مقالات

مفهوم الحمد في القرآن الكريم

 

مبحث في مفهوم الحمد في القرآن الكريم

 مدخل:

كلمة حمد ومشتقاتها في القرآن الكريم من الكلمات التي تم حرف  معناها تماما في المعاجم والتفاسير وبالتالي ضاع المعنى الدلالي لها والهداية التي تكمن داخل هذه الدلالة ووقع الناس في الشرك الذي تحذر منه الدلالة في آية (الحمدلله رب العالمين) وكمدخل لهذا البحث سنبدأ بمعنى الكلمة الخاطئ الوارد في مشاهير المعاجم والذي يدور حول الثناء وخلاف الذم.

معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم للراغب الأصفهاني:

الحَمْدُ لله تعالى: الثناء عليه بالفضيلة، وهو أخصّ من المدح وأعمّ من الشكر

معجم الصحاح للجوهري: الحمد: نقيض الذم. تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا ومحمدة، فهو حميد ومحمود ، والتمحيد أبلغ من الحمد ، والحمد أعم من الشكر. والمحمد: الذى كثرت خصاله المحمودة

لسان العرب لإبن منظور: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ

مقاييس اللغة للإبن فارس: حَمِدَ: الْحَاءُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الذَّمِّ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا أَحْمَدُهُ. وَرَجُلٌ مَحْمُودٌ وَمُحَمَّدٌ، إِذَا كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْمَحْمُودَةُ غَيْرُ الْمَذْمُومَةِ.

المعجم الاشتقاقي لمحمد حسن جبل:

هذا المعجم رغما ً عنه أنه معجم حديث (1436 ه / 2015 م) ولكنه إقترب جدا من معنى كلمة حمد، بل أصابه في بعض أوجهه ولكنه لم يتمكن من تجريد المعنى ليكون قابلا للتطبيق على كل مشتقات كلمة (حمد) في القرآن الكريم

يقال: أَحْمَدْتُ موضعًا أو أرْضًا: رَضِيتُ سكناه أو مرعاه. ويقال طعام ليست عنده مَحْمِدَة -كمنزلة. أي لا يُحْمَد. [وفي تاج]: الرِعَاء يتحامدون الكلأ. فسره في المعجم الكبير بـ “يرتضونه ”

المعنى المحوري: غِنَى باطن البَدَن بما يناسبه من غذاء يَقُوته ويقويه وينميه: كالمنتجَع، وهو موضع الكلأ، فإن كونه حَمْدًا يعني أنه كثير الكلأ مُشبع يُستقَرّ فيه. وفي ضوء هذا يُفهم أن الطعامَ الذي ليست عنده مَحْمِدَة هو الذي لا يُغَذِّى ولا يَنْجَعُ في آكله أي لا يَقُوته ولا يُنَمِّيه. فيكون الذي عنده محمدة هو الذي يَغْذُو وَينجع ويُقَوِّى. والرعاء الذين يَتَحامدون الكلأ، أي يرتضونه، إنما يتوخون أو يدل بعضهم بعضا عليه من حيث كونُه حمدًا، أي عنده مَحمِدة، أي له نجوع في الماشية التي يرعونها

فأصل الحَمد، بإيجاز هو الإشباع والتجوع وما يلزمه من قوة، ويتوسع في لازمه فيكون: الإعطاء والإنعام والإفضال.

التعبير بالحمْد ينبغي أن يُسْتَشْعَر أنه يحمل شيئًا من معنى الإنعام المُقيت المُقيم، وكذا القوة والتمكين اللازمين عن الشبع والنجوع، وكذا معنى العظم اللازم عن الشبع والنجوع أيضًا، أخذًا من كون الطعام ذي المحمِدة هو الذي ينجع أي يغذي ويقوي.(إنتهى).

و لنصل الى دلالة الحمد سنقوم بتحليل كلمة حمد من جوانب مختلفة ، بعيداً عن دلالتها المشهورة في المعاجم، وذلك بإستخدام مدارس مختلفة للوصول للمعنى،  أولها مدرسة بن جني التي تقول أن إشتراك كلمات في حرفين يقود الى إشتراك في بعض الدلالة، وثانيها مدرسة دلالة الحرف الهجائي مع مقارنة المشترك في الميزان الصرفي الذي يقود الى اشتراك في بعض الدلالة ثم دراسة التشكيل على الكلمة في كل إشتقاق والذي يعطينا إتجاه المعنى كما قلنا في مسودة (المنهج الدلالي).

 ،المبحث:

المشترك في حرفين مع كلمة (حمد)، حرفي (حم) و (مد):

سنقوم بحصر معاني الكلمات المشتركة في حرفي (حم) و حرفي (مد) من معاجم مختلفة ثم إدخال هذه المعاني في الذكاء الاصطناعي ليستخرج لنا الدلالة المشتركة لحرفي (حم) و (مد):

الكلمات المشتركة مع حمد في حرفي الحاء والميم هي: حمي ، حمض ، حمل ، حمم ، حمر ، حمق ، حمش وحمط.

حمى: شدة الحرارة ، و وحَمَى الشيءَ حَمْياً وحِمىً وحِماية ومَحْمِيَة: منعه ودفع عنه.

الحَمْضُ: ما مَلُحَ وأمَرَّ من النباتِ (اي الطعم االلاذع القوي). حمل: الحاء والميم واللام أصلٌ واحدٌ يدلُّ على إقلال الشيء

حم: قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ قَضَى مَا هُوَ كَائِنٌ~ يقال أيضاً: حَمَّ الماءُ، اذا صيره حارا

﴿ولا صديق حميمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١ ]. هو القريب المشفق، وذلك لأنه يحتد حماية لأقاربه، وأصل ذلك من الماء الحميم.

حُمَّ الأمْرُ، بالضم،حمَّاً: قُضِىَ. (حُمَّ) الْحَاءُ وَالْمِيمُ فِيهِ تَفَاوُتٌ ؛ لِأَنَّهُ مُتَشَعِّبُ الْأَبْوَابِ جِدًّا. فَأَحَدُ أُصُولِهِ اسْوِدَادٌ، وَالْآخَرُ الْحَرَارَةُ، وَالثَّالِثُ الدُّنُوُّ وَالْحُضُورُ، وَالرَّابِعُ جِنْسٌ مِنَ الصَّوْتِ، وَالْخَامِسُ الْقَصْدُ

حمر: حمراء الظهيرة: شدتها، حَمَرْتُ الجلد: قشرته وحلقته

حمق: الحُمْقُ والحُمُقُ: قِلَّةُ العقل ~حمق: الحُمْقُ: ضِدُّ العَقْل ، (حَمِقَ) الْحَاءُ وَالْمِيمُ وَالْقَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى كَسَادِ الشَّيْءِ

حمش: رجلٌ أَحْمَشُ الساقين: دقيقهما ، وأحمشت القِدْرَ: أشبعتُ وَقودَها. وأَحْمَشْتُ الرجلَ أيضاً: أغضبْتُه ~حمش: حَمَشَ الشيءَ:جَمَعَه. والحَمْش والحُمُوشة والحَماشة: الدِّقَّة ~ (حَمَشَ) الْحَاءُ وَالْمِيمُ وَالشِّينُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْتِهَابُ الشَّيْءِ وَهَيْجُهُ، وَالثَّانِي الدِّقَّةُ

حمط: حَمَطَه يَحْمِطُه: قَشَرَه

خلاصة الدلالات الرئيسية للحرفين (حم):

المشترك بينها قوة وشدة في حرارة او في طعم او قوة لاقلال شئ.

يمكن القول إن المعنى الجذري الذي تتفرع منه معظم المعاني هو: الشدة، والقوة، والاحتواء (المنع أو الإقلال)

 المشترك في الحرفين مد:

جمد، خمد، كمد، مدّ، عمد، صمد، غمد و ثمد

جمد: الجيم والميم والدال أصلٌ واحد، وهو جُمُود الشيء المائع من بردٍ أو غيره

الخمد: الخاء والميم والدال أصلٌ واحد، يدلُّ على سكونِ الحركة والسُّقوط. خَمَدَتِ النارُ خُموداً، إذا سكَنَ لَهبُها. الحُمَّى إذا سكَنَ وهَجُها. ويقال للمُغْمَى عليه: خَمَدَ  ~ الكَمَدُ: الحزن المكتوم .

المَدُّ (القاموس المحيط) : السَّيْلُ، وارْتفاعُ النَّهارِ

المد: (مقاييس اللغة) الميم والدال أصلٌ واحدٌ يدلُّ على جَرِّ شيءٍ في طول، واتّصال شيء بشيء في استطالة

عمد: العَمْدُ: قصد الشيء والاستناد إليه ، والعمد شئ شديد يمتد في أثناء الشيء فينتَصِب به الشيء (أي يقوم أو يتماسك).,

العمد: الِاسْتِقَامَةُ فِي الشَّيْءِ، مُنْتَصِبًا أَوْ مُمْتَدًّا، وَكَذَلِكَ فِي الرَّأْيِ وَإِرَادَةِ الشَّيْءِ.

ثمد: قلة الماء الخارج لشدة احتباسه في مجتمعه . (ثَمْدٌ) الثَّاءُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ

الثَمَدُ والثَمْدُ: الماء القليل الذى لا مادة له

صمد: (صَمَدَ) الصَّادُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَصْدُ، وَالْآخَرُ الصَّلَابَةُ فِي الشَّيْءِ ~ صمد: صَمَدَه يَصْمِدُه صَمْداً وصَمَد إِليه كِلَاهُمَا: قَصَدَه. والصمد: ارتفاع مقارب مع غِلَظ ومع اكْتناز الأثناء أي إصماتها

غمد: (غَمَدَ) الْغَيْنُ وَالْمِيمُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ، يَدُلُّ عَلَى تَغْطِيَةٍ وَسَتْرٍ . و الغِمْدُ، بالكسر: جَفْنُ السَّيْفِ

تَغَمَّدَه اللهُ بِرَحْمَتِه: غَمَرَه بها

المعنى المشترك لحرفي (مد):

يشير إلى حالة الوجود النهائية للشيء، سواء كانت هذه الحالة هي الامتداد المطلق أو التوقف والتماسك الكامل

عند اضافة معنى (حم) مع معنى (مد) سنصل الى معنى كلمة (حمد) وفقا للدلالات المشتركة مع بقية الكلمات وعليه:

من المشترك الأول (حم): قوة وشدة في حرارة او الدفاع او في طعم او لاقلال شئ.

ومن المشترك الثاني (مد): حالة الوجود النهائية للشيء، سواء كانت هذه الحالة هي الامتداد المطلق أو التوقف والتماسك الكامل

من المشتركين أعلاه تكون دلالة كلمة (حمد) هي:

الحمد هو القوة أو الصفة التي تتصف بالشدة والحتمية، وتتميز بالثبات والامتداد مع التماسك وعدم الزوال.

هذه هي دلالة كلمة (حمد) وفقا لمعاني الكلمات المشتركة، واذا اضفنا اليها دلالة الحروف فالحاء حرف يدل على حرارة نتاج قوة أو طاقة والميم حرف يدل على لم وتجمع والدال حرف يدل على دفع واندفاع، وعليه يمكن نضع تعريفاً مجرداً لكلمة الحمد:

الحمد هو الطاقة الكامنة في الاشياء والدافعة لتحقق الأفعال وامتدادها وتماسكها وعدم زوالها.

وسيكون هذا المعنى غريباً على القارئ لأن ما رسخ في الذاكرة  الجمعية هو أن الحمد مرادف للشكر ومخالف للذم ولكن هذا ما وصلنا إليه عن طريق الأدوات المعرفية أعلاه من دون أي إنحياز لدلالة مسبقة، ونلاحظ أن هذا المعنى يتوافق مع ماوصل إليه صاحب المعجم الاشتقاقي (محمد حسن جبل) ولكنه قد حصر الدلالة على الطاقة الكامنة في الطعام وعلى الطاقة الكامنة في الزرع  ، للكلأ وللأنعام .حيث قال:(الحمد هو غِنَى باطن البَدَن بما يناسبه من غذاء يَقُوته ويقويه وينميه: كالمنتجَع، وهو موضع الكلأ، فإن كونه حَمْدًا يعني أنه كثير الكلأ مُشبع يُستقَرّ فيه. وفي ضوء هذا يُفهم أن الطعامَ الذي ليست عنده مَحْمِدَة هو الذي لا يُغَذِّى ولا يَنْجَعُ في آكله أي لا يَقُوته ولا يُنَمِّيه) ووفقاً للمعنى المجرد الذي وصلنا إليه فإن باطن البدن غني بالطاقة الكامنة التي تجعله يكون مغذيا ويعطي قوة تدفع لتحقق الأفعال.

وعليه فإن أي جزئية في هذا الكون لها حمدها الخاص بها (طاقتها الكامنة) والتي حين يتم تحريكها تتحول الى قوة دافعة تحقق النتائج  المترتبة على تفعيل وتحريك تلك الطاقة..

أمثلة لتقريب معنى الحمد:

 الحمد في المادة أو حمد الذرة: هو الطاقة الكامنة في نواة الذرة والتي تربط مكونات النواة (البروتونات والنيوترونات) معًا والتي ينتج عن تفجيرها قوة دافعة تدميرية.

الحمد في المجتمعات (حمد الثورة):   هو الغضب المتراكم نتاج للظلم ويحتاج الى شرارة تؤدي الى ثورة ممتدة تعمل على تغيير النظام .

الحمد الايجابي للافراد: قدرة الفرد الذاتية مع رغبته في تغيير واقعه  فيقوم بزيادة معارفه وعلمه، كل هذا يتحول الى قوة كامنة دافعة لتحقق التغيير الايجابي للفرد.

وبهذه الدلالة المجردة لكلمة (حمد) سندخل الى آيات القرآن الكريم التي وردت فيها كلمة حمد بمشتقاتها المختلفة لنحاول أن نفهم دلالة السياق وفقا للمعنى الذي وصلنا له.

الحمد في القرآن الكريم:

الحمد في القرآن الكريم كلمة تدل على أن الله تعالى أوجد في كل جزئيات هذا الكون المادية والمعنوية، أوجد بداخلها قوة كامنة لها قوانينها التي يمكن للخليفة أن يكتشفها ويفعلها ويحولها الى قوة دافعة في كل المجالات التي يعمل فيها كل فرد أو مجتمع. وبذلك نفهم آية الحمد لله رب العالمين أنها إقرار إيجابي بأن كل الطاقة الكامنة والدافعة في هذا الكون لله خالق قوانين الأمر والتحكم، ورب العالمين خالق قوانين المادة.

كلمة حمد بإشتقاقاتها المختلفة وردت في القرآن الكريم 68 مرة:

وردت مرتين اسمًا مشتقًا من الثلاثي المجرد حمد كإسم فاعل (الحامدون) وإسم مفعول (محمودا)

{ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ﴿١١٢﴾} سورة التوبة 112

 {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا 79} سورة الاسراء 79

كما وردت 5 مرات إسم علم بصيغة محمد وأحمد: {{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ۝ }} 144 ال عمران

وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) سورة الصف الاية6

ووردت مرة واحدة في صيغة فعل مضارع:

{{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) 

ووردت 17 مرة على وزن فعيل بصيغة حميد مثل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ..

ووردت 43 مرة بصيغة حمد:

نلاحظ   منها الآتي:

  • أن الحمد في بعض الآيات ينسب الى الله : 

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) } سورة الانعام.

  • وفي بعض الآيات ينسب الحمد الى الله رب العالمين:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {2} }سورة الفاتحة

  • وفي بعض الآيات يكون الفعل (بحمد الرب):

{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ {98} } سورة الحجر98

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} البقرة 30

  • ومرات اخرى بصيغة (له الحمد):

﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾. القصص 70

{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)} التغابن 1

وفقا لتعريفنا السابق للحمد انطلاقا من دلالة الكلمة وهو القوة الكامنة في الاشياء والدافعة لتحقق الأفعال، هذا التعريف عام لكلمة الحمد، ودلالته في القرآن الكريم لاتخرج عن هذا المعنى ولكن خصوصية المعنى في القرآن الكريم تدور حول أربع مستويات:

  • الحمد المحدود الذي يقوم به الأفراد ويرجعونه الى أنفسهم.
  • الحمد الذي يقوم به الافراد ولكن يرجعونه لله تعالى.
  • الحمد الذي مالكه الله تعالى.
  • الحمد الذي تقوم به المخلوقات بدعم من الله تعالى.

الحمد الذي يقوم به الأفراد ويرجعونه الى أنفسهم:

عندما يقوم بالحمد الافراد فإنهم يستكشفون تفاصيل الشئ الذي يريدون تفعيله ويعرفون قوانينه الداخلية التي تتحكم فيه ثم يقوموا بتفعيل هذه القوانين وعليه يكون ما قاموا به هو تفعيل حمد الشئ، وأي تفصيلة في هذا الوجود لها حمدها، أي قوانينها الكامنة داخلها والتي تحكم تفعيلها وهنا الحمد باعتبار انه القوة الكامنة في الاشياء ومن يقوم بتفعيلها لايلزم أنه مؤمن بالله مما يعني أنه متاح لكل الناس. مثل الذين يحمدون طاقة الذرة والذين يحمدون الأراضي الزراعية ليزيدوا إنتاجيتها.

مثلا أن تحمد مزرعتك، هو أن تقوم بتفعيل كل قوانينها الداخلية لتنتج لك المحصول الذي تريده بالجودة المثلى.

الحمد الذي يقوم به الأفراد ويرجعونه الى الله تعالى:

قلنا أن كل تفصيلة في الكون بها قدرتها الكامنة التي قابلة للإكتشاف والتفعيل لتحقق الغاية من خلقها، والانسان خلال تفاعله مع الكون يمكن أن يقوم بتفعيل قوة أي جزئية كامنة ولكن يمكن أن يتعامل بما قام به بآلية بمعنى أنها خطوات قام بها لتحقق نتيجة مسبقة يعرفها، وهنالك شخص آخر يظن أن ما قام به هو من ابداع مديره وانه هو المتحكم في الخطوات والنتائج، الشرك بالله يكون عندما تظن أنك أنت من أوجدت هذه القوانين وليس من قمت بتفعيلها، أو تظن أن المهندس الزراعي الذي أعطاك الوصفة كاملة هو من يتحكم فيها وحينها تعتبر الحمد له بدلاً من أن ترجعه لله رب العالمين. أوكما قال قارون عن ثروته:

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ

القصص 78

وهناك من يرجع كل معرفة قوانين مايقوم به وتفعيل خطواتها يرجعه الى الله تعالى كمصدرية أي أن الحمد مصدره الله تعالى وأيضا يرجع ماقام به الى الله تعالى تقربا له وهنا يكون (الحمد لله)، واللام تفيد أن الملكية لله بالاضافة الى انها تفيد إرجاع ماقام به الى الله تعالى يعني (الحمد منه واليه) وكما قال تعالى:

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ

الانعام 162/163

الحمد الذي ملكيته لله تعالى والذي يكون بصيغة له:

﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]

لاحظ له الحمد وله الحكم تدل على أنه هو الموجد لهما وهذا السياق ينفي نفيا قاطعا أن الحمد تعني الثناء.

﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِیࣰّا وَحِینَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم ١٨]

﴿یُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾ [التغابن ١]

﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی لَهُۥ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِیمُ ٱلۡخَبِیرُ﴾ [سبأ ١]

صيغة له الحمد تقود الى أن كليات وجزئيات وكل مكونات الكون فيها حمد الله، أي كل قوتها الكامنة التي يمكن تفعيلها وفقا لقوانينها وملكيتها كاملة له، يعني أنه لا توجد ذرة في السموات ولا في الأرض إلا وقوانين وجودها له هو.

كما يقول في الآيات التالية:

﴿وَمَا تَكُونُ فِی شَأۡنࣲ وَمَا تَتۡلُوا۟ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانࣲ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَیۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِیضُونَ فِیهِۚ وَمَا یَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِی ٱلسَّمَاۤءِ وَلَاۤ أَصۡغَرَ مِن ذَ ٰ⁠لِكَ وَلَاۤ أَكۡبَرَ إِلَّا فِی كِتَـٰبࣲ مُّبِینٍ﴾ [يونس ٦١]

﴿وَهُوَ ٱلَّذِی فِی ٱلسَّمَاۤءِ إِلَـٰهࣱ وَفِی ٱلۡأَرۡضِ إِلَـٰهࣱۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِیمُ ٱلۡعَلِیمُ﴾ [الزخرف ٨٤]

الحمد الذي تقوم به المخلوقات بدعم من الله تعالى:

ما دام ملكية كل القوى الكامنة في الأشياء له تعالى، يقود الى أن أي مخلوق إذا أراد أن يتحرك وفقا للدعم الكامل من الله تعالى فإن خير وسيلة لحركته (تسبيحه) هي أن تكون بقوانين الأشياء التي يملكها فبالتالي تكون حركته منضبطة مع منظومة الخلق الكاملة فيكون تسبيحه بحمد الله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ {12} وَیُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ مِنۡ خِیفَتِهِۦ وَیُرۡسِلُ ٱلصَّوَ ٰ⁠عِقَ فَیُصِیبُ بِهَا مَن یَشَاۤءُ وَهُمۡ یُجَـٰدِلُونَ فِی ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِیدُ ٱلۡمِحَالِ﴾ [الرعد 12/13

عندما ظننا أن الرعد يقول (سبحان الله وبحمده)، إقتطعنا (الرعد) من السياق العام والذي أظن جازما أن السياق يبين مراحل تكوُّن الصواعق والتي  تبدأ بالبرق الذي ينشئ السحاب الثقال فيتحرك الرعد وفقا لقوانين الحمد (القوة الكامنة في السحاب الثقال والتي تدفع الصواعق فيصيب بها من يشاء، والمشيئة هنا لها علاقة بمن أصابته الصاعقة فمشيئة الاصابة هي توفر شروطها).

﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهِنَّۚ وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَـٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِیمًا غَفُورࣰا﴾ [الإسراء ٤٤]

وإن من شئ إلا يسبح بحمده توضح كما قلنا سابقا أن كل شئ في هذا الكون يتحرك وفقا للقوانين الكامنة فيه والتي تقود الى اندفاعه عند تفعيلها أي تسبح بحمد الله.

﴿ وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا*  قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا* یَوۡمَ یَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِیبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا﴾ [الإسراء49/51]

وفقا لسياق الآيات والتي تبدأ بالتساؤل عن أمكانية البعث يوضح الله تعالى بأن قوانين البعث مبرمجة مسبقا ولها حمدها الخاص  والذى هو من حمد ربها (أي قوتها الكامنة التي تحتاج الى تفعيلها ليبدأ الاندفاع والبعث) فالإستجابة تتم وفقا لقوة دافعة تتفعل عند الدعوة

{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52)} الاسراء 52

 الحميد:

كلمة حميد تدل على أن الموصوف يتصف بصفة الحمد بشكل ثابت ودائم وهي صفة داخلية فيه وأنه يقوم بفعلها. وقلنا أن الحمد هو القوة الكامنة في الاشياء والتي تندفع حين تفعيلها، وعليه فإن الحميد هو الذي يمتلك حمد الأشياء ويمتلك مقدرة تفعيلها.

فمثلا عندما ترتبط بالإنفاق والغنى فإنها تدل على أن الله تعالى هو من يمتلك قوانينه وهو من له القدرة على تفعيلها:

﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَیِّبَـٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّاۤ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَیَمَّمُوا۟ ٱلۡخَبِیثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِیهِ إِلَّاۤ أَن تُغۡمِضُوا۟ فِیهِۚ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِیٌّ حَمِیدٌ﴾ [البقرة ٢٦٧]

وعندما ترتبط بوهبه المولود فتدل على ان القوانين الكامنة والكاملة للخلق هو من يملكها وهو من يفعلها:

﴿قَالُوۤا۟ أَتَعۡجَبِینَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَـٰتُهُۥ عَلَیۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِیدࣱ مَّجِیدࣱ﴾ [هود ٧٣]

وعندما ترتبط بالكتاب فتدل على أن الكتاب يقود من اتبعه الى أن يكون على طريق من يملك قوة كل شئ ومن يملك تفعيلها وأنه سيعطيك هذه القدرة:

﴿الۤرۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ﴾ [إبراهيم ١]

وهكذا في كل الايات ال 17 التي ذكرت فيها كلمة الحمد بصيغة حميد.

 مقولة الحمدلله:

من دلالة الحمد أعلاه بأنه القوى الكامنة في الأشياء، فإنك عندما تحمد الشئ يعني أنك قمت بتفعيل كل امكانياته لتحقق به ما تريد ولتمنع نفسك عن الشرك تنسب فعلك الذي فعلته أو حمدك الذي حمدته الى مصدريته وهو الله رب العالمين، حينها نلاحظ أن مقولة الحمدلله التي نقولها في التسبيحات بعد الصلوات لا معنى لها مالم نقلها لنقر أن كل القوى الكامنة في الاشياء مصدريتها الله تعالى وتكون لنا دافعا لأن نتحرك لنقوم بتفعيلها، أي أن الحمدلله (نية وعمل) وحينها نكون قد سبحنا بحمد الحي الذي لايموت كما قال:

﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَیِّ ٱلَّذِی لَا یَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِیرًا﴾ [الفرقان ٥٨]

أحْمَد ومُحَمَّد:

كلمة أحمد المذكورة في آية:

﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾الصف 6

يمكن أن نقرأها وفقا لمنظورين، كل منظور له دلالة مختلفة ولكن الدلالتان تشملان معنى الحمد الذي وصلنا له، المنظور الأول إذا  إعتبرناها صفة فإنها تكون على وزن (أفعل) أي أن الرسول الذي بشر به عيسى عليه السلام بني إسرائيل صفته أنه أكثر حمدا من غيره،  وتكون سمة يمتاز بها عند أي مقارنة مع الغير فهو أحمد أي أن القوى الكامنة داخله من كل شئ تكون قابلة للتفعيل بصورة أكبر وأقوى من غيره من  النبيين.

أما المنظور الثاني فإنه إذا إعتبرنا أن أحمد في الآية فعل متعدي الى مفعول به من الفعل حمد، وذلك لإضافة الألف المهموز قبل الفعل حينها يتحول الفعل الى أحمد ويتعدى الى مفعول به يتم عليه فعل الحمد، فتكون حينها سمة الرسول أنه ينقل خاصية الحمد الى غيره ويكون الرسول هو أحمد لكل من يتبعه أي يجعل كل الذين معه لهم المقدرة على تفعيل القوى الكامنة في العلم وفي المادة وفي المجتمع وفي كل شئ، أي أن اتباعه سينقل لهم مقدرة تفعيل الحمد وهذه هي سمته ورسالته.

مثل أن نقول (حَمَّد الرسول قوانين المجتمع، أي فجر الرسول القوى الكامنة في قوانين المجتمع لتغييره، وهنا يكون هو من قام بنفسه بفعل الحمد).

أما مُحَمَّد على وزن مُفَعَّل، يعني أن الحمد مفعل فيه بمعنى أن القوى الكامنة فيه للتغيير مفعلة فيه وأن له المقدرة على تحميد كل شئ، أي أنه ما يشابه اليورانيوم المخصب، وكما قلنا أن الحمد في القرآن الكريم كلمة تدل على أن الله تعالى أوجد في كل جزئيات هذا الكون المادية والمعنوية أوجد بداخلها قوة كامنة لها قوانينها التي يمكن للخليفة أن يكتشفها ويفعلها ويحولها الى قوة دافعة في كل المجالات التي يعمل فيها كل فرد أو مجتمع، وعليه فإن محمد تم تفعيل مقدرة تحريك كل القوانين وتفعيلها لمصلحة رسالته لأن محمد مبني للمجهول مما يدل على أن التحميد تم عليه وفقا لبرنامج محدد، وهذا البرنامج الذي جعله محمدا، أحمده للذين معه وهذا هو الطور المحمدي الذي سنكتشفه في المرحلة القادمة.

أحمد رسول لبني إسرائيل:

آوَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } الصف 6

ورسولا للكافة:

 {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) } سورة سبأ 28

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ

البقرة 151

كلمة (محمد) ذكرت في القرآن في أربع آيات ويتعامل معها التلاة بأنها الإسم العلم للنبي عليه السلام، ولكن دوما أنا أقول أن الأسماء والكلمات في القرآن الكريم دلالية، أي أنها لا يلزم أن تكون أسماء أعلام إنما هي دلالة وظيفة المسمى بها، لذلك كثير من المشككين في الرسالة المحمدية يقولون أن كتب التاريخ في ذلك الزمان في مكة لايوجد فيها من كان إسمه العلم محمد ليدللوا على أن الرسالة كلها مؤلفة لاحقا، وحتى دكتور التاريخ الشهير هشام جعيط رحمه الله في واحد من أبحاثه عن محمد في مكة، قال أن كل الصفات التاريخية عن شخصية محمد تنطبق على شخص اسمه (قثم) ولا وجود لشخص بإسم (محمد). وقع كل المؤرخين في هذا الفخ لظنهم أن اسم (محمد) في القرآن يدل على اسم علم من دون ان يعرفوا انه دلالة على وظيفة المسمى به، وعليه يمكن أن يكون النبي محمد عليه السلام اسمه العلم (محمد) وحينها يكون هذا الاسم قد نزل وحيا على من سماه به من دون علمه، أو أن يكون تسمى به لاحقا كصفة له مثل الصادق والأمين، أو أنه هو الإسم القرآني الذي يدل على وظيفته ولا يلزم أنه إسمه العلم.

قلنا أن  كلمة (محمد) تدل على الشخص الذي قد تم فيه تفعيل خاصية الحمد أي خاصية تفعيل القوى الكامنة للتغيير في كل المجالات، وأنها إمكانية يمكن لأي شخص إكتسابها إذا إتبع النهج المحمدي للنفس البشرية.

اذن فإن الله تعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أربع نطاقات في تفعيل الحمد وعلمها لنا بالاسم محمد لنقرأها ونتدبرها في النقاط التالية:

أولا: محمد المعبود من دون الله:

خلال تفاعل الناس مع الرسل وفقا لإمكانياتهم الخارقة لما هو طابع في واقعهم، يتدخل الشيطان ليقنعهم بأن هذا الرسول هو الرب نفسه وأنه يستحق العبادة كما قال الله تعالى ليخبرنا بما فعل الناس مع رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام عندما رأوا معجزاته فعبدوه من دون الله

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ{116} مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {117}} المائدة 116/117

الآية الأولى تخبرنا أن الناس يمكن أن يقتنعوا برسالة الرسول ثم يرتبطون به وبمقدراته ثم يظنون أنه له علاقة مباشرة مع الرب وآخر خطوة يسوقهم خيالهم المريض بأن يظنوا أنه هو الله نفسه فيعبدونه من دون الله، وهذا ما حدث مع الناس فى زمن سيدنا عيسى عليه السلام. و هذه الحالة ليست خاصة بالناس مع عيسى بن مريم، إنما ظهرت مرة أخرى مع النبي محمد عليه السلام، عندما ظن الناس أنه لن يموت أو لن يقتل، مما يدل على أنهم جردوه من بشريته ورفعوه الى مرتبة الرب وذلك لما رأوا فيه من مقدرات الحمد فيه ، لكل ما يتفاعل معه  ولذلك ذكر لنا الله تعالى هذه الحالة في الآية بعلامة (محمد) أي أنه يؤكد ما رأوه في اللين ورأوه في الشدة، ورأوه في الدعوة والحجة ورأوه في القتال ورأوه في علاقته مع النساء والأطفال ورأوه في إدارة الدولة وفي المعرفة، ولكن لينقلهم الى حالته البشرية العادية التي تتأثر بقوانين الموت والحياة ليعلمنا أن إخراج مقدراته عن إطارها البشري سيجعلهم ينقلبون عن عبادة الله بعد موته لظنهم أن من له هذه المقدرات لن تؤثر عليه قوانين الموت فذكر الله تعالى في الآية إسم محمد ليثبت لنا مقدراته في تفعيل أي شئ يتعامل معه ولكن يدخل لنا هذه الإمكانية داخل الإطار البشري الذي أخرجه عنها البعض ، وهذه الآية كانت كأنها تقرأ لأتباع محمد في المدينة الارتباك وعدم التصديق الذي حدث لهم لحظة اعلان موته (ويمكن أن نرجع للقصة التاريخية في لحظة موت النبي عليه السلام ورد فعل الصحابة التي سجلها التاريخ والتي تدل على عدم تصديقهم لموته، والخطبة الشهيرة لسيدنا ابوبكر الصديق عندما قال: من كان يعبد محمد فان محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيى لايموت) .

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ {144} وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ {145} } ال عمران144/145

والى يومنا هذا كثير ممن يتوسلون بالنبي محمد عليه السلام يخرجونه عن اطار البشرية ويرفعونه مرتبة اعلى قد تصل في خيال الكثيرين بقربه من الله كما في كثير من قصائد الشعر التي يمدحونه بها وفي كثير منها مقاطع فيها شرك بائن بالنبي عليه السلام وإشراكه مع الله تعالى، مما يفيدنا أن هذه الآية كما خاطبت من عاصروا موته، تخبرنا نحن ومن خلفنا أن محمد قد مات وأن مقدراته المحمدية هي عين رسالته لنا والتي يمكننا أن نكتسبها إذا اتبعنا منهجه فيتفعل الحمد فينا.

 ثانيا: محمد هو لوقو النبيين:

اللوقو هو العلامة المميزة التي تدل على أصل المنتج، فالله تعالى جعل في كل النبيين على مسار التاريخ واحدة مما قام بها محمد من تفعيلات، أو بمفهوم مغاير هو أن محمد هو تكامل كل ماقام به النبيين خلال مسار تطور الانسان.

الخاتم:

كلمة الخاتم أخذت معنى الأخير باعتبار ان ختم الشئ هم اكماله ولكن الختم هو ما يؤكد انتساب الشيئ المختوم لصاحب الختم أو هو العلامة التي تؤكد أن ما تم ختمه منسوب لصاحب الختم، ولأن الختم يكون دوما في النهاية، أخذ الختم في تعاملنا اليومي دلالة نهاية الشئ، وهذا ما جعل الناس يعتبرون أن محمد خاتم النبيين على أنه آخرهم وأنه لا نبيين من بعده.

محمد خاتم النبيين تدل على أنه العلامة المميزة لكل النبيين أو اللوقو المميز للنبيين، بمعنى أنك إذا أردت أن تعرف أي بشر أنه نبي أم لا أبحث عن أي حمد فيه فإن وجدته يقوم بتفعيل واحد من قوانين الحمد التي فعلها محمد فهو نبي.

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا {40} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا {41} وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا {42} هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا {43} تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا {44} الاحزاب 40/44

والآية الأخيرة تقول لنا وتؤكد أن الحمد الذي أحمده الله للنبي عليه السلام في آية:

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {56} الأحزاب 56

تؤكد لنا أن هذا الحمد متاح لكل من يتبع المنهاج فسيصل الى حال أن يصلي عليه الله وملائكته كما صلى من قبل على النبي عليه السلام فجعله محمدا.

فإذا تابعنا الحمد في بعض النبيين نجد الآتي:

  • نوح عليه السلام قام بتفعيل حمد صناعة الفلك:

{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ{27} فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ{28} المؤمنون 27/28

  • لوط عليه السلام قام بتفعيل حمد العلاقات الجنسية الطبيعية
  • شعيب عليه السلام قام بتفعيل حمد الكيل والميزان
  • ابراهيم عليه السلام قام بحمد عبادة الرب الواحد وتفعيل حمد القواعد من البيت
  • يوسف عليه السلام قام بتحميد وضع الرؤى الاقتصادية والزراعية وتفعيلها
  • موسى عليه السلام كان حمده مع بني إسرائيل الحمأيين (أصلهم من حمأ مسنون)
  • عيسى عليه السلام حمد قوانين الامر والروح في التحكم في قوانين المادة
  • محمد عليه السلام كان محمدا لكل ماقام به النبيين من قبله ومن بعده لذلك فهو العلامة المميزة لكل النبيين أي أنه خاتم النبيين.

{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ {9} دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {10} } يونس 9/10

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

أستاذ مهندس علاء الدين محمد بابكر

الأستاذ علاء الدين محمد بابكر، مهندس ومفكر وباحث متميز في مجال الدراسات القرءانية. يُعرف بأعماله الفكرية العميقة ومساهماته القيمة من خلال العديد من المقالات البحثية التي تعكس رؤيته التحليلية الدقيقة للنصوص القرءانية. ومن أبرز إنجازاته كتابه الشهير "آذان الأنعام" الذي كتبه مع أخيه المرحوم الدكتور عماد الدين محمد بابكر، الذي يُعتبر مرجعًا هامًا لفهم وتحليل النصوص القرءانية. وله من الاصدارات بالاضافة لاذان الانعام، له نظرية الفجور والتقوى وكيف نحي الموتى ويتميز بأسلوبه البحثي الرصين والجمع بين الدقة العلمية والرؤية التحليلية، مما يجعله أحد الشخصيات البارزة في الدراسات القرءانية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مشكور على المجهود استاذ علاء الدين، إستمتعت بقراءة المقال كله.
    إسمح لي أن أدلو بدلوي في هذا الموضوع.
    القرآن يحوي 77439 كلمة، و هذا المقال إحتوى على ما يقارب 4500 كلمة،بمعنى لنفهم كلمة الحمد أخذنا ما يقارب 5،8% من مساحة النص القرآني.
    و هذا مبالغ فيه و متعب، علما ان adhd لم يعد إضطرابا، بل أصبح الوضع الافتراضي للعالم الحديث، و كما ذكرت، فإني قرأت المقال كاملا و مركز معاك شديد🙂.
    أشاطرك الرأي أن الحمد طاقة كامنة موجهة.
    و بتعبير بسيط، و إن سمحت أضيف لما قلت، الحمد هو القوة الكامنة على أن أرضى و أقبل، و أسترضي بها الله، ثم يرضى الله عليا.
    الحمد هو ما يسترضى به الله سبحانه وتعالى، هو رضاه ولا يكون رضى الله حتى ترضى انت أولا عما ألزمك به من قضاء وقدر وأمر ونهي، قدرك مكتوبك حياتك كلها.
    الرضا عن كل هذا، هذا هو الحمد، فأنت راض عنه وترضى بما أمر وما قسم لك، هذا هو الحمد لله.
    هو اختصارا عن الرضا، والرضا يكون متبادل منك له ثم منه سبحانه وتعالى لك.

    #الاسراء آية 52
    يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
    يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عن المشركين المكذبين بالبعث، الذين لم يستجيبوا لأمره في الحياة الدنيا، و الاستجابة حتما هي الرد الإيجابي فقط على عكس الإجابة التي يمكن أن تكون ردا بالإيجاب أو بالسلب.
    يقول لهم يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، اي في الحياة الدنيا لم تكونوا له كما يحب ويرضى، لكن فتستجيبون بحمده عند الخروج من الاجداث و كما يرضى جل جلاله.

    ويمكن أن نسقط هذا المعنى على جل الآيات.

    الحمد،محمد،أحمد،المقام المحمود،الحميد، كلها تدور حول الرضا.

    و منه الرضوان، و يقابله السخط:
    قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ «محمد 28»

    الحمد = قبول، و غايتنا و مبتغانا أن يرضى الله علينا، و أن يقبل قبولنا :
    قال تعالى: ﴿… وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ «الحديد 27»

    قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ …﴾ «الفتح 29»

    إسماعيل كان عند الله مرضيا،لأنه حمد الله، و قبل بالأمر و لم يسخط:
    قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا﴾ «مريم 55»

    “و يحبون أن يحمدوا” أتت في هذه الآية بالتحديد بمعنى ” أن يرضوا عليهم”، كالذي يريد من الغير إسترضائه.
    قال تعالى: ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ «آل عمران 188»
    و الله أعلم.

    محمد بوقرة

اترك رداً على أستاذ مهندس علاء الدين محمد بابكر إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى