
الإذن
التعريف المعياري الدقيق
الإذن هو:
إطلاق النفاذ أو الاعتماد أو السماح لفعل أو قول أو أمر أن يقع أو يُعتد به ضمن سلطان أعلى.
فالإذن ليس هو الإرادة؛ لأن الإرادة تحدد القصد والمآل.
وليس هو المشيئة؛ لأن المشيئة هي المجال الحاكم العام. بل الإذن هو فتح مخصوص داخل هذا المجال يسمح بوقوع شيء أو إقراره أو تمريره أو الاعتداد به.
1) الإذن التشريعي: الاعتماد المعتبر
من أوضح الأدلة:
﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾
هنا الإذن لا يعني “شاء الله” فقط، بل يعني: هل صدر لكم اعتماد شرعي صحيح؟ فالتحليل والتحريم والتشريع لا يكون بمجرد الهوى أو الظن، بل يحتاج إلى إذن معتبر من الله. إذن فالإذن في هذا الباب تعني ترخيص تشريعي نافذ.
2)الإذن التنظيمي والاجتماعي: السماح المنضبط
مثل:
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾
﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾
﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾
﴿حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾
﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾
هنا الإذن هو السماح المعتبر داخل سلطة منظمة للعلاقات والأفعال. فهو ليس مشيئة كونية، ولا قصدًا غائيًا، بل اعتماد نافذ يجيز فعلًا معيّنًا: دخولًا، خروجًا، تخلفًا، تصرفًا.
3) الإذن في الشفاعة والكلام والموت والنصر: فتح النفاذ لما لا ينفذ بذاته
من الآيات:
﴿لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ﴾
﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾
﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ﴾
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ … بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
﴿وَتُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾
هذه المواضع تكشف حقيقة بالغة الأهمية:
هناك أفعال أو آثار لا تملك النفاذ الذاتي، بل لا تقع ولا تُعتدّ بها إلا إذا فُتح لها الباب من السلطان الأعلى.
فالشفاعة لا تنفذ بذاتها. والكلام يوم الفصل لا يطلق لكل أحد. والموت لا يقع استقلالًا عن الإذن. والنصر الذي يخالف ظاهر موازين القوى لا ينفذ إلا بإذن. وإحياء الموتى ليس قدرة مستقلة لعيسى، بل واقع بإذن الله.
فالإذن هنا هو: فتح النفاذ لفعل لا يستقل بذاته بالنفاذ.
4) الإذن والإعلان: الإطلاق السمعي العام
من الآيات:
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾
﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾
هنا خرج الجذر إلى معنى الإعلان المسمَع.
فالتأذين هو إطلاق خبرٍ إلى المجال العام على صورة نداء نافذ. وهذا متصل بأصل الإذن؛ لأن كليهما يتضمن إطلاق شيء ليبلغ حيّز الاعتبار:
- فالإذن يطلق الفعل ليصح ويُعتدّ به
- والتأذين يطلق الخبر ليُسمع ويُعلن ويعمّ
5) الإذن بوصفه استجابة خاضعة للأمر الأعلى
من ألطف المواضع: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾
هذا الموضع يثبت أن الإذن لا يقتصر على معنى “التصريح”، بل يدل هنا على الانقياد والاستجابة والخضوع لما صدر من الله. فكأن الأرض أو السماء قد دخلت في طور الامتثال التام للأمر. وبذلك يتسع المعنى ليشمل:
انفتاح الشيء على الأمر الأعلى وقبوله النفاذ فيه.
6) الأذن العضو: ليست من تعريف الإذن، لكنها تضيء أصل الجذر
مثل:
﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾
﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾
﴿آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾
هذه المواضع ليست من باب “إذن الله” اصطلاحًا، لكن فيها صلة جذرية؛ لأن الأذن هي موضع التلقي السمعي. ومن هنا يفهم الامتداد الدلالي للمادة نحو: السماع، والإعلام، والإطلاق، والسماح، والقبول.
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



