مقالات

ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

اتباع أحسن القول: قراءة قرآنية في مراتب الحُسن لا في أقوال الرجال

ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ
اتباع أحسن القول: قراءة قرآنية في مراتب الحُسن لا في أقوال الرجال

اعتبر كثير من المفسرين الأوائل أن كلمة “القول” في هذه الآية تشير إلى الاستماع إلى أقوال العلماء والمفسرين، كالشافعي وابن حنبل ومالك، وربما ابن باز والعثيمين، في مسألة معينة، ثم اختيار أحسن هذه الأقوال واتباعه. غير أن هذا الفهم يبدو بعيدًا عن الصواب.

فالله سبحانه وتعالى قال: “اتبعوا”، ولم يقل: “اعقلوا”. وإذا طبقنا هذا الفهم على أقوال الأئمة، فمعناه أن المطلوب هو اتباع أقوالهم اتباعًا مباشرًا، دون إعمال للعقل أو نظر في الدليل فإذا قالوا عن شيء إنه حرام قلنا بتحريمه، وإذا قالوا إنه حلال قلنا بحله، من غير تفكر أو تدبر. وهذا لا يستقيم، لأن القرآن يدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر فيما يعتقده ويتبعه.

في هذه الآية جاءت كلمة “القول” معرفة، وهذا يدل على أنها تشير إلى قول واحد محدد، لا إلى مجموعة أقوال متعددة. ثم جاء الأمر الإلهي باتباعه في قوله: “فاتبعوه”، مما يعني أن المطلوب هو اتباع هذا القول المعيّن، وهو قول الله تعالى المتمثل في القرآن الكريم، دون الخروج عن هذا الكتاب.

لكن الفهم الأدق للآية يبيّن أن داخل هذا القول نفسه مراتب في التعبير والهداية؛ فهناك قول حسن، وهناك قول أحسن، كما يظهر من أمثلة متعددة في القرآن. على سبيل المثال:

( ١ ) قوله تعالى :

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

في هذه الآية نجد أن فدية طعام مسكين تمثل قولًا حسنًا، بينما قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يمثل القول الأحسن. وهذا يبيّن أن القرآن يذكر أكثر من خيار، لكنه يوجه إلى الأفضل منها.

( ٢ ) وقوله تعالى:

﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

يتضح هنا أن إظهار الصدقات قول حسن، كما في قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾، أما إخفاؤها وإيتاؤها للفقراء فهو القول الأحسن، كما في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

( ٣ ) وقوله تعالى:

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ… ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾

في هذه الآية، يكون نكاح الإماء عند الاضطرار قولًا حسنًا، كما في قوله: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾، أما الصبر فهو القول الأحسن، كما في قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.

فهذه الأمثلة تبيّن بوضوح أن القرآن يفرّق بين الحسن والأحسن، ويُرشد دائمًا إلى اتباع الأفضل.

 

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى