أبحاث

مقال بحث عن مفهوم التقوى

مفهوم التقوى من حيث اللغة هو الوقاية او الوقاء بمعني حفظ الشي عما يؤذيه، وهذا المعني ينسجم مع كل الآيات القرآنية، ولكن عندما نأتي للمعني الاصطلاحي فجاءت تعريفات كثيرة جدا وجميع هذه الاصطلاحات قد اضافت على مفهوم التقوى افعالا ليست موجودة، كأن يقولوا ان التقوى اجتناب النواهي واتباع الأوامر، او يقولوا انها ترك المعاصي والشبهات والمحافظة على آداب الشريعة، او اجتناب المحرمات واتباع طاعة الله، فحملوها معاني ليست موجودة، فمثلا طاعة الله جاء الأمر بها جنبا الي جنب مع التقوى مثل (فاتقوا الله واطيعون)

{وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}

[سورة آل عمران: 50]

وجاءت التقوى مصحوبة بالسمع والطاعة والانفاق في قوله تعالي {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

جاء الأمر بالتقوي مصحوبا بأن نكون مع الصادقين معا:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}

[سورة التوبة: 119].

جاء الامر بتقوى الله وان نقول القول السديد:

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}

[سورة النساء: 9]

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)}

[سورة الأحزاب: 70 إلى 71]

وتم ذكر التقوى ثم صحبه اصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

[سورة الأنفال: 1]

وأمر الله الذين امنوا بأن يتقوا الله، وأن يذروا ما بقي من الربا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

[سورة البقرة: 278]

 وهنا تأتي التقوى مصحوبة بالإيمان والعمل الصالح والاحسان {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة المائدة: 93]

وهذا يبين أن التقوى والطاعة مفهومان مختلفان لا كما يتم شرحهما في الاصطلاح.

اذن الحديث عن المعني الاصطلاحي يخلط ما بين الامر بالتقوي والامر بأمور اخري وهذا يبعدنا كثيرا عن مفهوم التقوى الحقيقي كما نستنبطه من الآيات القرآنية

 الحديث عن التقوى من القرآن الكريم يحتم علي اولا استخدام مصطلحات غير منتشرة الا في مجالات ضيقة؛ على مستوي مجال التنمية البشرية والعلوم الانسانية والامراض النفسية، ومن ضمن هذه المصطلحات سأستخدم مصطلح مستويات الوعي بقسميه مستويات الوعي المنخفضة ومستويات الوعي المرتفعة او السامية.  وسأستخدم مصطلح تزكية النفس كمفهوم لانتقال الانسان من مستويات الوعي المنخفضة الي مستويات الوعي المرتفعة. ولذلك سأقوم بشرح ما المقصود بمستويات الوعي مستعينا بما فهمته من خريطة تقسيم الوعي للطبيب النفسي، الامريكي ديفيد هوكنز Map of Human Consciousness.

ديفيد ر. هوكنز قسّم مستويات الوعي (من 1 إلى 1000) اعتمادًا على البحث في المشاعر البشرية، والسلوكيات الناتجة عن هذه المشاعر، والطاقة الكامنة وراء كل حالة وعي. هو استخدم ما سمّاه “kinesthetic muscle testing” أو اختبار الاستجابة العضلية، باعتباره أداة لقياس الحقيقة والقوة الطاقية خلف الفكرة أو الشعور أو الموقف المحدد، من خلال هذه الاختبارات رأى أن كل حالة وعي أو شعور إنساني (مثل الخوف، الغضب، الحب، السلام…) لها تردد طاقي يمكن “معايرته” على سلم رقمي. ويطلق على الشعور المعين بمستوي الوعي عندما يصبح ذلك الشعور هو المسيطر ويشكل المرآة التي يري عبرها الانسان للحياة.. فمن يهيمن عليه الفخر مثلا يري ان الحياة مسخرة له فقط كفرد او كطائفة عرقية او دينية، يمارس الاضطهاد على الاخرين ولا يتقبل وجودهم معه الا ضمن الطوائف المسخرة له.

والذي يشعر بالخجل والعار من موقف ما فهو شعور عادي، ولكن عندما يهيمن عليه هذا الشعور يصبح في مستوي وعي الخجل والعار، قد يعيش الانعزال عن الاخرين حتى لا يري اراءهم عنه، وقد ييأس من الحياة والتفكير في انهاء حياته.

وقد قسم هوكنز هذه المستويات الي 17 مستوي ضمن منطقتين اثنتين، منطقة وعي منخفض مدمر للحياة، تبدأ بمستوي الخجل والعار واللامبالاة والخوف والغضب….  ومنطقة وعي مرتفع ينهض بالحياة و ينميها، تنتهي بأعلى مستويات الوعي وهو التنوير وقد وضع فيه الرسل والفلاسفة والحكماء، بينما وضع من يعيشون حياتهم عبر الخجل والشعور الدائم بالعار بأسفل مستويات الوعي، ويري ان اول مستوي للانتقال من المستويات المنخفضة الي المستويات المرتفعة هو مستوي الشجاعة والموافق للمعيار 200 علي سلم الوعي، ولكي ينتقل الانسان لابد ان يتسم بالصدق والنزاهة والشجاعة وتحمل المسئولية ولذلك اطلق علي مستوي الشجاعة ومستوي الحياد والاستعداد الذي يأتي بعده مباشرة بالمنطقة او المرحلة الانتقالية، حيث فيها تختبر قدرة الانسان علي الصعود الي المستويات العليا المستقرة ام الهبوط مرة اخري الي المستويات المنخفضة المدمرة للحياة.

 أساس تقسيمه:

١.الطاقة / الذبذبات:

كل شعور أو موقف يملك ذبذبة معينة تؤثر على الجسد والوعي.

٢.الحقيقة مقابل الباطل:

التفاعل عبر المستويات المنخفضة يعكس انحرافًا عن الحقيقة (الخوف، الكذب، الخزي والعار والغضب والتكبر)، بينما التفاعل عبر المستويات العليا أقرب إلى الحقيقة (الحب، السلام، الحكمة والتنوير).

٣.الجانب النفسي والسلوكي: كل مستوى وعي يرتبط بنمط تفكير وسلوكيات محددة.

 الفائدة من هذا التقسيم:

١.التشخيص الذاتي: يساعد الإنسان أن يعرف في أي مستوى يعيش أغلب وقته (هل يهيمن عليه الخوف؟ الغضب؟ الحب؟) اي يتعرف على المشاعر التي تسيطر وتغلب عليه ما ان كانت سلبية على حياته وعلي محيطه ام ايجابية.

٢.تشكيل خارطة ارتقاء: يعطي طريقًا واضحًا للانتقال من المستويات الدنيا (التي تستهلك الطاقة وتسبب المرض والمعاناة) إلى المستويات العليا (التي تجلب الصحة النفسية والسلام الداخلي).

٣.الفهم المجتمعي:

 يمكن استخدامه لتحليل سلوكيات الجماعات والمجتمعات (مثل ثقافة قائمة على الخوف مقابل مجتمع قائم على الحب والتعاون).

٤.التحرر من المعاناة: الفكرة الجوهرية عند هوكنز أن أغلب أمراضنا النفسية ومعاناتنا الحياتية تأتي من “العيش في وعي منخفض”، وبالتالي الارتقاء بالوعي يحرر الإنسان. وباختصار: هوكنز حاول أن يضع “خريطة طاقة الوعي الإنساني” حتى تساعد الفرد والمجتمع على الارتقاء من حالات وعي مدمّرة (خزي، خوف، غضب) إلى حالات سامية (حب، حكمة، سلام، استنارة)، وما يجدر ذكره ان هوكنز يضع طريقة تسهل علي الانسان مغادرة مستويات الوعي المنخفضة والانتقال لمستويات عليا، ويري انه علي الانسان ان يسمح لنفسه الشعور والاحساس بتلك المشاعر السلبية  لمدة لا تزيد عن تسعين ثانية، من غير ان يتفاعل عبرها او يقاومها او يكبتها ، اذن أن مقاومتها يطيل من زمن مكوثها عنده ويؤدي ذلك الي احتمالية التفاعل عبرها، وبعد تلك التسعين ثانية ستقل طاقة هذه المشاعر ويمكنه بكل وعي أن يسمح لها بالرحيل عندما لا تمثل الحل المناسب وبالتالي تجنب الأثر السيئ الذي يحدث اذا تم التفاعل عبرها، وسأعطي مثالين لهذه المشاعر المنخفضة وأثر التفاعل عبرها.

المثال الأول:

شخص ما يعتريه الشعور بالفخر في لحظة ما، هوكنز يري أن هذا شعور عادي من طبيعة الانسان ، ولكنه شعور سلبي، فيري ان التفاعل معه يجب ان يسمح الانسان لنفسه بالشعور بذلك الفخر لفترة قليلة دون التفاعل عبره، وكذلك لا يقاومه، بعد قليل ستنخفض طاقة هذا الشعور ليصبح الانسان في حالته الطبيعية، فلا يكون للفخر أثرا ضارا علي مستوي الفرد او المجتمع، هوكنز يري ان المشكلة هي عندما يصبح الفخر هو الشعور المسيطر علي ذلك الفرد والسائد علي حياته باستمرار، سينتقل الفخر من مجرد شعور لحظي الي مستوي وعي ،أي انه يصبح اسلوب حياة، فتصبح كل تفاعلاته وتداخلاته الاجتماعية تنطلق من الفخر Pride ، فيمارس الاستعلاء Superioty و الانتقائية وهذا يؤدي الي الطغيان والتكبر والفخر قد يكون طاقة ايجابية في مجتمعات قبلية مغلقة تعتمد علي قوة افرادها في شحذ همم الجماعة ومناصرتها واعلاء حمية الجاهلية ، لكنها عبارة عن ايغو، يؤدي الي ممارسة الظلم علي الاخرين ويؤدي الي النزاع وانفلات الامن وتعريض المجتمع المعني الي الاضطراب والاقتتال، وشعراء القبيلة مثلا الذين يمجدونها وينشرون صفاتها وتأريخها في مسابقات شعرية هم مثال لمستوي وعي الفخر الضار بذلك المجتمع.

الفخر على مستوي الفرد يعتمد على الوفرة التي يعتمد عليها ذلك الفرد وتجعله يشعر بالفخر، ولكن عندما تزول هذه الوفرة، تعتريه الاثار السيئة لذلك الفخر، قد يشعر بالحسرة والندم والحزن الشديد، جميعها تؤثر على صحته وجودة حياته.

المثال الثاني الشعور بالمسئولية عند خطأ معين:

عندما يرتكب فرد ما خطأ معينا امام مجموعة من الناس، قد يشعر بالخجل والاهانة والعار، ويظل حبيسا من أن يسمع اراء الناس فيه او يتجنب الالتقاء بهم، هذا الشعور عندما يصبح مسيطرا عليه قد يكون سببا في انعزال ذلك الفرد اجتماعيا وتفكيره المستمر في الماضي الذي يمثله ذلك السلوك، وهذا يمنعه من التقدم والتطور في حياته، وشعوره المستمر بتأنيب الضمير ولوم نفسه، كل ذلك قد يسبب له امراضا نفسية تتراوح بين انخفاض المزاج Depression الي اضطرابات نفسية اخري مثل  panic disorders  والشيزوفرانيا ، او امراضا عضوية ذات بعد نفسي مرض القولون العصبي IBS

ومن هنا يمكننا الدخول لمفهوم التقوى في القرآن الكريم.

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (24)

[سورة الأعراف: 20 الي ٢٤]

تبدأ هذه الآيات بتوضيح ما فعله الشيطان لآدم وزوجه، فكل ما فعله هو ان يبدي لهما عبر الوسوسة ما ووري عنهما من سوءاتهما فقط لا غير، وان ما يواري هذه السوءات هو لباس التقوى المشار اليه في الاية:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

اذن التقوى لباس انزل على جميع بني آدم ليواري سوءاتهم وريشا، ويختم الاية بقوله لعلهم يذكرون، وسيختلف المعني كثيرا جدا إذا ختمها ب لعلهم يتذكرون.

فعندما يقول (يذكرون) فهو يتحدث عن حدث يتم استحضاره حالا على الذاكرة، اي ان المعلومات عنه موجودة ومحفوظة وجاهزة لا تحتاج الاجتهاد والاستنباط من جديد، اوان الموضوع قيد التذكر هو بذات نفسه موجود وماثل أمامك ليؤكد لك صدق ما تم وصفه به، فتري كل الاوصاف التي قيلت عنه كحقائق ماثلة.

 اما إذا قال (يتذكرون) فإن هذا يستدعي الاجتهاد وإعمال العقل لاستصحاب معلومة ماضية او غائبة غير محفوظة على الذاكرة فيتم استدعاءها وتدبرها وفهمها. وسأعطي أمثلة على ذلك ببعض السياقات القرآنية: –

فها هنا يذكر آل فرعون أنفسهم، بأحداث حاصلة امامهم يتذكرونها جيدا {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [سورة الأعراف: 130]

ولو كان الخطاب موجها لنا، لقال لعلكم تتذكرون، لأننا حينها سنحتاج قراءتها وفهمها واستنباطها ومعرفة متي حدثت وكيف ولماذا؟

اما الاية التالية فهي تحدث الناس في أي عصر من العصور، إذ ان الحدث ماثلا أمامهم {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [سورة النحل: 13]

اما في حالة يتذكرون فإنهم يحتاجون الي وقت واجتهاد لاستدعاء المعلومة، وقد يحتاج لشخص اخر ليساعده في جلب الحقيقة، وتوجد مقاومة وشد وجذب في الوثوق من الأمر من عدمه.

فعندما تقرأ الآية التالية ستجد عقلك يعمل بكل طاقته ليتساءل لماذا ينهانا عن هذا النكاح؟ وما العلة ؟ فأنت ستبحث عما وراء ذلك السياق لأنك محتاج توضيح اسباب فعلا، وستحتاج معرفة من هو المشرك والمشركة، ومن هو العبد المؤمن والأمة…الخ، وبسبب هذا العصف الذهني القوي الذي سيحيط بالسامع، سيختمها بقوله لعلهم يتذكرون

{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

[سورة البقرة: 221]

وفي حالة ضرب الامثال فالسامع يحتاج تقليب الامور ودراستها ومقارنة المثل بما هو موجود بالواقع ورؤية حقيقته، فهو يختم الآية ب يتذكرون {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

[سورة الزمر: 27]

وفرعون يحتاج استدعاء ما جاء به موسي وهرون اليه من آيات تثبت رسالتهما، هل يتذكر منها شيئا ليقرر ما ان كان سيؤمن بها ام يرفضها:

{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}

[سورة طه: 44].

اذن اية لباس التقوى ختمت بقوله تعالي (لعلهم يذكرون) لأنك لا تحتاج ان تتذكر السوءة وتستدعيها كل مرة لتعرف ما إن كانت هي سوءة ام لا، فيجب ان تعدد جميع السوءات وتكون متعرفا عليها ولا تحتاج مساءلتها كل مرة، وانما تحتاج ان تغلقها فقط مجرد شعورك بها، وهذا لا يحتاج وقتا طويلا، ورأينا كيف أن هوكنز قد حدد لها نطاق التسعين ثانية، وهي كثيرة جدا بمقياس ما يذكره القرآن.

ويؤكد ذلك اية اخري:

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [سورة الأعراف: 201] فالذي يقابله موقف يتطلب التعامل، قد يتعامل معه بتهور او بغضب، او تعالي وتكبر وفخر، او كذب او تمييز عنصري، طائفي، ديني…. الخ، جميعها سوءات تنتج افعالا ضارة إذا ما تم تفعيلها، ولكن الذين يمارسون التقوى جيدا يذكرون ان هذه وساوس شيطانية، يغلقون هذه المشاعر حالا ولن يستجيبوا لها، فيتحولون ليتفاعلوا من وعي عال، فإذا هم مبصرون. فالتقوى هي اغلاق التعامل عبر هذه المشاعر التي تنتج افعالا ضارة سواء كان ضررها خاص بالنفس او في المحيط الخارجي، ليبقي هنالك باب واحد فقط وهو الاصلاح والارتقاء {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأعراف: 35]

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)}

[سورة الطلاق: 2 إلى 3]

والمتقون اذن هم من يغلقون باب التفاعل عبر مستويات الوعي المنخفضة الضارة. هذا الاغلاق يفتح الباب امام الارتقاء وتزكية النفس كما نري في الآيات التالية:

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) } [سورة الشمس: 7 إلى 10] هذه الآيات تتحدث عن مرحلة تمت فيها تسوية النفس، وعن مرحلة ثانية الهمت فيها الفجور وعن مرحلة ثالثة ألهمت فيها التقوي، وكأنها مرحلة نضوج ورشد ليصبح الانسان مسئولا مسئولية تامة عن عمليتي الفجور والتقوي، اي مسئولا عن تحديد مصيره ما إن كان من المتقين ام من الفجار، وقد أفلح من زكاها، يزكيها ويرتقي بها من حالتها وطبيعتها القديمة وقد خاب من دساها، وتركها علي حالة الفجور{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [سورة ص: 28]

وفي الأحاديث النبوية ما يذهب بنا الي نفس الفكرة، إذا قرأناها من هذه الناحية لنستكشف صحة معانيها بعد تطابقها مع الآيات القرآنية، فالذي لم يستطع اتقاء الغضب، يمكنه الاغتسال بالماء وفيها نفس المغزى، حيث انه يعطي نفسه مزيدا من الوقت حتى تقل طاقة الغضب ويصبح الانسان قادرا على التراجع: عن جدي عطية، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ”

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع”.

لماذا الجلوس او الاضطجاع او الاغتسال بالماء عند الغضب؟

مثبت علميا ان الغضب يزيد من درجة حرارة الجسم، هذه الزيادة لها تأثير على اتخاذ القرارات بطريقة سليمة، حيث تعمل على التشويش في مناطق بالدماغ وتجعل الانسان يتخذ قرارات او اجراءات سيئة، فمهمة الاغتسال هنا خفض هذه الحرارة، والانتقال بالإنسان من حالة تفكير الي حالة تفكير اخري ليقلل عبرها طاقة الغضب. وكذلك عند الغضب تزداد الحركة العضلية للإنسان، مما يزيد من فرص القيام بأفعال العنف مثلا نتيجة ذلك الغضب، ولذلك يلزمه تغيير هيئته من الحركة والوقوف الي الجلوس. ولاحظ لطاقة الغضب هنا مثلا عند نبي الله موسى وكيف تعامل معه اخوه هارون، حيث مارس التقوى في أبهى صورة:

{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}

[سورة الأعراف: 150]

اذن الغضب هو واحدة من السوءات المواراة بلباس التقوى، ويشعر الانسان بالغضب بحسب العوامل الخارجية التي تحفزه بعد ان ينزع الشيطان لباس التقوى عنه، وبعد ذلك يزين الشيطان له الأمر ليكون تفاعله انطلاقا من ذلك الغضب، وكون الغضب سوءة، لا احتاج ان يشرحه لي أحدهم مرة اخري لكي اتذكره، وانما يجب ان يكون معلوما لدي في كل حين ولذلك ختمها بقوله (ولعلهم يذكرون) ولم يقل لعلهم يتذكرون.

نخلص الي أن السوءات هي مشاعر سلبية خاصة بالنفس البشرية مواراة بلباس التقوى، تتم استثارة هذه المشاعر بحسب العوامل الخارجية، فيعمل الشيطان على نزع لباس التقوى ويجعلها بادية ليتفاعل عبرها الانسان بعد ان يزين الشيطان له ما يقوم به.

وهنا وجبت الاشارة الي الخطأ الموجود في واحد من الأحاديث التي تتحدث عن التقوى:

عَنْ أنسٍ – رَضْيَ اللهُ عنه – قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزْواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يسْألونَ عن عبادةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تَقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قد غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذنبِه وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخرُ: وأنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفْطرُ، وقال الآخرُ: وأنا أعتزلُ النِّساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم فقال: «أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا؟! أما واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأفطرُ، وأصلي وأرْقدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليس مِنِّي» متفق عليه.

فالجملة التعبيرية هذه [[واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له]] قيلت على لسان النبي وتم افتراؤها عليه اذ لا يمكن ان يزكي نفسه وهو الذي امر ان يقول لهم ان نحن الا بشر مثلكم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده، وهو ايضا الذي يقرأ عليهم قوله تعالي

 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13]

وذلك لأنه يعلم ما يفعل الله بالمتقين بالمتقين:

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ (53) كَذَٰلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ ۖ وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)}

[سورة الدخان: 51 إلى 57]

فكيف يقول لهم أني أتقاكم لله وهو ايضا الذي أمره ان يقول لهم

{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [سورة الأحقاف: 9].

اذن كل مهمة الشيطان هي نزع لباس التقوى ثم التزيين، فيجعل الانسان في دوامة ودائرة مغلقة من التفاعل عبر السوءات لا يستطيع معها الاهتداء الي الصراط المستقيم وهذا هو مقصده:

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)} [سورة الأعراف: 16 إلى 17].

وهو يعترف بضعفه امام عباد الله المخلصين، لا يستطيع ان يغويهم:

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَـٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43)} [سورة الحجر: 39 إلى 43]

ثم يبين الله لنا مرة اخري ان كيد الشيطان كان ضعيفا، فكل كيده هو ان ينزع عنا لباس التقوى ليرينا سوءاتنا فنتفاعل بها، و للأسف لا نتذكره في أي سلوك سيئ نفعله:

{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 76].

وفي كثير من الآيات يذكر القران فيها ان الصراط المستقيم مرتبط بالهداية، أي انه حالة من الوعي يتم الاهتداء اليها والتفاعل عبرها.

{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة البقرة: 213]

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)}

[سورة المائدة: 15 إلى 16]

{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ۗ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [سورة الأنعام: 39]

اما هنا فيبين ماهية ذلك الصراط المستقيم، حيث يفسره بأنه دينا قيما، اي أنه نظما وقيما ومبادئ عليا، وليس مجرد انتهاء عن النواهي فتلك هي التقوى، ولكن الصراط المستقيم هو بعد روحي سامي، خارج نطاق البعد المنخفض الذي تعمل عليه التقوى.

{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}

[سورة الأنعام: 161]

{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

[سورة الشورى: 52]

وخلاصة القول أن القرآن يقدم الصراط المستقيم كمآل اخير يتم الهداية اليه، يعيش فيه الانسان وفق وعي مرتفع، وهو النور الذي يعيشه الانسان خارج إطار الظلمات وبالتالي الشيطان يقعدن لبني آدم هذا الصراط المستقيم، فيعقيهم عن الاهتداء اليه وذلك عبر وسوسته وحثهم على الضلال عند بداية الطريق، فعبر نزعه للباس التقوى عند كل موقف يوسوس للإنسان ليبدي له سوءاته، والتفاعل منها يؤدي للضلال وذلك بسبب ان الافعال الناتجة عنها افعالا سيئة ضارة بالنفس وبالمجتمع المحيط. هذه السوءات هي مشاعر أصيلة في طبيعة النفس البشرية، ولكن مع ذلك فللنفس البشرية امتداد اخر وهو النفس الانسانية التي اعطت النفس قدرة للتمدد او الانتقال _بعد ممارسة التقوى_ من مستوي الوعي المنخفض الي الجانب الروحي كوعي سامي وبعد اخر، هذا الوعي الروحي كان قد بدأ عند ادم عليه السلام، وفقده عندما اتبع وسوسة الشيطان، وهي حالة الهبوط المشار اليها في قوله تعالي

 

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}

[سورة البقرة: 36]

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

[سورة البقرة: 38]

وصار بعد ذلك يأتي هذا الوعي الروحي عبر الهدي الرباني باستخدام ادوات مثل السمع والبصر والفؤاد، فمن يتبعه لا يضل ولا يشقي.

{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126)} [سورة طه: 123 إلى 126]

تقوي الله حق تقاته واتقوا الله ما استطعتم:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [سورة آل عمران: 102]

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة التغابن: 16]

للدكتور محمد شحرور رحمه الله اجتهاد جميل في هذه الآيات حيث يقسم التقوى الي تقوي اسلام وتقوي ايمان، ثم بجمع الاثنتين ليصبحا تقوى الاحسان. في اشارة الي اية اخري سأوردها هنا:

{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

[سورة المائدة: 93]

ففي الاية الاولي اتقوا الله حق تقاته هي أقل ما هو مطلوب ممارسته من التقوى، حيث تفيد هنا اغلاق كل السوءات بحيث لا يتم التفاعل بها اتجاه الفطرة، وهذه الفطرة يشترك فيها الجميع، ومعلومة لدي الجميع لذلك بلا مجاملة (حق تقاته) فكل تفعيل لسوءة يتسبب في الضرر يجب اخماده فورا. ولأنه يختم الاية بأن لاتموتن الا وأنتم مسلمون فهي تقوي على مستوي سوءات معلومة ومحددة سلفا وعدم ممارسة هذه يعني الوقوع في التفاعل عبر السوءات وبالتالي ممارسة الاجرام.

اما الاية الاخري فاتقوا الله ما استطعتم قد جاءت في سياق واسع، حيث يحذر الله فيها الذين امنوا من الفتنة بسبب الاموال والاولاد وكيفية التعامل معهم، فهنا يمكن للانسان ان يقع في الظلم لنفسه او لغيره، مهما كان حريصا، فأمرهم الا ينطلقوا من تلك السوءات، اذ أن الامر هنا قد يحتاج الي التحليل والتفكير العميق، والعصف الذهني، وفي خضم هذا التفكير يكون عرضة للخطأ، ففي مثل هذه المواقف يحتاج ان يتذكروا لأنه صعب عليهم ان يذكروا، فالأمر ليس بذلك الوضوح البين حتى يذكروا.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)}

[سورة التغابن: 14 إلى 16].

الاستاذ خالد الزاحم

الأستاذ خالد الزاحم باحث مهتم بالدراسات القرءانية، كرّس سنوات طويلة في تحليل نص القرءان الكريم، ونشر العديد من المقالات المتخصصة في البحث القرءاني، حيث يتميز بأسلوب دقيق ورؤية عميقة تسعى إلى فهم النص وفق سياق النظم القرآني الداخلي.

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. لماذا تبتعدون عن لب الموضوع وتتيهون في الكلام والاستطرادات الجانبية وتنسون اصلا الموضوع

    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

      شكرًا لتواصلكم واهتمامكم بكتاب «منابع الطوفان القادم».
      حاليًا لا يتوفر الكتاب في معرض الكتاب الدولي بالجزائر، لكن يمكن شحنه إلى الجزائر عبر الطلب من منصّة المعهد.

      دار النشر هي:
      OKAB Publishing
      وهي دار نشر تابعة لـ المعهد الدولي للدراسات القرآنية.

      ويسعدنا خدمتكم في أي استفسار آخر

  2. كنت على امل انك تأخذ الامور بروية وتمعن ولا تحرك به لسانك لتعجل به وتسابق وكان الذي نظمته هو المفهوم الذي لاغبار عليه

    ملاحظاتي على ما جأت به
    من التعريف اللغوي الذي استشهدت به

    ” مفهوم التقوى من حيث اللغة هو الوقاية او الوقاء بمعني حفظ الشي عما يؤذيه، وهذا المعني ينسجم مع كل الآيات القرآنية، ولكن عندما نأتي للمعني الاصطلاحي فجاءت تعريفات كثيرة جدا وجميع هذه الاصطلاحات قد اضافت على مفهوم التقوى افعالا ليست موجودة، كأن يقولوا ان التقوى اجتناب النواهي واتباع الأوامر، او يقولوا انها ترك المعاصي والشبهات والمحافظة على آداب الشريعة، او اجتناب المحرمات واتباع طاعة الله، فحملوها معاني ليست موجودة، فمثلا طاعة الله جاء الأمر بها جنبا الي جنب مع التقوى مثل (فاتقوا الله واطيعون) ”

    من اي جاؤا بهذا التعريف
    التقوى من امتدادتها من التقوية او يمكن القول تقوية العود او تقوية الجيش
    انظر معي الى هذه الاية الكريمة

    { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا }
    [سُورَةُ الإِنسَانِ: ١١]

    { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
    [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: ١٠٢]

    فهل يستوى ان نقول
    فوقاهم الله مثل اتقوا الله
    فوقاهم الله اي منع عنهم وحمامهم من اي مكروه
    فهل اتقوا الله هل تعني ان اخاف الله او اخاف غضبه وسخطه وفقط
    و
    التزم ” بكل اوامره وكل ما نهى عنه ”

    هل المثالين ينسجموا ويصبوا في ما بنيت عليه مقالك هذا اما تجد ان هناك اختلاف في المفاهيم
    وينبغي اعادة النظر فيها

  3. كاتب المقالة لم يحالفه الحظ في فهم مصطلح التقوى كركيزة واساس من اسس بناء الحضارة الانسانية والخلافة في الارض وتحقيق الامانة التي حملها الانسان.
    انا اعمل منذ فترة طويلة على تدبر المصطلحات والمفاهيم التي وردت في القرآن الكريم ولم يتم فهمها وتفعيلها الى يومنا هذا.
    انا افهم التقوى والعديد من المصطلحات القرآنية بشكل آخر بحيث تكون هذه المصطلحات والتعابير القرآنية اساسا لفهم النص و اساسا لتحقيق الامانة و الاستخلاف في الارض كما اراد الله.
    من هذه المصطلحات: الشكر، الحمد، التزكية، الاصلاح، الاحسان، التزكية، الخوف، الخشية، الخشوع، الظلم، السماوات، الارض والكثير غيرها. عند فهمها بشكل آخر فإنها تصطف لتشكل اسس المنظومة المعرفية القرآنية.
    لم ينشر لي الكثير من المقالات حيث انني لم اسع الى ذلك خلال السنوات الخمس عشرة الاخيرة. ما نشر لي كان في ٢٠٠٠-٢٠٠٥ .
    مهتم جدا بمناهج البحث العلمي التي ترد في القرآن الكريم وتبحث منذ فترة تزيد عن عشرين عاما في الفكر الابراهيمي من خلال القصص المتعلق بالنبي ابراهيم كفكر يستند الى منهج بحث علمي فريد لم يكتشفه المسلمون بعد.
    شكرا لصاحب المقالة مع التقنيات بالتوفيق

اترك رداً على IOQS إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى