مقالاتيتدبرون

المترادفات في القرآن ودورها في الفهم العميق للنصوص، الطاعة والاتباع نموذجا

مقدمة

لقد دخلنا في موضوع الحقول اللسانية الواسعة والمتداخلة للمترادفات، حيث نجد الحقول الثلاثية والرباعية والخماسية، بل وحتى السداسية، التي تتسع لحد كبير لتشمل عدداً كبيراً من المترادفات. إن التعامل مع هذه الحقول يُعتبر من الأمور المعقدة للغاية، ويستلزم بالضرورة وجود فريق بحثي متخصص. إذ إن دراسة المترادفات تعتمد في جوهرها على تعدد زوايا النظر إلى المفهوم، وليس فقط إلى المعنى. ولهذا السبب، كلما زاد عدد أعضاء الفريق البحثي، تعددت الرؤى، مما يسهم في بناء مفهوم أكثر تماسكاً ودقة. ومع ذلك، فإن هذا الأمر صعب جداً في هذا العصر الذي تسير فيه عجلة الحياة بوتيرة سريعة تفرض صعوبات على تكوين فرق بحثية متفرغة.

ولهذا، قد وجدنا من الأنسب أن يكون القارؤون أنفسهم جزءاً من هذا الفريق، حيث نرحب بمشاركتهم في مختلف المنصات المتاحة، أو غيرها من الوسائط التي ننشر من خلالها هذا المحتوى. نهدف من خلال هذه المقاربة إلى أن يشارك القارؤون في الجهد المعنوي والعلمي لهذا البحث، وإلى إشراكهم في متعة العمل في مجال المترادفات القرآنية، وهو بحر لا ينضب من المعاني، ومصدر غني للبحث يستمر مع الزمن. فالعمل في هذا المجال قد يستغرق العمر بأكمله، إذ يمكن أن يمضي الإنسان حياته في سبر أغوار المترادفات في القرآن.

وقد تتطلب بعض الابواب المتعلقة بهذه الحقول المختلفة المزيد من البحث والتمحيص، وهنا يأتي دور القارئين في سد هذه الفجوات. فعلى سبيل المثال، إذا رأى أحد القارئين أن لديه رؤية أو تفسيراً أدق مما تم تقديمه، يمكنه إثبات ذلك عبر التعليقات ليتم حفظ حقه الفكري. هذا الأمر يُعتبر ذا أهمية بالغة، إذ نحرص على متابعة التعليقات والرد عليها، وإن وجدنا أن الفكرة الجديدة أكثر اتساقاً، فسنعيد نشر البحث بناءً على تلك الفكرة مع حفظ حقوق الفكرة لصاحبها، وتوضيح أنها جاءت من مساهمته.

إننا ندرك صعوبة هذا المسار البحثي ونسعى لتقديم نماذج توضيحية لبعض الحقول التي نعمل عليها. فعلى سبيل المثال، هناك بعض الحقول اللسانية التي لم نتطرق إليها حتى الآن، لأنها تتطلب جمع كل المترادفات ذات الصلة وتقديم مفاهيم متميزة بينها. من بين هذه الحقول، نذكر الحقل المتعلق باليوم الآخر: يوم الدين، يوم الحساب، يوم التغابن، يوم الفصل، يوم الجمع، يوم الآزفة، يوم القيامة، يوم الحشر، يوم البحث، يوم التناد، واليوم الموعود. عند النظر إلى هذه المفاهيم، نجد أن كل مصطلح منها يحمل دلالة مختلفة، رغم أن جميعها تشير إلى نفس الفترة الزمنية. فمثلاً، يُسمى “يوم الجمع” لأنه يتم فيه جمع الناس، ويُسمى “يوم الحشر” لأن الناس يُحشرون فيه، وهكذا.

ومن هنا يتبين أن هذه الكلمات ليست متطابقة تماماً في المعنى، وإنما تختلف دلالاتها. فعلى سبيل المثال، نجد أن يوم القيامة يُسمى “يوم التناد” في مواضع، و”يوم التغابن” في مواضع أخرى، مما يعني أن الفترة الزمنية المقصودة واحدة، ولكن تختلف صفات هذه الفترة بحسب الحدث أو الظرف الخاص بها.

كما نود تقديم نموذج آخر يتعلق بحقول أخرى من المترادفات، مثل: الإبداء، الإظهار، الإعلان، الإبراز، الإخراج، التجلي، الجهر، الإبانة، الكشف، والبزوغ. كلها مصطلحات قرآنية وردت في سياقات مختلفة، كقوله تعالى:

ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها (النور: 31)،

وكقوله تعالى:

ينفقون أموالهم سراً وعلانية (البقرة: 274)،

إلى قوله تعالى:

فلما تجلى ربه للجبل (الأعراف: 143).

هذه الحقول اللغوية تتطلب فهماً دقيقاً ودراسة متعمقة لتبيان الفروقات الدقيقة بين المفاهيم.

كذلك، هناك حقول معروفة أخرى مثل: الفئة، الشيعة، الحزب، الفوج، الزمرة، السيارة. وكل هذه المفاهيم تحتاج إلى بحث دقيق لمعرفة أبعادها ومعانيها في السياقات القرآنية.

لذلك، فإن تحليل المترادفات ليس بالأمر السهل، ولا يمكن لشخص واحد أن يتولى هذه المهمة بمفرده. فنحن نؤمن بوجود قضيتين أساسيتين في القرآن الكريم، هما دراسة المترادفات وفهم نظام المجموعات الذي عمل عليه بعض العلماء. فإذا تم حل هاتين القضيتين، فإن الفهم الكلي للقرآن الكريم سيصبح أيسر، إذ لن يتبقى سوى 2000 كلمة تقريباً للنظر فيها على مستوى المفاهيم. وهذا لا يعني أن التفسير النهائي للقرآن قد تحقق، بل يعني أننا اقتربنا من بناء نظرة شاملة تمكننا من البحث بشكل أعمق.

نموذج: مفهوم الطاعة والاتباع: الفروق والدلالات

نتناول في هذا البحث حقلًا من أهم الحقول المعرفية، والذي يؤدي إلى الكثير من اللبس والتناحر بين الطوائف والمشتغلين بدراسة القرآن الكريم، وهو مسألة الفرق بين “الطاعة” و”الاتباع”. إن هذا الالتباس يتطلب فهمًا دقيقًا للمفاهيم المتعلقة بهما. فما هو الفرق بين أن يتبع شخص آخر وبين أن يطيعه؟ وكيف يمكننا أن نفهم هذه الفروق في ضوء النصوص القرآنية؟

. مفهوم الاتباع

يمكن تعريف “الاتباع” على أنه عملية اختيارية تتضمن الانقياد لبرنامج أو منهج سلوكي معين. ويتميز الاتباع بأنه لا يتطلب أن يكون الشخص المتبَع على قيد الحياة، بل يمكن أن يكون الاتباع لمنهج وضعه شخص قد توفي منذ زمن بعيد، مثل اتباع منهج أحد العلماء أو قادة الفكر أو مؤسسي الأحزاب السياسية. وعليه، يكون الشخص المتبِع مسؤولًا عن قراره الشخصي في هذا الاتباع، ولا يمكنه إلقاء اللوم لاحقًا على من اتبع منهجه.

على سبيل المثال، يمكن أن يتبع الفرد برنامجًا سياسيًا أو فكريًا وضعه شخص مات منذ قرون، ولا يرتبط الاتباع هنا بشخص المؤسس، بل بالبرنامج الذي وضعه. لذلك، أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، رغم أن إبراهيم كان قد توفي قبل النبي بفترة طويلة. ويشير هذا إلى أن الاتباع يتعلق بالمنهج، وليس بالشخص المتبَع.

تتعلق عملية الاتباع دائمًا بالسلوك والبرامج، كما يتضح من العديد من الآيات القرآنية، مثل قوله تعالى:

ما لهم به من علم إلا اتباع الظن (النساء: 157)،

وقوله تعالى:

وما يتبع أكثرهم إلا ظنًا (يونس: 36).

ومن أمثلة السياقات التي ورد فيها الاتباع في القرآن: اتباع ما أنزل الله، اتباع الداعي، اتباع الهوى، اتباع الهدى، واتباع الملة. وهذا يظهر أن الاتباع يرتبط بالمنهج والسلوك، ويكون الشخص المتبع مختارًا في قراره ومسؤولًا عن اتباعه.

. مفهوم الطاعة

أما الطاعة، فإنها تنطوي على الامتثال لأوامر وأحكام تصدر عن شخص متميز بخواص أو قدرات تجعله أهلًا لإصدار هذه الأوامر. ويجب التأكيد هنا على أن الطاعة ليست بالضرورة مرتبطة بالإكراه، بل قد تكون ناتجة عن الترويض والتطويع. فالطائع ليس بالضرورة مكرهًا، ولكنه يمتثل للأوامر الصادرة عن الشخص الذي يتمتع بقدرة على توجيه الأوامر والأحكام. ولهذا السبب، فإن الطاعة تتعلق بشخص المطاع ذاته، وليس بالمنهج المستقل عنه، وتتطلب أن يكون كل من المطاع والمطيع على قيد الحياة في الوقت نفسه.

من أمثلة ذلك، قوله تعالى على لسان هارون عليه السلام:

ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (طه: 90).

هنا نجد التمييز واضحًا بين الاتباع والطاعة: “فاتبعوني” إشارة إلى اتباع البرنامج أو النهج، و”وأطيعوا أمري” تشير إلى الامتثال للأوامر الصادرة عنه.

. الطاعة والاتباع في ضوء القرآن

عند دراسة الفرق بين الطاعة والاتباع في النصوص القرآنية، نجد أن جميع الأوامر التي تدعو إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تشير إلى طاعته في سياق إصدار الأحكام والتوجيهات المستمدة من الله تعالى. فالرسول صلى الله عليه وسلم ينقل أوامر الله ويبلغها إلى الناس، ومن ثم تكون طاعة الرسول هي طاعة لله، كما في قوله تعالى:

من يطع الرسول فقد أطاع الله (النساء: 80).

فدور الرسول هنا هو البلاغ عن الله، وليس مجرد اتباع منهجه الشخصي.

ولهذا السبب، لم تأتِ في القرآن صيغة “أطيعوا النبي”، بل جاءت صيغة “أطيعوا الرسول”، لأن الطاعة تتعلق بدور الرسول كمبلّغ للأوامر الإلهية. وبذلك، نفهم أن الطاعة هي امتثال للأوامر التي تبلغ عن الله، بينما الاتباع يمكن أن يكون بعد وفاة الشخص المتبَع، لأنه يتعلق بمنهج أو برنامج يمكن اتباعه في أي وقت.

. الفروق بين الطاعة والاتباع

يمكن تلخيص الفروق بين الطاعة والاتباع في النقاط التالية:

  1. الاتباع يتعلق بالمنهج والسلوك والبرامج، ويمكن أن يكون لشخص ميت أو حي. الشخص المتبع يتحمل مسؤولية قراره في الاتباع، ويكون هذا القرار اختياريًا بالكامل.
  2. الطاعة تتعلق بالأوامر والأحكام الصادرة عن شخص يتمتع بصفات أو قدرات تجعله أهلًا لإصدار هذه الأوامر. ولا بد أن يكون المطاع والمطيع على قيد الحياة، لأن الطاعة تقتضي الامتثال لأوامر صادرة بشكل مباشر.
  3. الطاعة ليست إكراهًا: فالطاعة قد تكون اختيارية، كما في قوله تعالى: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا (آل عمران: 83). فالطاعة يمكن أن تكون طوعية، بمعنى الامتثال الاختياري، وليست دائمًا ناتجة عن الإكراه.

. الطاعة والاتباع في السياق العملي

يظهر مفهوم الطاعة والاتباع في الحياة اليومية من خلال الفرق بين الامتثال لأوامر رئيس في العمل، وهو ما يتطلب وجوده الشخصي وتوجيهاته المستمرة، وبين اتباع فكرته أو رؤيته التي يمكن أن تستمر حتى بعد رحيله. فإذا كان الشخص يطيع رئيسه في العمل، فإن ذلك يتطلب وجود الرئيس وتوجيهه المستمر. أما إذا كان يتبع رؤية مؤسس الشركة، فإن اتباعه يستمر حتى لو رحل المؤسس.

في ضوء هذه المفاهيم، يمكننا فهم النصوص القرآنية بشكل أكثر وضوحًا، وتفادي الالتباس الذي ينشأ بين الطاعة والاتباع. فالاتباع يتعلق بالمنهج والسلوك، بينما الطاعة تتعلق بالامتثال المباشر للأوامر، وهذا الفهم يسهم في توضيح العديد من القضايا التي أدت إلى خلافات وتباين في التفسيرات بين الطوائف.

أستاذ ياسر العديرقاوي

أستاذ ياسر العديرقاوي: مفكر ومُثقف إسلامي يتميز برؤيته الثقافية الشاملة ومشروعه الفكري الكبير الذي يسعى من خلاله إلى تقديم منظور جديد للفكر الإسلامي والتدبر في القرءان الكريم. ساهم بشكل بارز في إثراء النقاشات الفكرية من خلال برامجه التلفزيونية التي تناولت بالدراسة والتحليل العديد من الجوانب المتعلقة بالدراسات القرءانية، مما جعله أحد الأصوات المؤثرة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى