
تُعَدّ مسألة المنهجية في فهم الدين من القضايا الجوهرية التي تثير جدلًا مستمرًا بين الباحثين في الدراسات الإسلامية. وإذا كان الإشكال المطروح يتمحور حول ما إذا كان الخلل يكمن في التطبيق أم في المنهج نفسه، فإن التحليل الدقيق يستدعي إعادة النظر في تفاصيل المنهج لتحديد مواضع الخلل بدقة. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل التالي: ما هي الجزئية من المنهج التي انحرفت عن مسارها الصحيح وأدت إلى الوقوع في الأخطاء؟
من البديهي أن يسعى الباحث عن الحقيقة وطريق النجاة إلى تبني منهجية تقوم على الالتزام بالنص القرآني كأساسٍ مرجعيّ، بحيث يُعرض كل ما سواه عليه، لا العكس. ومن هذا المنطلق، تبنّى بعض الباحثين رأيًا مفاده أن كل ما وافق القرآن يُؤخذ به، وما خالفه يُترك، باعتبار أن القرآن الكريم هو الأصل الذي لا يُقاس على غيره. في المقابل، برز المدافعون عن السنة النبوية باعتبارها مصدرًا تشريعيًا ثانيًا، وطرحوا تساؤلًا استنكاريًا: “ومن نقل إلينا القرآن؟“، مشيرين إلى أن الصحابة الذين نقلوا الحديث هم أنفسهم الذين نقلوا القرآن، وبالتالي فإن التشكيك في صحة الحديث يستتبع، وفقًا لهذا الطرح، التشكيك في صحة القرآن الكريم نفسه.
التمييز بين تدوين القرآن والسنة: إشكالية التوثيق الزمني
أمام هذا الطرح، جاء الردّ من الباحثين الذين أعادوا النظر في النصوص القرآنية مباشرةً، مؤكدين أن القرآن الكريم قد كُتب منذ اليوم الأول، وهو ما تثبته أدلة داخلية من القرآن نفسه، كما تم تناقله مكتوبًا جيلًا بعد جيل حتى يومنا هذا. أما الأحاديث النبوية فلم تُدوَّن إلا بعد مرور ما يقارب مائة وخمسين عامًا من وفاة النبي ﷺ، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى صحة نسبة بعض الأحاديث إليه، لا سيما مع احتمالية تعرضها للتحريف أو الزيادة والنقصان نتيجة النقل الشفهي قبل تدوينها رسميًا.
ويستند هذا الرأي إلى الفارق الجوهري بين القرآن والسنة في طريقة النقل، حيث تم حفظ القرآن نصًا ولفظًا، بينما انتقل الحديث بالمعنى في أغلب الأحيان، مما يفتح المجال لتفاوت الروايات وتباين الألفاظ. فلو كان الحديث قد دُوّن في عهد النبي ﷺ كما يدّعي البعض، لكان قد وصل إلينا بنفس الدقة اللفظية التي وصل بها القرآن، ولكانت هناك مدوّنات واضحة تعود إلى عصر النبوة، منسوبة إلى الصحابة الذين يُقال إنهم كانوا يكتبون الأحاديث، مثل أبي هريرة وعبد الله بن عمر وغيرهما. إلا أن غياب هذه النصوص المكتوبة في العصر النبوي يُلقي بظلال من الشك على الرواية التي تزعم التدوين المبكر للحديث.
محاولة المساواة بين القرآن والسنة: إشكالية التصنيف التشريعي
عند مواجهة هذه الإشكالات، وجد المدافعون عن الحديث أنفسهم أمام مأزق معرفي، ما دفعهم إلى محاولة تعزيز موقفهم بالقول إن السنة النبوية وحيٌ ثانٍ، بل سَعَوا إلى مساواتها بالقرآن الكريم في الحجية والتشريع. ولما كان من الصعب إثبات تساويهما من حيث الدلائل والبراهين القاطعة، اتجهوا إلى استراتيجية أخرى تمثلت في محاولة خفض منزلة القرآن إلى مرتبة الحديث.
في هذا السياق، استندوا إلى الرواية الواردة في صحيح البخاري (حديث رقم 4424)، والتي تذكر أن القرآن، وإن كان قد كُتب في حياة النبي ﷺ، إلا أنه كان متفرقًا بين الرقاع والعظام وسعف النخل، ولم يُجمع في مصحف واحد إلا في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، استجابةً لمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بعد استشهاد عدد كبير من الحفّاظ في معركة اليمامة. وقد تولّى زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو أحد كتبة الوحي، مسؤولية جمع القرآن وفقًا للمنهجية التي ارتضاها الصحابة، حيث ورد في الرواية:
“…فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره… وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر.” (صحيح البخاري، 4424).
يُستخدم هذا الدليل للقول بأن القرآن لم يكن مجموعًا في مصحف واحد خلال حياة النبي ﷺ، وإنما جُمع لاحقًا، مما يعني – وفقًا لأنصار هذا الطرح – أن القرآن والسنة يمران بظروف نقل متشابهة. غير أن هذا الاستدلال لا ينفي أن القرآن، خلافًا للحديث، قد كُتب منذ البداية ولم يعتمد على النقل الشفهي وحده، بل كان محفوظًا وموثّقًا ضمن عملية تدوينية واضحة.
يُثير هذا الجدل تساؤلات محورية حول طبيعة العلاقة بين القرآن الكريم والسنة النبوية، ومدى صحة نسبة الأحاديث إلى النبي ﷺ في ظل الفارق الزمني بين تدوين كل منهما. وبينما يؤكد بعض الباحثين ضرورة إعادة النظر في الأحاديث وفق معايير نقدية أكثر صرامة، يتمسك آخرون بحجية الحديث باعتباره مكملًا للقرآن الكريم. ومع ذلك، فإن الفصل بين طبيعة النقل في كل من المصدرين يبقى جوهريًا في تحديد مستوى الحجية والاعتماد عليهما في التشريع الإسلامي.
الجمع الثاني للقرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان
واستكمالًا للجدل حول توثيق القرآن الكريم، ترد في صحيح البخاري رواية تُشير إلى الجمع الثاني للقرآن، الذي تم في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان. يُورد البخاري في الحديث رقم (4722) أن الصحابي حذيفة بن اليمان، بعد مشاركته في معارك فتح أرمينية وأذربيجان، لاحظ وجود اختلافات في قراءات القرآن بين أهل الشام وأهل العراق، مما دفعه إلى مخاطبة الخليفة عثمان، قائلًا:
“يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.”
وبناءً على ذلك، طلب عثمان بن عفان من أم المؤمنين حفصة بنت عمر أن ترسل إليه الصحف التي جُمع فيها القرآن سابقًا، كي يتم نسخها في مصاحف موحدة. وقد كلف بهذه المهمة عددًا من الصحابة، كان أبرزهم زيد بن ثابت، عبد الله بن الزبير، سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وأمرهم عثمان بأنه إذا حدث اختلاف في النسخ، فيجب كتابته بلغة قريش، باعتبار أن القرآن قد نزل بلسانهم. وبعد الانتهاء من النسخ، تم إرسال هذه المصاحف إلى الأقاليم المختلفة، وأُمر بحرق أي مصاحف أخرى تحتوي على قراءات مغايرة.
ويُضيف الحديث أن الصحابي خارجة بن زيد سمع والده زيد بن ثابت يقول:
“فقدتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}، فألحقناها في سورتها في المصحف.” (صحيح البخاري، حديث رقم 4722).
إشكالية التوثيق القرآني بين الجمع الأول والثاني
يُستدل بهذه الرواية على أن القرآن، حتى وإن كان قد كُتب منذ البداية تحت إشراف النبي ﷺ، إلا أن الحاجة إلى جمعه في مصحف موحّد لم تكن ملحّة قبل توسّع الإسلام خارج الجزيرة العربية. فلو لم تنشأ الخلافات بين المسلمين حول القراءات، لظل القرآن متفرقًا بين الرقاع والعظام وصدور الرجال. ويُطرح هنا تساؤل جوهري: لماذا لم يجمع النبي ﷺ القرآن في كتاب واحد بنفسه، طالما أنه قد كُتب في حياته؟
وفي هذا الإطار، يمكن تقديم عدد من الملاحظات النقدية حول الروايات التي تناولت جمع القرآن الكريم:
- إمكانية حفظ القرآن دون مستند مكتوب
- من الصعب تصور حفظ القرآن كاملًا عن ظهر قلب بمجرد النقل الشفهي، دون وجود نسخة مكتوبة يمكن الرجوع إليها. فكيف أمكن للصحابة حفظ القرآن كاملاً خلال حياة النبي ﷺ وخلال خلافة أبي بكر الصديق، إذا لم يكن هناك مستند مدوَّن يجمعه؟
- مسألة بقاء القرآن متفرقًا بعد وفاة النبي ﷺ
- هل يمكن تصور أن يفارق النبي ﷺ الحياة الدنيا دون أن يجمع الوحي الذي أُنزل عليه في صورة موحدة ومنظمة، تاركاً إياه مشتتاً وموزعاً على مواد مختلفة مثل الألواح والجلود والعظام والرقاع، بين يدي كتبة الوحي من الصحابة؟ فإذا كان سيترك هذه النصوص متناثرة على هذه الحال، فما هو الغرض من كتابتها أساساً؟ ألم يكن من الأجدى والأولى به ﷺ أن يشرف بنفسه على جمع كل ما كُتِب من الوحي، بغض النظر عن المادة التي كُتِب عليها، وأن يحتفظ بها في مكان واحد، كمنزله مثلاً، حتى وإن لم تكن قد اتخذت شكل كتاب رسمي ومتكامل؟
- إسناد مهمة جمع القرآن إلى زيد بن ثابت
- تُشير الروايات إلى أن أبا بكر الصديق كلّف زيد بن ثابت، وهو من شباب الصحابة، بمهمة جمع القرآن، رغم وجود كبار الصحابة مثل علي بن أبي طالب، عمر بن الخطاب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، أبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص. ويُثار التساؤل هنا: لماذا لم يُسند هذا العمل الجليل إلى أحد هؤلاء الصحابة الذين عاصروا الوحي منذ بداياته، لا سيما أن زيد بن ثابت وُلِد في المدينة قبل الهجرة بعشر سنوات، ما يعني أنه لم يشهد نزول الآيات المكية؟
- أما في الجمع الثاني للقرآن في عهد عثمان، فقد تم إسناد المهمة إلى عدد من الصحابة الذين كانوا أصغر سنًا من زيد، وبعضهم من التابعين، مما يفتح باب التساؤل حول سبب اختيارهم لهذه المهمة دون غيرهم من كبار الصحابة.
القرآن الكريم كمنهج مستقل عن المصادر الأخرى
في ضوء هذه التساؤلات، تبرز أهمية إعادة النظر في العلاقة بين القرآن الكريم وغيره من المصادر. وكما ورد في المناقشات السابقة، فإن النص القرآني يتميز بتوثيق فريد، يجعله المصدر الوحيد الذي نُقل إلينا مكتوبًا منذ اللحظة الأولى، على عكس المصادر الأخرى التي مرت بمرحلة جمع متأخرة.
وبالنظر إلى الروايات الواردة في صحيح البخاري حول جمعي القرآن الكريم، فإن من الضروري التساؤل عن مدى دقة النقل الشفهي ومدى اعتماده على التدوين، وهو ما يُعيد طرح الإشكالية الجوهرية: هل يمكن اعتبار القرآن المصدر الوحيد الذي يُستند إليه في التشريع، أم أن هناك ضرورة للاعتماد على مصادر إضافية؟
تُبرز دراسة روايات جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان قضايا رئيسية تتعلق بحفظ النصوص وتوثيقها، وهي قضايا لا تقتصر على الدراسات الإسلامية فحسب، بل تمتد إلى علم المخطوطات ونقل النصوص في الحضارات المختلفة.
إشكالية النسخ والرسم العثماني: دراسة تحليلية في ضوء النصوص القرآنية
يُثير الحديث الوارد في صحيح البخاري (4722) حول جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان تساؤلات متعلقة بطبيعة هذا الجمع ودلالاته، لا سيما فيما يتعلق بمسألة الرسم العثماني للقرآن الكريم. حيث ورد أن عثمان طلب من أم المؤمنين حفصة بنت عمر أن ترسل إليه الصحف التي جُمع فيها القرآن، حتى يتم نسخها في مصاحف موحدة. ويبدو هذا متسقًا مع ما ورد في الحديث الأول حول الجمع في عهد أبي بكر الصديق، غير أن ما يثير التساؤل هو توجيه عثمان للمكلفين بالنسخ، قائلًا:
“إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ.” (صحيح البخاري، 4722).
إشكالية الاختلاف في النسخ: بين النص المحفوظ والرسم المكتوب
فما هي طبيعة الاختلاف الذي قد ينشأ إذا كان الأمر لا يتعدى عملية نسخ نصوص القرآن الكريم من مصحف السيدة حفصة إلى مصاحف أخرى في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه؟ وما الدور الذي قام به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهم جميعاً في هذه العملية؟ ألم يكن عملهم يتمثل في نقل النصوص القرآنية التي كانت مكتوبة على الرقاع والأكتاف والجلود تحت إشراف النبي ﷺ إلى صحف أكثر تنظيماً وأطول دواماً، سواء كانت من الجلد أو الورق؟
فإذا كان الأمر يقتصر على النسخ الحرفي للنصوص دون تعديل أو تغيير، فما هي طبيعة الخلاف الذي يمكن أن ينشأ حوله؟ إلا إذا كانت كتابة النصوص تتسم بطابع اجتهادي بدلاً من أن تكون وفق نهج ثابت ومحدد، وهو ما يبدو أن الحديث الثاني يشير إليه من خلال تلك العبارة. كما أن تسمية الطريقة التي كُتِب بها القرآن في زمن عثمان بـ”الرسم العثماني” قد تكون مؤشراً آخر على وجود هذا الطابع الاجتهادي في عملية الكتابة.
الرسم العثماني: وحي إلهي أم اجتهاد بشري؟
تُشير الروايات إلى أن زيد بن ثابت في الجمع الأول قام بنسخ ما كُتب تحت إشراف النبي ﷺ إلى مصحف حفصة، ثم عاد في عهد عثمان لينسخ ما نسخه سابقًا إلى المصاحف التي أرسلت إلى الأقاليم. وعليه، يُطرح تساؤل محوري: لماذا أُطلق على هذه النسخة الجديدة الرسم العثماني، بينما كان الأولى أن تُنسب إلى النبي ﷺ، باعتباره المشرف الأول على تدوين الوحي؟
- لو كانت التسمية نسبةً للمصاحف فقط وليس للرسم، لكان الأمر مقبولًا، تمامًا كما سُمّي المصحف الأول بـمصحف حفصة، باعتباره كان محفوظًا عندها.
- غير أن نسبة الرسم نفسه إلى عثمان تعني ضمنيًا أن هناك اجتهادًا بشريًا في طريقة كتابته، وهو ما يتناقض مع الاعتقاد بأن الرسم توقيفي من عند الله، وهو ما يعزز فرضية أن القرآن الكريم كُتب وفق وحي إلهي مباشر، وليس اجتهادًا بشريًا في الخط والكتابة.
التناقضات بين الروايات وأثرها على توثيق القرآن
إن التناقض الواضح بين الروايات الحديثية يجعل من الضروري إعادة النظر في مصدرية القرآن الكريم وطريقة وصوله إلينا. ومن بين الإشكالات التي تطرحها هذه الروايات:
- تقديس الرسم العثماني
- تقديس ما يسمى بـ(الرسم العثماني) رغم عدم وجود دليل قطعي على توقيفيته، فيه دليل على أن هذه القدسية ليست قادمة من كونه رسمًا عثمانيًا كما تحاول الأحاديث أن توحي به، بل لأنه رسم رباني، وهو ما سنثبته لاحقًا أو (ما سنثبته في مقالات قادمة).
- التناقض بين الروايات حول دور النبي ﷺ في جمع القرآن
- إذا كان القرآن قد كُتب منذ البداية بأيدي كتبة الوحي، فلماذا لم يُجمع في عهد النبي ﷺ ويُحفظ كمصحف واحد؟ ولماذا لم يأمر النبي ﷺ بجمعه في كتاب موحد، بدلًا من بقائه متفرقًا؟
- بحسب الروايات، فإن السبب في جمع القرآن بعد وفاة النبي ﷺ كان مقتل الحفّاظ في معركة اليمامة، مما يعزز فرضية أن الاعتماد الأساسي كان على النقل الشفوي وليس الكتابي، وهو ما يتناقض مع فرضية أن القرآن كان محفوظًا كتابةً منذ البداية.
- التوجيه بالكتابة بلسان قريش: إشكالية توحيد الرسم
- يشير حديث عثمان إلى أن الصحابة الذين كُلفوا بالنسخ واجهوا اختلافات في النص، مما دفعه إلى الأمر بكتابته بلسان قريش. وهذا يطرح سؤالًا هامًا: هل كان هناك اختلاف في طريقة كتابة القرآن منذ البداية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان الرسم العثماني اختيارًا لغويًا بشريًا أم أنه وحي منزل؟
منهج البحث في مصادر القرآن: العودة إلى النص القرآني نفسه
أمام هذه التناقضات، كان لا بد من البحث عن إجابة أكثر موثوقية، ليس عبر الروايات التاريخية وحدها، بل من خلال القرآن نفسه. فالقرآن الكريم يصف نفسه بأنه “كتاب مكتوب“ وليس مجرد نص شفهي انتقل بين الأجيال. وعلى سبيل المثال، تشير بعض الآيات إلى أن القرآن كُتب منذ لحظة نزوله:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾
(سورة عبس، 11-16)
تشير هذه الآيات إلى أن القرآن كان مكتوبًا في صحف مكرمة، ما يتناقض مع الروايات التي تفيد بأن جمعه لم يتم إلا بعد وفاة النبي ﷺ. كما أن النص القرآني لم يشر إلى أي دور بشري في اختيار الرسم أو الكتابة، بل يؤكد أن القرآن محفوظ بأمر إلهي:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحجر، 9)
الخاتمة
تُسلط هذه الدراسة الضوء على الإشكالات التي يثيرها الجمع العثماني للقرآن الكريم، وخاصة فيما يتعلق بمفهوم الرسم العثماني وإشكالية التقديس المتأخر لطريقة كتابته. وبينما تستند الروايات الحديثية إلى عملية جمع تدريجية للنص القرآني، يُظهر القرآن الكريم نفسه أنه كان مكتوبًا منذ البداية، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في الطريقة التي تم بها توثيق القرآن عبر العصور.
وعليه، فإن هذه الدراسة تدعو القارئ إلى العودة إلى القرآن نفسه لفهم كيفية نزوله وتدوينه، بدلًا من الاعتماد المطلق على الروايات التاريخية، التي قد تعكس اجتهادات بشرية أكثر من كونها حقائق قطعية.