة كما سنرى لاحقا  ، فحين يقول القرآن الكريم  ( الكتاب أو كتاب )  ،فهو يقصد به ذات المكتوب أي المخطوط  في ورق أو غيره ، وهو ما يخالف ما ذكرناه من تعريف في البداية ،من أطلاق مسمى الكتاب ( لما كُتِب فيه من الورق أو الجلد الرقيق أو غيره ) .  وهنا قد يتساءل القارئ قائلا: وما المانع في أن نشير الى الورق التي تحتوي على المكتوب فنسميها كتابا؟؟؟

نقول له هذا فعلا ما نفعله اليوم، لكنه مخالف للسان القرآني، فاللسان القرآني، حينما يشير الى الورق أو الرقائق التي تحتوي على المكتوب أو المخطوط المسطور فيها، لا يسميها كتاباً بل يسميها صحفاً، وهو ما سنأتي إليه لا حقا حين نتكلم عن الصحف. 

وقد ورد   لفظ  (كِتَاب) في القرآن الكريم   ( 255 ) مرة  منها ( 176 ) مرة معرفا بـ ( ال ) التعريف  ، و( كِتَاب ) في اللغة العربية  ،هو من الفعل ( كَتَبَ ) والذي يعني :  الخط بالقلم أو بغيره على الورق أو الرقائق الجلدية  ،لسطر الكلمات والجمل ،المعبرة عن المعاني و الأفكار ،بهدف التدوين أو المراسلة أو غيرها ، وقد يطلق  مسمى ( الكتاب ) ،على ما سطر من كتابة، لموضوع معين ،أو فكرة معينة ،أو رسالة معينة ،وإن لم يتجاوز المسطور  الورقة الواحدة ،كما في قصة سليمان عليه السلام

(اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) النمل.

ولنا أن نلاحظ، أن مسمى الكتاب في الآية قد  أطلق على ذات المكتوب المسطور على الرق ، فقالت ملكة سبأ ،مشيرة إلى الكتاب بضمير الغائب في قولها  ( أنه ) أي الكتاب من سليمان و ( أنه )  أي الكتاب ثم أوردت نص المخطوط المسطور في الرق 

(إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) النمل.

إذن لو كان يقصد بالكتاب ما نقصده اليوم وهو ( الورق المتضمن للمكتوب  ) للزم استخدام حرف الجر ( في ) فتقول  ( وأن فيه ) للتعبير عن محتواه ، والتي يستخدمها اللسان القرآني عند كلامة عن محتوى الصحف أو الألواح دائما، كما في قوله (أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) الأعراف أو في قوله ( (رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) البينة  ، ولكن ،ولكون المقصود بمسمى الكتاب ،عين المخطوط المسطور  في الرق ،  فقد أورد اللسان القرآني ،ذات النص الكتابي المخطوط مباشرة ،دون استخدام لحرف الجر ( في )  للتعبير عن ما يتضمنه الرق المرسل.

كما أن مسمى (الكتاب)، يطلق أيضاً، على المكتوب المسطور في المئات من الورق أو الرقائق، التي يعبر بها عن موضوع أو مواضيع معينه، جمعت كمجموعة واحدة، ولنا أن نتأمل في قوله تعالى ((وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3)) الطور.  ولنا أن نلاحظ كيف أن اللسان القرآني، قد فَصَلَ في الآية ،بين الكتابة وبين الرق المنشور الذي كتب فيه المكتوب، فأوضح أن الكتاب هو مسمى لذات المكتوب المسطور في  الرق،كما يوضح لنا اللسان القرآني  في آية أخرى ،أن سطر السطور في الكتب يكون بالقلم، فقال (( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) القلم   ، فما لم يكتب مسطوراً على الورق ،لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسميه كتابا، وهو ما يعني أن لفظ كتاب حينما يرد في القرآن الكريم ، لا يمكن الا أن يكون مسمى لمكتوب مخطوط على الورق  ،وليس على المنقول شفاهية دون كتابة ً.

وبعد هذا التعريف اللغوي لمسمى (الكتاب)، فلننظر إلى بعض الآيات التي وردت في القرآن بهذا اللفظ، لنتدبر وننظر في سياقاتها المختلفة، لنرى بتجردٍ إلى لفظ (الكتاب) فيها، وكيف أنه يدل دلالة قطعية، على  نزول الكتاب مخطوطاً  في الرقوق والصحف ،على رسولنا الكريم ما في ذلك شك   :

  • الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنجيل (3) آل عمران
  • هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران
  •  إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً (105) النساء
  • وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) النساء
  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) النساء. ويقصد بالكتاب الذي أنزل من قبل التوراة وقد بينا سابقاً أنه نزل مكتوباً أيضاً، ونجد في كثير من الآيات كثيراً ما يذكر التوراة بذكر القرآن الكريم.
  • (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) النساء.
  • (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ ،،،،،،،،،، (44) ،،،،،،،،،،،، وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ،،،،،،،، (48) المائدة.
  • (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) الأنعام.
  • (وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ (114) الأنعام.
  • (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) الأنعام.
  • (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) النحل.
  • (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) النحل.
  • (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10) الأنبياء.
  • (وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ (86) القصص استخدام الفعل يلقى كما في قوله تعالى (قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) النمل.
  • (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاء مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت.
  • (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) العنكبوت.
  • (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (29) ص.
  • (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) الزمر.
  • (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) الزمر.
  • (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) فصلت.
  • (حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) الدخان.
  • (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) الاحقاف.

بعد كل هذه الآيات، القطعية والصريحة، في إنزال الكتاب بلفظ (الكتاب)، اللفظ الذي أوضحنا سابقاً،  أنه لا يطلق إلا على الوجود المادي لما هو مكتوب على الرقائق والصحف، كيف بعد كل هذه الأدلة ،أن يأتي من يقول، إن القرآن الكريم لم ينزل على رسولنا الكريم  مكتوبا، بل أوحي اليه شفاهية لا أكثر؟؟؟؟؟؟

نتابع في الجزء الثاني.

 

 

[1] مصادر الشعر الجاهلي ص 35-36 دار الجيل بيروت

[2] مصادر الشعر الجاهلي ص 38 دار الجيل بيروت

[3] مصادر الشعر الجاهلي ص 40 دار الجيل بيروت

[4] راجع الجزء الأول من هذا الكتاب ( حجية السنة والإجماع بميزان القرآن والعقل ) – الرد على ركيزة التواتر صــ 92

الأستاذ محمد المقبلي

الأستاذ محمد المقبلي، مفكر وباحث مرموق متخصص في الدراسات القرءانية. يتميز بغزارة إنتاجه العلمي والفكري، حيث أثرى المكتبة البحثية بالعديد من المقالات والأوراق البحثية التي تتناول موضوعات متعددة في مجال الدراسات القرءانية. يُعرف بتحليلاته العميقة ورؤاه المبتكرة التي تسهم في تعزيز الفهم الأكاديمي للنصوص القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى