مقالات

سلسلة منظومة الطلاق في القرآن

الجزء الرابع:﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: لماذا قال «زوجًا» ولم يقل «رجلًا»؟

الجزء الرابع

سلسلة منظومة الطلاق في القرآن

﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾: لماذا قال «زوجًا» ولم يقل «رجلًا»؟

قراءة دلالية في النكاح والزوجية والتراضي

قال تعالى:

﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ۝ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

)البقرة: 229-230(

هناك كلمة في هذه الآية تمر غالبًا من غير أن يُتوقف عند اختيارها: ﴿زَوْجًا﴾. فالآية لم تقل: حتى تنكح رجلًا غيره ، ولم تقل: حتى تنكح شخصًا غيره، وإنما قالت:

﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذا الاختيار ليس تفصيلًا لغويًا صغيرًا لأن «الرجل» يصف فردًا، أما «الزوج» فيصفه من داخل علاقة اقتران.

ومن هنا يبدأ السؤال: هل يكفي في الآية أن يوجد رجل آخر ويُجرى معه عقد، أم أن النص يشترط أن ينتج النكاح زوجًا؟

أولًا: النكاح ليس هو المسّ

قبل تحليل كلمة ﴿زَوْجًا﴾ ينبغي تثبيت نقطة أساسية؛ لأن الخلط بينها وبين النكاح سيمنع الوصول إلى دلالة الآية.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾

)الأحزاب: 49(

ترتيب الآية حاسم: ﴿نَكَحْتُمُ﴾ ، ثم: ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ثم:﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾. إذن النكاح قد تحقق، ثم وقع الطلاق، مع أن المس لم يقع أصلًا. فلا يصح أن نجعل «النكاح» مرادفًا للمس أو العلاقة الجسدية.

النكاح في بنيته القرآنية هو دخول تعاقدي ملزم يُنشئ اندماجًا داخل منظومة من الحقوق والمسؤوليات والآثار، ولذلك سماه القرآن: ﴿عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235]. ومن هنا فإن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ﴾ يعني دخولها في نكاح آخر، لا مجرد تحقق فعل جسدي. لكن الآية لم تتوقف عند الفعل: ﴿تَنكِحَ﴾، بل حددت ما ينبغي أن ينتجه هذا النكاح: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهنا موضع الدقة.

ثانيًا: لماذا لم يقل «حتى تنكح رجلًا غيره»؟

لو كان المقصود مجرد إدخال رجل آخر بين العلاقة الأولى وإمكان العودة إليها، لكان التعبير بـ«رجل» كافيًا من حيث تحديد فرد آخر. لكن القرآن لم يحدد جنس الطرف فقط، وإنما حدد موقعه داخل العلاقة: ﴿زَوْجًا﴾.

والزوج ليس مجرد رجل وُضع اسمه في عقد. الزوج هو أحد طرفي زوجية قائمة؛ أي اقتران بين طرفين أصبح كل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر داخل بنية زوجية. ولهذا فهناك فرق دلالي بين قولنا: رجل آخر ، وبين: زوج آخر. الأول يحدد الشخص ، أما الثاني فيحدد العلاقة التي أصبح الشخص قائمًا فيها. وهذا يعني أن التركيب: ﴿تَنكِحَ زَوْجًا﴾ يجمع بين مستويين:

النكاح: آلية الدخول التعاقدي الملزم.

الزوج: الحالة العلائقية التي ينتجها هذا الدخول.

فليس السؤال في الآية: هل مرّ رجل آخر؟ بل: هل قامت زوجية أخرى مستقلة؟

ثالثًا: «غيره» تقطع امتداد العلاقة الأولى

ثم لم يقل النص: ﴿حتى تنكح زوجًا﴾ فقط ، بل قال: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. و«غيره» هنا شديدة الأهمية؛ لأنها تنقل المرأة خارج دائرة الزوج الأول إلى زوجية أخرى ليست امتدادًا له. أي أن الرجل الأول لم يعد هو المركز الذي تُبنى عليه المرحلة التالية.

هناك الآن: زوج آخر ، علاقة أخرى ، قرار آخر ، ومسار آخر مستقل عن العلاقة السابقة. ولهذا لا يقول القرآن للمرأة: تزوجي غيره لكي تعودي إليه.، بل يقول عن الأول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. لاحظ اتجاه الحكم: المنع واقع على إمكان عودتها إليه. وليس في الآية أمر للمرأة بأن تبحث عن زوج آخر: فقد لا تنكح بعده أصلًا ، وقد تنكح زوجًا آخر وتستمر معه بقية حياتها. فالزوجية الجديدة ليست مرحلة واجبة في طريق العودة إلى الأول؛ بل قد تكون هي النهاية الكاملة لعلاقتها به.

رابعًا: الآية لا تصنع «محلِّلًا»

وهنا تظهر خطورة اختزال: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ إلى مجرد رجل يُدخل في المشهد لأداء وظيفة مؤقتة. لأننا إذا قلنا إن الرجل الثاني يدخل أصلًا من أجل إعادة المرأة إلى الأول، فقد جعلنا العلاقة الثانية تابعة للأولى. بينما النص فعل العكس تمامًا. لقد أخرج المرأة من العلاقة الأولى، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. أي إن النكاح الجديد يجب أن ينتج علاقة يكون فيها الآخر زوجًا، لا أداةً للزوج السابق.

والدليل البنيوي الأقوى يأتي في الكلمات التالية مباشرة:

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ . لم يقل: فإذا طلقها، بل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. أي إن طلاق الزوج الجديد ليس نتيجة مقررة سلفًا للنظام، وإنما فرع احتمالي. قد يطلقها، وقد لا يطلقها، وقد تستمر الزوجية الجديدة. فلو كان دخوله مجرد إجراء مقصود منه أن يطلقها حتى تعود إلى الأول، لما بقي طلاقه احتمالًا داخل البنية لأنه سيكون قد دخل العلاقة وهو يحمل نهايتها معه.

أما القرآن فينشئ أولًا: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ، ثم يفتح احتمالًا جديدًا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. وهذا يعني أن الزوجية الثانية قائمة لذاتها، لا لخدمة الزوجية السابقة.

خامسًا: «إن» تكشف استقلال الزوجية الجديدة

وهنا تظهر قيمة «إن» في الآية. قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾. إن طلقها ، ليس: عندما يطلقها ، وليس: بعد أن يطلقها. فالطلاق الثاني المذكور هنا ليس محطة يجب أن تمر بها المرأة، وإنما احتمال قد ينشأ داخل الزوجية الجديدة.

وهذا يغيّر صورة الآية تمامًا. فالمرأة لا تنتقل من: الأول ← الثاني ← الأول بحسب مسار مرسوم سلفًا. وإنما تنتقل إلى زوجية جديدة مستقلة ، فإن استمرت، فلا يوجد أصلًا رجوع إلى الأول ، وإن انتهت لاحقًا، ينشأ عندها فقط سؤال جديد: هل يمكن للطرفين الأولين أن يتراجعا؟

وهنا يقول النص: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. حتى بعد انتهاء الزوجية الجديدة، لم يجعل القرآن العودة آلية. بل أعادها إلى معيار المنظومة: ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. أي أن السؤال لم يعد: هل يريد كل منهما الآخر؟ ، بل: هل يستطيعان هذه المرة إقامة حدود الله داخل العلاقة؟

سادسًا: ولماذا قال ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؟

التعبير نفسه لافت. لم يقل: أن يُرجعها ، بل: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. والصيغة هنا متبادلة بين الطرفين. فالعلاقة التي انتهت لا يعيدها أحد الطرفين منفردًا بمجرد إرادته. إنما الحديث عن تراجع بينهما: ﴿عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾. ثم يأتي الشرط متعلقًا بهما أيضًا: ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. البنية كلها ثنائية: عليهما، يتراجعا، ظنا ، يقيما.  وهذا ينسجم مع مفهوم الزوجية نفسها: ليست سلطة أحادية، بل اقتران طرفين داخل منظومة لها حدود.

سابعًا: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ تكشف المبدأ نفسه

وتزداد الصورة وضوحًا في الآيات التالية.

قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232].

وهنا ينبغي التوقف عند: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾، لم يقل: ﴿إن تراضوا﴾. فالآية تتحدث عن الحالة عند تحقق التراضي بالفعل. إذا تحقق التراضي بينهم بالمعروف، فلا يحق للمحيط الاجتماعي أن يتحول إلى سلطة تعطل قرار الطرفين: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. وهذا يكشف مبدأً مهمًا في منظومة النكاح:

النكاح لا يُبنى على إرادة طرف ثالث ، لا الزوج السابق، ولا الأسرة، ولا المجتمع، ولا أي طرف خارجي يملك أن يصنع العلاقة بدل أصحابها متى تحقق بينهم التراضي بالمعروف. ولهذا كان التعبير: ﴿تَرَاضَوْا بَيْنَهُم﴾. فالقرار يتشكل داخل المجال العلائقي نفسه.

ثامنًا: «إذا تراضوا» تهدم فكرة النكاح المصنوع

وهنا تلتقي: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مع: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾. فالنكاح الذي يبنيه القرآن ليس مسرحية قانونية يُدخَل فيها شخص لتحقيق غرض شخص آخر. إنه علاقة تقوم على التراضي، وتنتج زوجية، وتدخل تحت حدود الله.

ولهذا فإن اختزال الزوج الثاني إلى رجل يُستدعى باتفاق سابق، ثم يُجرى معه عقد، ثم يُخرج من المشهد لكي تعود المرأة إلى الأول، يصطدم ببنية النص من جهتين:

الأولى أن القرآن لم يقل «رجلًا»، بل: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. والثانية أنه لم يجعل انتهاء هذه الزوجية مقررًا، بل قال:

﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. فالزوجية الثانية يجب أن تكون قابلة بطبيعتها لأن تستمر. وإلا لم تعد زوجية مستقلة، بل تحولت إلى إجراء تابع للعلاقة الأولى.

تاسعًا: لا حاجة إلى اختراع شرط لم يقله النص

قد يُقال: إذن لا بد من اشتراط العلاقة الجسدية حتى نضمن أن الزواج الثاني حقيقي. لكن هذه الإضافة ليست ضرورية، بل تصطدم بالتفريق القرآني الواضح بين النكاح والمس.

فقد قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾. إذن القرآن يستطيع أن يفرق بين النكاح والمس، وقد فعل. فلماذا ندخل «المس» في قوله:﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مع أن الآية لم تقله؟ الحاجز الحقيقي أمام التحايل موجود داخل العبارة نفسها:

﴿تَنْكِحَ زَوْجًا﴾. فالنكاح يجب أن ينشئ زوجية حقيقية، لا أن يكون عقدًا صوريًا صُمم منذ البداية لكي ينتهي.

عاشرًا: ما الحكمة إذن؟

الحكمة التي تكشفها البنية ليست معاقبة المرأة. فالآية لم تقل لها: اذهبي فانكحي غيره، وإنما قالت عن الرجل الأول: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾. أي إن العلاقة الأولى لا تبقى بابًا مفتوحًا يستطيع الرجل الدخول منه والخروج ثم العودة كلما شاء. فعند نقطة معينة يفقد إمكانية إعادة تشغيل العلاقة مباشرة ، وتخرج المرأة من مداره.

فإن دخلت بعد ذلك في نكاح آخر، فإن هذا النكاح ليس تابعًا له، بل ينشئ: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وقد تستمر مع هذا الزوج ولا تعود إلى الأول أبدًا. فإن انتهت هذه الزوجية من ذاتها: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ فعندها فقط يمكن أن يظهر احتمال الرجوع إلى العلاقة السابقة، وحتى هذا الاحتمال لا يفتح بلا قيد: ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.

إذن القضية ليست «رجلًا يحلل امرأة لرجل». القضية هي قطع قدرة العلاقة الأولى على إعادة إنتاج نفسها بلا حدود، والاعتراف باستقلال علاقة زوجية جديدة إن نشأت بعد ذلك.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى