مقالات

السِّحر في القرآن

من صناعة الإدراك إلى إعادة قراءة هاروت وماروت

السِّحر في القرآن: من صناعة الإدراك إلى إعادة قراءة هاروت وماروت

المقدمة

من أكثر المفاهيم التي تراكمت حولها تصورات تتجاوز النص القرآني مفهوم السحر.

فقد تحوّل السحر في الوعي الشائع إلى قوة خفية يستطيع بها شخص أن يدخل في جسد إنسان آخر، أو يسلبه إرادته، أو يتحكم في قراراته، أو يعطّل زواجه ورزقه، أو يمرضه عن بُعد، حتى أصبح وصف «المسحور» تفسيرًا جاهزًا لكثير من الحالات النفسية والاجتماعية والجسدية.

لكن السؤال ليس: ماذا قيل عن السحر بعد القرآن؟

بل: ماذا سمّى القرآن سحرًا؟ وكيف وصف آلية عمله؟ وأين يقع أثره؟ وما حدوده؟

وعند جمع الآيات يتبين أن القرآن يقدم صورة مختلفة جذريًا.

فالسحر في النموذج القرآني الواضح يقوم على معرفة وصناعة وكيد وتخييل وتأثير في الإدراك يستطيع صاحبه أن يبهر المتلقي ويخيفه ويضلل تقديره، وربما يدفعه بذلك إلى اتخاذ قرارات تضر به، لكنه لا يتحول إلى قوة مستقلة تتحكم في إرادة الإنسان أو تكسر السنن التي أقام الله عليها الواقع.

والمدخل اللافت لهذا المفهوم يأتي من سؤال وضعه القرآن على لسان المكذبين أنفسهم: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:3].

أولًا: لماذا قال ﴿السِّحر﴾ مع ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾؟

قال تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.

هذه الآية مهمة لأنها تربط بين مفهومين متقابلين: السحر ، و: الإبصار. فالذين ظلموا يريدون صد الناس عن الرسول، فيقولون لهم: كيف تأتون ما نزعم أنه سحر وأنتم تبصرون؟

ولو كان السحر قوة قهرية تستولي على الإنسان بصرف النظر عن إدراكه، لما كان لقيد: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ هذه القوة.

فالسؤال نفسه يكشف تصورًا للسحر قائمًا على التأثير في الإدراك ولذلك يصبح الإبصار الواعي عنصر مقاومة له.

لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذه العبارة صدرت عن الظالمين، ولذلك لا نبني تعريف السحر عليها وحدها، بل نجعلها مفتاحًا أوليًا ثم نختبره في المواضع التي وصف القرآن فيها السحر نفسه.

وهنا يأتي مشهد موسى.

ثانيًا: القرآن يخبرنا أين وقع السحر

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:116].

هذه من أهم الآيات في تعريف السحر. لم يقل: سحروا أجساد الناس ، ولا: سيطروا على إرادتهم ، ولا: غيّروا حقيقة الأشياء. بل حدد محل العملية:

﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾.

ثم ذكر نتيجة أخرى: ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾. إذن لدينا مسار واضح: تأثير إدراكي → رهبة نفسية.

فالإنسان يرى مشهدًا صُنع بطريقة تتجاوز قدرته الآنية على تفسيره، فيتغير إدراكه، ثم يتولد من الإدراك الخاطئ خوف حقيقي. وهذا يفسر كيف يكون السحر مؤثرًا من غير أن يكون خارقًا للسنن.

الصورة قد تكون مخادعة، لكن الخوف الناتج عنها حقيقي.

 

ثالثًا: طه تحسم المسألة: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾

قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه:66].

هذه الآية تكشف آلية السحر بدقة أكبر : الحبال والعصي موجودة ، لكن الذي وقع هو: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ أنها:﴿تَسْعَىٰ﴾.

هناك إذن فرق بين: ما هو موجود في الواقع ، وبين ما تشكل في إدراك المشاهد. وهذه هي المساحة التي يعمل فيها السحر.

فالساحر لا يحتاج إلى تغيير السنن المادية؛ يكفي أن يمتلك معرفة بالأداة أو الحركة أو التوقيت أو الإدراك تجعلك ترى النتيجة على غير حقيقتها.

رابعًا: السحر «صناعة»

قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه:69].

تكررت كلمة: ﴿صَنَعُوا﴾ ، وهذا شديد الأهمية. فالقرآن لا يصف ما فعلوه بأنه خلق جديد للواقع، وإنما: صناعة. والصناعة تحتاج إلى: معرفة، وأداة، وتركيب، وتدريب، وتوقيت، وإتقان. ثم سمّى الناتج: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾.

إذن السحر ليس قدرة ذاتية مطلقة، بل كيد مصنوع. وهذا يفسر أيضًا وصف الساحر بأنه: ﴿سَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. فالعلم جزء أساسي من الظاهرة.

خامسًا: لماذا ﴿سَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾؟

قال الملأ: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:109]. ثم طلبوا: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:112].

لم يبحثوا عن أي ساحر ، بل عن: ﴿سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. وهذا يؤكد أن السحر مرتبط بفارق معرفي. فقد يمتلك شخص معرفة بظاهرة أو تقنية أو طريقة عرض لا يعرفها الجمهور، فيبدو فعله لمن يجهل آليته أمرًا خارقًا. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتغير أشكال السحر بتغير السقف المعرفي للإنسان.

فأشياء كثيرة يستطيع الإنسان اليوم إنتاجها بالصورة والصوت والإضاءة والخداع البصري والمؤثرات الرقمية كانت ستبدو لإنسان قديم شيئًا لا يستطيع تفسيره.

ولا يعني هذا أن كل تقنية حديثة تسمى قرآنيًا «سحرًا»، وإنما المثال يوضح كيف يستطيع فارق المعرفة أن ينتج الانبهار والتخييل.

سادسًا: السحر يمكن أن يكون عظيمًا دون أن يكون خارقًا

قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ ، فالعظمة هنا لا تقتضي تغيير قوانين الكون. فقد يكون الأثر: عظيمًا في الإبهار، عظيمًا في الخداع، عظيمًا في إخافة الجمهور، عظيمًا في قدرته على توجيه الرأي والقرار. وهذا ينسجم تمامًا مع قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾.

فالسحر عظيم في أثره على المتلقي، لا لأنه أصبح قوة مستقلة عن سنن الله.

سابعًا: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾

قال موسى: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:81]. هنا لم يعد وصف السحر صادرًا عن فرعون أو الملأ.

موسى نفسه يصنف ما جاء به السحرة: ﴿السِّحْرُ﴾ ، ثم يقول: ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾. فالسحر له أثر، وإلا لما احتاج إلى إبطال. لكنه في الوقت نفسه: قابل للإبطال.

ثم تأتي القاعدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. إذن السحر: ليس عدمًا، وليس قوة مطلقة. بل: صناعة تأثيرية مفسدة يمكن أن تنجح مرحليًا في تضليل الإدراك، لكنها لا تملك حقيقة مستقلة تجعلها فوق السنن أو عصية على الانكشاف.

ثامنًا: لماذا لا يفلح الساحر؟

قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾. هذه قاعدة عامة ، قد: يُبهر، ويخدع، ويخيف، ويكسب الجولة الأولى، لكنه لا يفلح. لأن الفلاح يحتاج إلى نتيجة قابلة للقيام والاستمرار، بينما السحر يعتمد على فجوة بين الحقيقة و إدراك الحقيقة. ومتى انكشفت الآلية، انهار سلطان السحر.

ولهذا كان أول من أدرك حقيقة ما جرى أمام موسى هم السحرة أنفسهم؛ لأنهم أصحاب المعرفة بالصناعة، فعرفوا حدود صناعتهم عندما واجهوا ما ليس منها.

تاسعًا: السحر لا يغير الواقع، لكنه قد يغير القرار

هنا يجب تجنب الطرف المقابل أيضًا. إذا قلنا إن السحر يعمل في الإدراك، فهذا لا يعني أنه بلا آثار واقعية. فالإنسان يتصرف بحسب ما يدركه : إذا جعلتني  أرى خطرًا غير موجود، فقد أهرب ، وإذا أقنعتني بأن إنسانًا يخونني، فقد أقطع علاقتي به ، وإذا صنعت أمام جمهور صورة كاذبة، فقد يتخذ الجمهور قرارًا حقيقيًا بناء عليها.

إذن: السحر لا يحتاج إلى تغيير الواقع مباشرة يكفي أن يغير إدراك الإنسان للواقع، فيقوم الإنسان نفسه بإنتاج النتيجة الواقعية.

وهذه الآلية تساعدنا لاحقًا على فهم كيف يمكن لتغيير الإدراك أن ينتج تفريقًا واقعيًا، دون أن يعني ذلك أن ما يتعلمونه من الملكين هو السحر نفسه .

عاشرًا: البقرة 102 — الآية التي اختلط فيها مساران

قال تعالى:

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.

المشكلة الكبرى في قراءة هذه الآية هي جمع كل عناصرها في قصة واحدة: سليمان، والشياطين، والسحر، والمَلَكان، وهاروت وماروت، وبابل. لكن بنية الآية نفسها تفرق بين مسارين.

الحادي عشر: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ لا «في ملك سليمان»

قال: ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ، ولم يقل: في ملك سليمان. وهذا الفرق مهم.

«في» كانت ستجعل الحدث واقعًا داخل المجال الزمني أو المكاني للملك ، أما: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ﴾ فتجعل الفعل واقعًا على منظومة الملك نفسها؛ أي أن ما تتلوه الشياطين أُلصق بملك سليمان أو شُغّل عليه أو حُمّل فوق بنيته.

ولهذا يأتي التصحيح مباشرة: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. فالقضية ليست مجرد تحديد زمن ، بل: فصل سليمان عن المنظومة التي أُلصقت بملكه.

فالشياطين ليست مخلوقات غيبية كانت تقرأ تعاويذ فوق مملكة سليمان ، بل يمكن فهمها: واتبعوا ما كانت شبكات التضليل والانحراف تتداوله وتعيد نسبته أو تشغيله على منظومة ملك سليمان.

﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.

وهنا يصبح الربط مع تعريف السحر شديد الوضوح: شبكة بشرية أو معرفية متشيطنة تمتلك معرفة بالتضليل والتخييل والتأثير في الإدراك، ثم تقوم بتعليمها وتداولها وإلصاقها بملك سليمان

الثاني عشر: من الذي يعلّم السحر؟

النص واضح: ﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.

الشياطين: جمع ، ولذلك: ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ جمع. وهنا انتهت نسبة تعليم السحر إلى فاعل معلوم: الشياطين يعلمون الناس السحر. ثم ينتقل النص إلى: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ًمثنى ، فتتغير الصيغة إلى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾. وهذا التحول من: يعلمون إلى: يعلمان ليس تفصيلًا عابرًا. إنه يفصل فاعلين ومسارين. والأهم: لم يقل القرآن: «وما يعلمان من أحد السحر» ، ولم يقل: «فيتعلمون منهما السحر».

 

السحر ذُكر صراحة في تعليم الشياطين، ولم يُذكر في تعليم المَلَكين.

الثالث عشر: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾

هنا تظهر أهمية «ما». القراءة التي ينتظم معها السياق بصورة قوية هي أن: «ما» نافية، كما في الجملة السابقة: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾.

فتصبح: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ = ولم يُنزَّل على المَلَكين.

وعندها ينتظم التسلسل:

﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾: نفي.

﴿وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾: إثبات المسؤولية.

﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: تحديد ما يعلمونه.

﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: نفي.

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ…﴾: نفي مشروط.

فتصبح الآية سلسلة تصحيحات وفواصل، لا قصة واحدة متصلة عن «سحر أُنزل على ملكين».

الرابع عشر: لماذا ﴿أُنزِلَ﴾ بالمبني للمجهول؟

لم يقل: وما أنزل الله على الملكين ، بل: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. وهذا يحذف جهة الإنزال من العبارة لأن مركز القضية هو: نفي وقوع الإنزال نفسه.

أي أن النص لا يحتاج إلى مناقشة: من أنزله؟ ومع قراءة ﴿ما﴾ نافية يصبح مركز العبارة نفي وقوع الإنزال، ولذلك لا يحتاج التركيب إلى تسمية جهة الإنزال. وبذلك يسقط أصلًا بناء التصور القائل إن المعرفة المرتبطة بالمَلَكين «سحرٌ أُنزل عليهما» أو أن الله أنزل إليهما السحر ليعلّماه للناس.

الخامس عشر: المَلَكان لا يلزم أن يكونا شخصين

التثنية تثبت وجود وحدتين في البنية، لكنها لا تجبرنا بذاتها على تصويرهما رجلين مجنحين يقفان أمام الناس. فالقرآن يعرض المَلَك في إطار الوظيفة والتنفيذ:

﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ومن هنا يفتح النص إمكان قراءة ﴿الملكين﴾ بوصفهما وحدتين وظيفيتين تنفيذيتين، بدل افتراض صورة بشرية أو تجسيدية لهما ابتداءً .

ثم يأتي بعدهما: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ ليفتح إمكان فهم طبيعة هاتين الوظيفتين.

السادس عشر: قاعدة «ـوت» تفتح هاروت وماروت

من الاستعمال القرآني يمكن اختبار بنية «ـوت» في: طالوت، جالوت، طاغوت، ملكوت، هاروت، ماروت. وقد انتهينا إلى القاعدة التشغيلية:

«ـوت» تحول المعنى السابق لها من فعل أو حالة جزئية إلى كينونة متحققة تقوم بها الدلالة وتعمل من خلالها.

أي باختصار: ـوت = تحويل المعنى إلى كينونة.

فـ: طغى → طاغوت : ليست مجرد واقعة طغيان، بل كينونة أصبح الطغيان فيها مرجعية قائمة.

و: ملك → ملكوت : انتقال من الملك إلى كينونة الملك الجامعة.

ومن هنا نختبر: هاروت ، و: ماروت.

السابع عشر: هاروت — من ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾

قال تعالى:

﴿عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾ [التوبة:109]. الهَار ليس شيئًا انهار بالفعل فقط، بل بنية اختل تماسكها وأصبحت قابلة للانهيار. وعليه: هار + وت يمكن قراءتها:

هاروت = كينونة الهَور؛ أي وظيفة خلخلة التماسك البنيوي.

الثامن عشر: ماروت — من ﴿تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾

قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور:9].

وقال: ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:16].

المور يدل على خروج الشيء من الاستقرار إلى حركة واضطراب.

وعليه: مار + وت تعطي:

ماروت: كينونة المور؛ أي وظيفة إدخال المستقر في الاضطراب والحركة.

فتظهر ثنائية دقيقة:

هاروت: اختلال التماسك.

ماروت: اختلال الاستقرار.

الأول يصيب البنية، والثاني يصيب حركتها.

التاسع عشر: ماذا عن ﴿بِبَابِلَ﴾؟

قال تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. لفهم ﴿بِبَابِلَ﴾ لا نبدأ من افتراض معنى سابق للفظ، بل من بنيته نفسها.

بابل تأتي على بناء فاعل، وهو بناء قرآني واضح في العلاقة بين الفعل وفاعله:

حَمَلَ ← حامل

عَمِلَ ← عامل

سَأَلَ ← سائل

جَهِلَ ← جاهل

وعلى البناء نفسه: بَبَلَ ← بابل . لكن البناء الصرفي وحده لا يحدد معنى «ببل»، ولذلك نرجع إلى الأثر الذي يكشفه السياق نفسه.

فالآية تقول بعد ذلك: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. لدينا إذن رابطة قائمة بين طرفين، ثم معرفة يمكن تشغيلها بما يجعل هذه الرابطة قابلة للتفريق.

ومن هنا يمكن ضبط المجال الدلالي:

بَبَلَ: خلخل انتظام رابطة قائمة حتى أصبحت أطرافها قابلة للانفصال والتفريق.

وعليه:

 

بابل: فاعل أو مجال فاعل يُحدث خللًا في انتظام رابطة قائمة، فينقلها من حالة التماسك إلى حالة تصبح فيها أطرافها قابلة للانفصال والتفريق.

ولا تعني «بابل» التفريق نفسه؛ لأن القرآن عبّر عن النتيجة بلفظها الصريح: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾. فـ«بابل» تسبق التفريق وظيفيًا: تماسك → خلخلة الترابط → قابلية للانفصال → تفريق.

أما القرآن فلم يقل «بابل» مجردة، وإنما قال: ﴿بِبَابِلَ﴾.

والباء تدخل «بابل» في كيفية التشغيل، فيصبح المعنى:

بِبَابِلَ: تشغيل ضمن فاعلية تُخلخل تماسك الروابط وتجعل أطرافها قابلة للانفصال والتفريق.

وهذا ينسجم مباشرة مع وصف الملكين: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾. فـبابل تحدد المجال الجامع للخلخلة، وهاروت تتصل بخلخلة تماسك البنية، وماروت بانتقالها إلى الاضطراب وعدم الاستقرار.

فتصبح البنية:

بابل → خلخلة الترابط

هاروت → اختلال التماسك

ماروت → اضطراب الاستقرار

﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ → النتيجة الممكنة عند تشغيل هذه المعرفة في التفريق.

ومن هنا لا تكون ﴿بِبَابِلَ﴾ تفصيلًا عابرًا في الآية، بل تحدد طبيعة المجال الذي تعمل داخله وظيفتا هاروت وماروت، والذي يمكن أن ينتهي سوء تشغيل المعرفة فيه إلى تفكيك رابطة قائمة.

وبذلك يكون التعريف المعتمد:

بابل: فاعلية تُخلخل انتظام الروابط القائمة وتجعلها قابلة للانفصال والتفريق.

بِبَابِلَ: تشغيل ضمن هذه الفاعلية التي تمس تماسك الروابط وتفتح إمكان الفصل بين أطرافها.

العشرون: إذن ماذا يعلّم المَلَكان؟

قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. لاحظ مرة أخرى: لم يقل: يعلمان السحر. بل ترك موضوع التعليم مفتوحًا، ثم كشف أثر ما يتعلمه الناس: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. إذن لدينا معرفة يمكن أن تستخدم في: التفريق. وهذا ينسجم مع: هَور التماسك، ثم مور العلاقة، ثم انهيار الاقتران. لكن المعرفة نفسها ليست بالضرورة «سحرًا». فالقرآن لم يسمها كذلك.

الحادي والعشرون: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾

هذه العبارة تكشف طبيعة المعرفة. إنها: فتنة. أي أن امتلاكها يضع الإنسان أمام اختبار في طريقة استخدامها.

ولهذا جاء التحذير قبل التعليم: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. فالمتعلم يعرف مسبقًا أن أمامه قدرة يمكن تحويلها إلى أداة فساد.

ثم يختار ، ولهذا قال بعد التحذير: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾. فالإنسان ليس ضحية قوة سيطرت عليه ، بل هو فاعل متعلم مختار.

الثاني والعشرون: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ وليس «ما يفرّق»

وهذه من أدق عبارات الآية. لم يقل: ما يفرق بين المرء وزوجه ، بل: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾. أي أن المعرفة لا تعمل بذاتها ، هناك فاعل: هم ، وهناك أداة: به.

 

إذن: الإنسان يستخدم ما تعلمه أداة للتفريق.

وهذا بعيد جدًا عن تصور مادة سحرية مستقلة تدخل شخصًا فتتحكم فيه.

الثالث والعشرون: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾

المثال المباشر هو اقتران المرء بزوجه ، لكن «الزوج» في بنيته يدل على طرف داخل اقتران. ولذلك يكشف المثال قانونًا أوسع: معرفة نقاط اتصال كيانين ثم ضرب مواضع التماسك بينهما.

وقد يتحقق ذلك في العلاقة الزوجية بأدوات شديدة البساطة: معلومة كاذبة، إشاعة، إيهام، إثارة غيرة، تزوير واقعة، إخفاء معلومة، تضخيم خوف، زرع شك. لا يحتاج الأمر إلى السيطرة الغيبية على الزوجين.

يكفي أن يتغير إدراك أحدهما للآخر ، ثم يقوم الإنسان نفسه بالباقي.

وهنا يلتقي هذا المقطع مع مفهوم السحر من جهة التأثير في الإدراك، دون أن يعني ذلك أن تعليم المَلَكين هو نفسه السحر الذي سبق ذكره. وهذه أمثلة على آليات يمكن أن تؤدي إلى التفريق، وليست كل واحدة منها في ذاتها «سحرًا»؛ لأن القرآن لم يسمِّ معرفة المَلَكين سحرًا أصلًا.

الرابع والعشرون: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾

هذه الجملة تضع الحد الفاصل أمام أي تصور لقدرة مطلقة. قال: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾. والنفي مع «من أحد» يستغرق المجال: ليس لديهم ضمان لإيقاع الضرر بأي إنسان يريدونه. فالإنسان ليس جهازًا يمكن تشغيله من الخارج بمجرد معرفة «سر» معين.

الخامس والعشرون: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

الإذن هنا لا يلزم أن يعني أن الله يعطي الساحر في كل حالة تصريحًا خاصًا: «اذهب واضرر فلانًا».

بل يمكن فهمه سننيًا: لا يقع الأثر إلا داخل القوانين والشروط التي أذن الله أصلًا بقيامها في خلقه.

فالخداع يحتاج إلى قابلية للخداع ، والإشاعة تحتاج إلى من يصدقها ، والغيرة تحتاج إلى مدخل ، والخوف يحتاج إلى مثير ، والتفريق يحتاج إلى ثغرة في العلاقة.

إذا غابت شروط التأثير، فشل الفعل ، ولهذا: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. لا أحد يملك نظام تأثير مستقلًا عن نظام الله.

السادس والعشرون: الضرر يرتد إلى المتعلم

قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾.

كان ظاهر هدفهم: الإضرار بالآخر ، لكن القرآن ينقل مركز الضرر إليهم: ﴿يَضُرُّهُمْ﴾. فالإنسان الذي يحول معرفته إلى صناعة: الخداع، والتفريق، والإفساد، لا يبني نفسه، بل يهدمها. ولهذا انتهى المسار إلى:

﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾.

السابع والعشرون: هل يوجد في القرآن «إنسان مسحور» بمعنى مسلوب الإرادة؟

من أهم الآيات هنا: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:47].

فالقول إن الرسول: ﴿رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ وضعه القرآن على لسان: ﴿الظَّالِمُونَ﴾. وهذا يمنع اتخاذ هذه الآية دليلًا على وجود حالة قرآنية ثابتة اسمها «الرجل المسحور».

 

لكن ينبغي كذلك ألا نعكس الاستدلال فنقول إن الآية وحدها تجعل كل من وصف شخصًا بالمسحور ظالمًا؛ لأن القرآن يحكم هنا على قوم مخصوصين واتّهام مخصوص للرسول.

الحجة الأقوى أوسع من ذلك: لا يقدم القرآن في مواضع السحر نموذجًا واضحًا لإنسان سُلِبت إرادته عن بُعد بفعل ساحر.

بل النموذج القرآني الواضح للسحر هو: عين تُخدع، إدراك يُخيّل إليه، نفس تُرهب، كيد يُصنع، ومعرفة تُستعمل للتأثير والتفريق. وهذا هو الأساس الأقوى لنقد مفهوم «المسحور» الشائع.

الثامن والعشرون: السحر والتقنيات الحديثة

يمكن تقريب الفكرة للإنسان المعاصر دون مساواة الأشياء ببعضها.

تخيل شخصًا قبل قرون يرى اليوم: صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، أو فيديو مزيفًا لشخص يتحدث بما لم يقله، أو خدعة مسرحية متقدمة، أو إسقاطًا ضوئيًا، أو مؤثرًا بصريًا شديد الواقعية.

قد يرى شيئًا بعينه وهو غير قادر على معرفة آلية صناعته. هل تغيرت سنن الكون؟ لا. هل ما رآه يمكن أن يخيفه ويؤثر في قراره؟ نعم. وهذا يوضح الفرق بين:

تغيير الحقيقة و: تغيير إدراك الحقيقة.

والثاني وحده قد تكون له نتائج اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية هائلة.

التاسع والعشرون: الفرق بين السحر والمعرفة المرتبطة بالمَلَكين

بعد جمع الآية لا ينبغي دمجهما.

السحر: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. مرتبط بالشياطين.

ويكشفه مشهد موسى بأنه: تخييل، وصناعة، وكيد، وتأثير في العين والإدراك، واسترهاب.

معرفة المَلَكين: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ…﴾. ثم ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾. القرآن لم يسمها سحرًا. وهي معرفة فتنة يمكن إساءة استخدامها في تفكيك الاقتران.

إذن يوجد تقاطع في إمكانية الإفساد والتأثير، لكن لا يوجد نص يجيز لنا مساواة المجالين.

وهذا التفريق من أهم مفاتيح البقرة 102.

الثلاثون: التعريف المغلق للسحر

بعد جمع مواضع السحر يمكن اقتراح التعريف التالي:

السِّحر: صناعة معرفية أو أدائية تُنشئ لدى المتلقي إدراكًا أو تقديرًا غير مطابق لحقيقة الشيء، باستعمال معرفة أو أدوات أو ترتيب يتفوق به الساحر على إدراك المتلقي، فينتج عن ذلك انبهار أو خوف أو تضليل يمكن أن يؤثر في قراره وسلوكه، من غير أن يمنح الساحر قدرة مستقلة على تغيير سنن الواقع أو سلب إرادة الإنسان.

وبصيغة مختصرة:

السحر: صناعة التأثير في الإدراك بما يجعل الإنسان يرى أو يقدّر الشيء على غير حقيقته.

أما نتيجته فقد تتجاوز الإدراك لأن الإنسان يتصرف وفق ما أدركه.

الحادي والثلاثون: ما الذي يستطيع الساحر فعله وما الذي لا يستطيع؟

يستطيع الساحر أن: يبهرك، يخدع عينك، يصنع لك صورة غير حقيقية، يخيفك، يستغل نقص معرفتك، ويدفعك بسبب ذلك إلى قرار خاطئ.

لكنه لا يملك من خلال السحر: إرادتك، ولا: قلبك، ولا: قرارك بصورة قهرية، ولا: سنن الله.

ولهذا يمكن تلخيص المفهوم كله في جملة:

الساحر يستطيع أن يخدعك حتى تؤذي نفسك بقرارك؛ لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى صاحب قرارك.

الخاتمة

الصورة التي يرسمها القرآن للسحر تختلف جذريًا عن الصورة التي ترسخت لاحقًا.

فالسحر القرآني ليس قوة غيبية مستقلة تتحكم بالبشر، وإنما صناعة معرفية تأثيرية تعمل أساسًا عبر الإدراك والتخييل والانبهار والخوف.

وقد كشف مشهد موسى بنيته بوضوح: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ ، ثم: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ﴾ ، ثم: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾. أما البقرة 102 فلا تقول إن المَلَكين يعلمان السحر؛ بل تنسب تعليم السحر صراحة إلى الشياطين بصيغة الجمع: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، ثم تنتقل إلى المَلَكين بصيغة التثنية: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾،

وتصف ما يأخذه الناس منهما بوظيفته: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾،

لا باسم «السحر». ومع قراءة: ﴿وَمَا أُنزِلَ﴾ على أنها نفي، تتغير صورة الآية كلها: فلا سحر أُنزل من السماء على مَلَكين، وإنما تصحيح لنسبة السحر إلى سليمان، وتحديد للشياطين بوصفهم معلّميه، ثم حديث عن معرفة أخرى ذات طبيعة اختبارية يمكن للإنسان أن يتعلم منها آليات الهَور والمور والتفريق وأن يسيء استخدامها.

وتفتح ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدورها بنية دلالية متماسكة فـ«بابل» فاعلية تُخلخل انتظام الروابط القائمة وتجعلها قابلة للانفصال والتفريق، و«هاروت» كينونة اختلال التماسك، و«ماروت» كينونة اضطراب الاستقرار. ثم تأتي النتيجة الممكنة عند إساءة تشغيل المعرفة: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.

وهنا تكتمل البنية: خلخلة الرابط، ثم اختلال تماسكه، ثم اضطراب استقراره، حتى يصبح التفريق ممكنًا. لكن القرآن لا يقول إن هذه المعرفة هي «السحر» فالسحر نُسب تعليمه صراحة إلى الشياطين، بينما انتقل النص بعد ذلك إلى معرفة أخرى مرتبطة بالملكين وحذّر من سوء تشغيلها.

وبذلك تتحول الآية من التصور الشائع عن «سحر أُنزل على ملكين» إلى نص شديد الدقة في الفصل بين مسارين: سحر تعلّمه الشياطين للناس، ومعرفة أخرى يمكن أن يتعلمها الإنسان ويحوّلها إلى أداة للتفريق، بعد أن حُذّر مسبقًا من الكفر بها وسوء استخدامها.

فالقرآن لا يقدم الساحر سيدًا على الإنسان، ولا المعرفة قوة تعمل بذاتها؛ بل يبقى الإنسان فاعلًا ومسؤولًا عن بصره وإدراكه واختياره وكيفية تشغيل ما تعلمه.

السحر يستطيع أن يصنع الوهم ويؤثر في القرار، لكنه لا يمنح الساحر سلطانًا مطلقًا على إرادة الإنسان.

توجد أبحاثٌ مساندة لهذا المقال لمن أراد التوسّع والاستزادة، ويمكن الرجوع إليها في تطبيق «الدلالات» ضمن: السلاسل ← قسم المقالات :

١ )﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: لماذا «ما» نافية؟

٢) الشيطان في القرآن من هو؟ وكيف يعمل؟ وما حدود سلطانه؟

٣)مفهوم «المُلك» في قوله تعالى: ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾

٤ )مفهوم «تلا» في القرآن

٥ )مفهوم «ـوت» في القرآن

٦ )مفهوم «بابل» في القرآن

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى