
المشيئة هي:
المجال الحاكم لوقوع الأشياء وحدود إمكانها وكيفية جريانها، بما يشمل السنن، وفتح المسارات، وترك الاختيار، ومنع القهر، والاستثناء.
فالمشيئة ليست هي الغاية المقصودة، بل البنية التي يقع الشيء داخلها أو لا يقع. ولهذا فهي أوسع من مجرد “القوانين الطبيعية” بالمعنى الضيق؛ لأنها تشمل أيضًا ترك الناس للاختلاف، وعدم الإكراه على الإيمان، وحدود العلم، ومجال النفاذ، والاستثناءات.
1) المشيئة بوصفها سلطان الإمكان والوقوع
من أوضح الآيات:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾
هذه المواضع لا تتحدث عن “قصد قيمي” بالدرجة الأولى، بل عن الصورة التي كان يمكن أن يكون عليها الواقع لو فُعل على وجه آخر. فالمشيئة هنا هي سلطان تحديد صورة الوقوع: يمكن أن يقع الإيمان العام، ويمكن أن يقع المنع من القتال، ويمكن أن يقع جمع الناس على أمة واحدة، ولكن الواقع جرى على صورة أخرى لأن نظام الابتلاء والاختيار هو الذي فُتح.
إذن المشيئة هنا : حيز الإمكان الجاري به العالم.
2) المشيئة بوصفها حدّ النفاذ والاستثناء
من الآيات المحكمة:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
﴿خَالِدِينَ فِيهَا … إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾
هذه المواضع تكشف أن المشيئة هي سقف الإحاطة وحدّ النفاذ ومجال الاستثناء. فلا علم إلا في الحد الذي شاءه الله، ولا نفع ولا ضر إلا في المجال الذي فتحه، ولا عموم إلا مع وجود احتمال استثناء يحدده الله. ومن هنا فالمشيئة ليست مجرد قانون فيزيائي، بل النطاق الذي يُسمح فيه للوقوع أن يجري.
3) “إن شاء الله”: تعليق تحقق المراد على المجال الحاكم
مثل:
﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾
﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾
الإنسان هنا قد يريد، ويقصد، ويعزم، لكن تحقق ما أراده لا يكون مستقلًا عنه، بل داخل المشيئة الحاكمة.
فالمشيئة هنا لا تُبطل إرادته، لكنها تضعها في موضعها الصحيح: الإنسان يقصد، لكن لا يقع مقصوده إلا إذا جرى في المجال الذي شاءه الله.
4) “فمن شاء”: مشيئة الإنسان الجزئية داخل المشيئة الإلهية
من الآيات:
﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾
﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾
﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾
هذه الآيات تثبت أن للإنسان حيز اختيار، لكنه حيز لا يستقل عن المشيئة العليا. ولذلك جاء الضابط في آية أخرى:
﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾
فمشيئة الإنسان جزئية تابعة، تعمل داخل المجال الإلهي الكلي، وليست مشيئة موازية له. وهنا يتبين الفرق بين باب الإرادة وباب المشيئة: فالإرادة هي تعيين الوجهة، أما المشيئة فهي حيز تحقق هذه الوجهة أو عدم تحققها.
5)المشيئة وترك الاختلاف وعدم القهر
من أهم المواضع:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هذه الآيات شديدة الأهمية؛ لأنها تبين أن المشيئة ليست فقط سننًا مادية، بل أيضًا اختيار بنية العالم على صورة الامتحان لا على صورة الجبر. ولهذا نفي الإكراه، وأثبت السؤال عن الأعمال. فلو كانت المشيئة هنا تعني الجبر فقط لبطل السؤال، ولكن القرآن جمع بين المشيئة وبين المسؤولية، فدل على أن المشيئة هي إطار الاختبار لا إلغاء الاختيار.
خلاصة باب المشيئة
المشيئة إذن هي:
النظام الحاكم الذي تتحدد به حدود الإمكان، ومسارات الوقوع، وحيز الاختيار، والاستثناء، وعدم الإكراه.
ولهذا كانت أوسع من القانون الطبيعي الضيق، وأدق من أن تُجعل مرادفة للإرادة.
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



