مقالات

﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾

حين ساوى الموروث بين «لم» و«لا» فأدخل الصغيرات في أحكام الطلاق

﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: حين ساوى الموروث بين «لم» و«لا» فأدخل الصغيرات في أحكام الطلاق

قال تعالى:

﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]

تعرض الآية حالاتٍ لا يمكن فيها اعتماد الدورة المعتادة للمحيض معيارًا مباشرًا لحساب العدة، ولذلك تنقل الحكم إلى معيار آخر واضح يمكن ضبطه.

ويمكن فهم بنية الآية من خلال ثلاث فئات.

أولًا: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾

هذه المرأة كان المحيض من طبيعتها، وكان واقعًا عليها، ثم وصلت إلى حالة يئست فيها من عودته. فالمشكلة هنا واضحة: العدة المرتبطة بالمحيض لم تعد قابلة للحساب بالطريقة المعتادة، لأن المحيض انقطع. ولهذا جعل النص عدتها: ﴿ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. فانتقل الحساب من الدورة الجسدية إلى الزمن المعياري.

ثانيًا: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾

هنا يقع موضع الإشكال الأكبر في القراءة الموروثة. فالنص لم يقل: «واللائي لا يحضن» ، وإنما قال ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. والفرق بين الصيغتين مهم:

«لم» تنفي تحقق فعلٍ داخل في مجال الإمكان أو التوقع، أي أن الفعل كان ممكنًا أو منتظرًا، ولكنه لم يقع لسبب حال دون تحققه. فنقول مثلًا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ، فالمس في ذاته ممكن، ومريم قادرة من حيث طبيعتها البشرية على أن يمسها بشر، لكنها نفت وقوع هذا الفعل عليها. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، فعدم تحقق الولادة هنا ليس مجرد خبر عن فعل لم يقع عرضًا، بل يرجع إلى حقيقة الله وصمديته ووحدانيته التي تمنع أصل تحقق هذا الوصف فيه. إذن «لم» لا تعني مجرد غياب الفعل، بل تنظر إلى فعلٍ لم يتحقق لوجود ما يمنع تحققه، ويُعرف نوع هذا المانع من السياق.

وعندما يقول النص: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ، فهو يتحدث عن نساء يكون الحيض داخلًا في مجال طبيعتهن وتوقعه، ولكنه لم يتحقق لديهن. وهذا يختلف عن طفلة لم تدخل أصلًا في مرحلة المحيض؛ لأن الحيض عندها لم يصبح بعد فعلًا متوقعًا تعطل أو مُنع، بل هي لم تبلغ المرحلة التي يقع فيها أصلًا.

ومن هنا يظهر الخلل في القراءة التي تعاملت مع: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾ ، وكأن النص قال: «لا يحضن» : أي الحيض لا يقع منهن أو هن في حالة يُنفى عنها الحيض بصيغة عامة ، ثم جعلت الآية تشمل الفتيات اللاتي لم يبلغن سن المحيض.

فالآية لم تقل «الصغيرات»، ولم تقل «اللائي لم يبلغن»، ولم تقل «اللائي لم يدركن المحيض»، وإنما استخدمت تركيبًا مختلفًا تمامًا: ﴿لَمْ يَحِضْنَ﴾.

ثالثًا: دلالة ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾

وهذه العبارة من أهم مفاتيح الآية. يشيع تفسير «الريب» بالشك، وكأن معنى الآية: «إن شككتم في عدتهن» ، لكن القرآن يفرق بين الشك والريب.

فالشك يتعلق بالتردد في إثبات الشيء أو عدمه، أما الريب فيتعلق بوجود خلل أو اضطراب أو أمر غير مطمئن في الشيء نفسه.

ولهذا يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ، فنفي الريب عن الكتاب ليس مجرد نفي الشك في وجوده، فالكتاب موجود أمام المخاطبين، وإنما هو نفي وجود الخلل والاضطراب والتناقض في محتواه.

وعليه، فقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في سياق المحيض يمكن قراءته على أنه إشارة إلى وجود حالة غير طبيعية أو غير مستقرة في منظومة المحيض نفسها. فالآية تتناول امرأة لا يمكن اعتماد حيضها المعتاد لضبط العدة:

إما لأنها يئست من المحيض، وإما لأن المحيض المتوقع منها لم يتحقق بسبب حالة أو عارض، فيصبح المحيض نفسه معيارًا غير صالح للحساب.

 

وهنا تأتي وظيفة: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾  أي إذا ظهرت في حالة المحيض ريبة؛ اضطراب أو خلل يجعل الاعتماد عليه غير ممكن، انتقل الحكم إلى معيار ثابت: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. فالثلاثة أشهر ليست حكمًا متعلقًا بعمر المرأة، وإنما بديل حسابي عن المحيض عندما يتعذر اعتماده معيارًا للعدة.

رابعًا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾

ثم تنتقل الآية إلى حالة مختلفة تمامًا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. فهنا يوجد معيار أقوى وأوضح من المحيض ومن حساب الأشهر، وهو الحمل نفسه. ولذلك جعل القرآن نهاية العدة مرتبطة بانتهاء الحمل: ﴿أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.

وبذلك تصبح لدينا ثلاثة أوضاع:

1.المرأة التي انتهى محيضها.

2.والمرأة التي كان المحيض متوقعًا منها ولكنه لم يتحقق أو اضطرب.

3.والمرأة الحامل التي يصبح وضع الحمل هو معيار انتهاء عدتها.

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى