مقالاتيتدبرون

من سبقك بهذا القول؟؟ومن قال بهذا من العلماء؟؟

“الرجال يُعرفون بالحق، لا أن يُعرف الحق بهم”؛ مقولة ذهبية نتغنّى بها في المحافل حين نقدّم أنفسنا كمثقفين، لكننا كثيرًا ما نغفل عنها عند التطبيق، خصوصًا إذا تعلّق الأمر بالفكر والدين.

لا تزال آلية الطعن في آراء المفكرين والباحثين بذريعة “تفردهم بالقول” إحدى أبرز أدوات أنصار الموروث الديني التقليدي. وهي آلية كاشفة عن هشاشة في التعامل مع معيار الحق، وناطقة بتقديسٍ مستترٍ للأشخاص على حساب الفكرة. والمفارقة أن المقصود بقولهم “من سبقك إلى هذا القول؟” لا يتصل غالبًا بتوثيق الفكرة أو نسبتها في سياقها العلمي، بل هو اشتراط ضمني بأن يكون القائل منسوبًا إلى من يُطلق عليهم “السلف الصالح” أو “العلماء الربانيين” وفق التصنيف الطائفي الخاص بهم. فإن لم يكن كذلك، رُفض القول واستُهجن، ولو استند إلى برهان راسخ ودليل محكم.

في هذا السياق، يتضح أن كثيرًا منهم لا يحتكم إلى قوة الحجة أو اتساق الفكرة مع النصوص والعقل، بل إلى اسم قائلها. فالمشروعية عندهم لا تُستمد من البناء العلمي للفكرة، بل من علاقتها بإحدى الشخصيات الرمزية في التراث الإسلامي. وهكذا يُقصى المنهج الموضوعي في النقد، ليحل محله “سند القول” بدلًا من “برهانه”.

ويتجاهلون – عمدًا أو غفلة – القاعدة الأصولية الراسخة:

“الرجال يُعرفون بالحق، لا يُعرف الحق بالرجال”؛
فالحق هو المعيار، وبه يُوزن صدق القائل، لا العكس. ومن رام معرفة أهل الحق، فعليه أن يتحرّى الحق في ذاته، لا أن يتتبع أسماء القائلين كأنها نصوص لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

وقد قرّر القرآن هذه القاعدة المنهجية في قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[الزمر: 17-18]

فالآية لم تشترط لقبًا علميًا أو هوية مخصوصة لمن يُتّبع قوله، بل جعلت مناط الاهتداء هو اتباع أحسن القول، لا الانتماء ولا اسم المتكلم. وهنا يتأسس أصل قرآني قاطع يُقصي التقديس الأعمى، وينبذ الاتباع غير المشروط لأي شخص مهما علا قدره أو ذاع صيته.

إنّ أقوال الصحابة والتابعين والأئمة الكبار — مع الإقرار بمكانتهم العلمية وريادتهم في سياقاتهم التاريخية — ليست أدلة قائمة بذاتها، بل هي اجتهادات بشرية تخضع للفحص والنقد، وتُعرض على كتاب الله وسنن الكون ومقتضيات العقل والبرهان. فما وافق الحق منها قُبِل، وما خالفه رُدّ، إذ “فأبى الله أن يصح إلا كتابه”.

فمن أراد أن يحتج بأقوالهم، فلا يجوز له أن يُلبسها ثوب العصمة أو يجعلها حُجّة مُلزِمة بذاتها، بل عليه أن يُبيّن الأساس الذي تستند إليه تلك الأقوال، ومدى اتساقها مع مقاصد الشريعة، وأصول المنطق، ومراعاة متغيرات الواقع. إن الاجتهادات — مهما سمت — تظل محاولات إنسانية قابلة للمراجعة، ولا يصح رفعها إلى منزلة “النص المقدس”.

وفي زماننا المعاصر، ومع الانفجار المعرفي والثورة الرقمية المدفوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح الوصول إلى الأقوال المدونة والفتاوى التراثية في متناول الجميع. بل إن محركات البحث أضحت تغني — في غير قليل من المواضع — عن الرجوع إلى أهل الذكر بمعناهم التقليدي. وعليه، فإن تكرار المقولات القديمة لمجرد صدورها عن “فقيه مشهور” دون تدعيمها ببرهان جديد، لم يعد له وزنٌ معرفي معتبر.

فإذا لم يكن للباحث بصمة فكرية، أو قراءة متجددة واعية تنبع من فحص النصوص في ضوء معطيات العصر، فإنه لا يتجاوز كونه ذاكرة ناطقة، لا تنتمي إلى إنتاج المعرفة ولا تُسهم في تجديد الفهم.

وصدق من قال:

“متى اعتُرضَ الرّيبُ في مع الأوّلِ منهم، حتى صِرتَ تقارن مثل هؤلاء بالنظائر!”

فالعقول الحيّة لا تهتدي بالأسماء، ولا تختبئ خلف ألقاب، ولا تُحنّط مستقبل الأمة بخصوصياتٍ تاريخية قد مضى زمانها. بل إن العقل الباحث عن الحق ينفذ إلى جوهر الفكرة، ويزنها بميزان الحجة والبرهان، دون التفاتٍ إلى هوية القائل.

ومن هنا، فإن الباحث الحق لا يقف عند الأعتاب، ولا يهاب الأسوار، بل يتوغل إلى لبّ المعنى والمقصد والمضمون، ما دام العقل يشهد له والمنطق يأذن له بالمرور. فليست الغاية حفظ أقوال من سبق، بل التفاعل معها نقدًا وتحليلًا وتجديدًا، وفاءً للحق لا للأشخاص.

أستاذ ياسر العديرقاوي

أستاذ ياسر العديرقاوي: مفكر ومُثقف إسلامي يتميز برؤيته الثقافية الشاملة ومشروعه الفكري الكبير الذي يسعى من خلاله إلى تقديم منظور جديد للفكر الإسلامي والتدبر في القرءان الكريم. ساهم بشكل بارز في إثراء النقاشات الفكرية من خلال برامجه التلفزيونية التي تناولت بالدراسة والتحليل العديد من الجوانب المتعلقة بالدراسات القرءانية، مما جعله أحد الأصوات المؤثرة في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى