مقالات

هل قُتل يحيى حقًا؟

قراءة قرآنية تعيد فتح الملف

ربما لو سألتم الناس اليوم : ما أكثر شيء تذكرونه عن يحيي بن زكريا عليهما السلام؟ لعلّ كثيرًا منهم سيجيب بقصة قتله، وتلك الصورة الشائعة لتقديم رأسه — عليه السلام — للبغي، مع أنه الذي قال الله فيه: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾.

لكنّي أقول: عند التحقيق في هذه الروايات والأخبار، فإنها لا تثبت، ولا تقوم على دليل صحيح. بل الذي يظهر – من خلال النظر في النص القرآني – أن يحيى عليه السلام لم يُقتل. وهذا هو السبب الرئيسي الذي من أجله خصصت هذا الموضوع، لأعرض أدلتي على أن يحيى لم يُقتل.

قال الله عز وجل عن يحيى عليه السلام:

﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾

وهذا النص – عند التدبر – يحمل دلالة كافية على نفي القول بقتله؛ ذلك أنه لو كان يحيى قد قُتل فعلًا، لما جاء التعبير بـ: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾، لأن القتل – في لسان القرآن وفي العربية – ليس هو الموت.

وإليكم الدليل على هذا التفريق:

قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ، وقال أيضًا: ﴿وَلَئِن مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، وقال كذلك: ﴿ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾

وقال في سورة الأحزاب: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ . كل هذه الآيات تُظهر بوضوح أن الله سبحانه وتعالى يفرّق بين القتل والموت، إذ لو كانا شيئًا واحدًا لما عُطف أحدهما على الآخر. ومن هنا يتبيّن أن:

  • القتل: حالة مخصوصة، سببها تدخل خارجي يؤدي إلى إزهاق النفس
  • الموت: حالة عامة، نهاية الأجل، وقد تقع دون تدخل خارجي

فكل مقتول ميت، لكن ليس كل ميت مقتولًا. فالموت قد يكون بسبب المرض أو انتهاء الأجل الطبيعي، ولذلك قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ولم يقل: كل نفس ذائقة القتل. فالقتل سببه تدخل خارجي يُتلف الجسد ويؤدي إلى إزهاق النفس، سواء كان ذلك من عدو أو غيره، بقصد أو بغير قصد. أما الموت، فليس بالضرورة أن يكون نتيجة هذا التدخل، بل هو انتهاء الأجل.

فإذا تقرر هذا الفرق، ظهر وجه الاستدلال في قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ . وفي هذا — عند التأمل — كفاية من الأدلة لإثبات أن يحيى عليه السلام لم يُقتل.

المطلب الثاني: حياة يحيى – هل هو حي أم ميت الآن؟

نأتي الآن إلى السؤال الثاني: هل يحيي بن زكريا حي أم ميت اليوم؟

 

نلاحظ أولًا أن الله قال عنه: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾، والذي يظهر من هذه الصياغة أنه لم يكن ميتًا وقت نزول الآية، أليس كذلك؟ لأنه لو كان قد مات، لكان التعبير: “وسلام عليه يوم ولد ويوم مات”، لكنه قال: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾، فجاء بالفعل بصيغة المضارع التي تدل على الاستقبال.

وهذا يعني – في ظاهر اللفظ – أن الموت لم يكن قد وقع بعد، وهي نقطة دقيقة ينبغي التوقف عندها وتأملها.

قد يقول قائل: إن هذا الخطاب كان موجّهًا إلى زكريا عليه السلام عند ولادة يحيى. لكن هذا القول يفتقر إلى دليل من السياق؛ لأننا إذا نظرنا في تسلسل الآيات في سورة مريم نجد أن الخطاب قد انتقل،
حيث يقول تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)﴾ .
فنلاحظ أن الخطاب وُجّه إلى يحيى بعد أن كان موجّهًا إلى زكريا، ثم لم يأتِ ما يدل على عودة الخطاب لغيره، وكأن السياق تحوّل إلى تقرير خبري عن يحيى، كما جاء في نفس السورة عند الحديث عن عيسى بن مريم :  ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.

ومن جهة أخرى، نلاحظ أن عيسى عليه السلام قال عن نفسه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ،

 بينما قال الله عن يحيى:

 ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
 وهنا يظهر تشابه واضح بين التعبيرين. فإن كان عيسى بن مريم حيًا إلى اليوم — كما هو القول المعروف — فما الذي يجعلنا نجزم بأن يحيى قد مات، مع أن الخبر عنه جاء بصيغة: ﴿يَوْمَ يَمُوتُ﴾، وهي لم تتحقق بعد وقت الإخبار؟

قد يُقال إن عيسى هو الذي قال عن نفسه ذلك، بخلاف يحيى الذي جاء الخبر عنه من الله. لكن يمكن أن يُجاب عن ذلك بأن عيسى – كنبي و رسول  – لا يتكلم من عند نفسه، وإنما بوحي ، فلا يُتصور أن يقول في مثل هذا المقام إلا ما أُوحي إليه. كما أن الفرق بين التعبيرين:

  • في عيسى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾
  • وفي يحيى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾

لا يكفي للجزم بأن أحدهما أَولى أو أَقوى من الآخر من حيث الدلالة.

ومن يتدبر القرآن يلحظ وجود تقارب كبير بين حال يحيي بن زكريا و عيسى بن مريم، سواء في السياق أو في الصياغة، وهذا يفتح باب النظر في احتمال تشابه حالتهما. ولهذا أميل – ترجيحًا – إلى أن حال يحيى قد تكون مشابهة لحال عيسى، أي أنه قد يكون حيًا كما هو القول في عيسى، والله أعلم.

عند تتبّع الاستعمال القرآني، يُلاحظ أن تركيب (ويوم) إذا جاء متبوعًا بفعلٍ مضارع، فإنه يحمل دلالة الاستقبال، أي الإشارة إلى حدثٍ لم يقع بعد، بل يُستحضر بوصفه ضمن مشهدٍ آتٍ. ويتكرر هذا النمط في مواضع عديدة من القرآن،

  • مثل قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾،
  • وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾،
  • وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾،
  • وكذلك: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾،

حيث يدل الفعل المضارع في جميع هذه السياقات على أحداثٍ مستقبلية مرتبطة بمشاهد لم تتحقق بعد. وعليه، فإن هذا النسق الاستعمالي يدعم فهم قوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ على أنه إشارة إلى حدثٍ مستقبلي، لا إلى أمرٍ وقع وانتهى، مما ينسجم مع القاعدة الجارية في هذا التركيب في الخطاب القرآني.

وعليه، فإن قوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ يُفهم  على أنه دالٌّ على المستقبل، انسجامًا مع النمط القرآني في استعمال (ويوم) مع الفعل المضارع. ويُضاف إلى ذلك دلالة الاسم نفسه: يحيى، إذ يحمل في بنيته معنى الحياة، ولا يتضمن ما يشير إلى القتل أو الانقطاع، بل قد يفتح باب الاحتمال إلى امتداد الحياة أو خصوصيتها في حق هذا النبي.

ومع ذلك، فإن هذا لا يقتضي الجزم ببقائه حيًا إلى اليوم، إذ إن المقارنة مع عيسى بن مريم تُظهر أن القول بحياته قائم على أدلة أخرى متعدّدة، بخلاف يحيى الذي لا يُستدل له إلا من خلال هذا السياق. ومن ثمّ، لا يصح التوسّع بالقول إن جميع الأنبياء أحياء لمجرد عدم ورود خبر صريح بموتهم في القرآن.

أما ما يُستدل به من بعض الروايات – كالرواية المنسوبة إلى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري والتي أوردها ابن عساكر – ففيه إشارة إلى أن يحيى يرث زكريا،

استنادًا إلى قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.

غير أن هذا يثير إشكالًا مع القول المشهور في التفاسير بأنه مات قبل أبيه؛ إذ يظل السؤال قائمًا: ما وجه الإرث إن انقطع قبل تحقق الامتداد؟

ثم تأتي خصوصية التسمية في قوله: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، وهي خصوصية اختلف في معناها: فقيل لا نظير له، وقيل لا مثيل، وقيل لم يُسمَّ أحد باسمه من قبل. غير أن حملها على مجرد السبق في التسمية يبدو ضعيفًا من حيث القيمة الدلالية، إذ لا يُعد ذلك ميزة نوعية بحد ذاته، بخلاف حملها على التفرد في الصفة أو المقام.

ويُعزّز هذا النظر ورود لفظ (سميًّا) مرة أخرى في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، حيث يتجه المعنى إلى المماثلة والنظير، لا مجرد الاشتراك في الاسم. ومن هنا، فإن اسم يحيى لا يبدو مجرد عَلَم، بل يحمل دلالة وظيفية مرتبطة بحقيقته.

وقد تعددت أقوال المفسرين في سبب التسمية: فقيل أُحيي بالإيمان والنبوة، وقيل أُحيي به الناس بالهدى، وقيل اشتُق من اسم الله الحي، وقيل لإحياء رحم أمه. وكلها محاولات لفهم البعد الدلالي للاسم، وهي في أصلها تشير إلى أن أسماء الأنبياء في القرآن ليست اعتباطية، بل تعكس وظيفة أو خصوصية.

وعليه، يبقى السؤال مفتوحًا: ما وجه التفرد في “الحياة” عند يحيى؟ هل هو نجاة من القتل؟ أم حياة معنوية خاصة؟ أم امتداد وجودي غير مألوف؟ كل هذه احتمالات، لكن الجزم بأحدها يحتاج إلى دليل قاطع.

أما القول بأنه لم يُقتل وأنه ما يزال حيًا أو رُفع، فليس طرحًا منفردًا، بل قيل به عند بعض أهل العلم، وإن ظل في دائرة الاحتمال لا القطع، والله أعلم.

وفي ختام هذا الموضوع، يمكن طرح فرضية تأملية مفتوحة للنظر، لا على سبيل الجزم، بل في إطار البحث: ماذا لو كانت خصوصية يحيى – كما يدل اسمه – مرتبطة بالحياة نفسها، أي بنمطٍ مغاير من “الحياة” لا ينتهي بالموت على الصورة المعتادة؟ وماذا لو كان ثَمَّة خلط تاريخي في بعض الروايات المتداولة، بحيث التبست شخصية يحيى بشخصية المسيح عند بعض من نقلوا الأخبار؟

 

فبعض النصوص الواردة في الأناجيل تُظهر أن هذا الالتباس قد وقع فعلًا عند بعض معاصري الحدث؛ إذ نُقل أن هيرودس لما سمع بخبر عيسى، قال: هذا هو يوحنا المعمدان (يحيى) قد قام من الأموات. وهذا التصوّر يعكس احتمال وقوع خلط بين الشخصيتين في الوعي التاريخي لبعض الناس آنذاك.

 

وانطلاقًا من ذلك، يمكن  التساؤل: هل وقع لاحقًا تعميم أو ترسيخ لهذا الخلط في بعض المرويات؟ وهل يمكن أن تكون بعض الأحداث المنسوبة إلى المسيح قد اختلطت بسيرة يحيى؟ هذه أسئلة بحثية تحتاج إلى دراسة أوسع، ولا يمكن الحسم فيها دون أدلة قاطعة.

 

وعليه، فإن القول بأن “المصلوب” في بعض الروايات قد يكون يحيى لا عيسى، أو أن يحيى له خصوصية في مسألة الموت والحياة، يظل ضمن دائرة الفرضيات التي تُطرح للنقاش، لا ضمن النتائج القطعية. والغرض من هذا الطرح هو فتح أفق للتفكر وإعادة فحص الروايات، لا تقرير حكم نهائي في المسألة.

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى