مفهوم الإرادة فى القرآن

الإرادة هي:
توجّه قصدي يحدد المآل المراد والجهة المقصودة من الفعل أو الحكم أو الجزاء.
فالإرادة لا تدل أولًا على آلية التنفيذ، ولا على القانون الذي تجري به الأشياء، بل تدل على القصد المتجه إلى غاية. ولهذا إذا نسبت إلى الإنسان كانت نيةً وتوجّهًا واختيارًا، وإذا نسبت إلى الله كانت مقصدًا ربانيًا في التشريع أو الهداية أو الجزاء أو الفعل المباشر بحسب السياق.
1)الإرادة البشرية: قصد يتجه إلى غاية
من أوضح الشواهد:
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾
هنا الإرادة ليست قانونًا ولا إذنًا، بل نية واتجاه نحو إتمام الرضاعة.
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾
الإرادة هنا قرار قصدي من الأبوين.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
هذا من أدق المواضع؛ لأن الإرادة هنا ليست مجرد خاطر داخلي، بل اتجاه وجودي كامل تحدد به وجهة السعي.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾
أي أن اختلاف الليل والنهار لا يُثمر بذاته في كل أحد، وإنما يثمر فيمن اتجه قصده إلى التذكر أو الشكر.
﴿يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾
الإرادة هنا قصد إفسادي موجَّه إلى إضلال الغير.
إذن فالإرادة البشرية في القرآن تدور على: نية + توجه + تعيين وجهة + سعي نحو مآل.
2) الإرادة الإلهية العامة: مقصد رباني هادٍ ومصلح
من الآيات الجامعة:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾
هذه المواضع تكشف أن الإرادة إذا جاءت في باب التشريع والهداية والتخفيف فهي مقصد قيمي، أي أن الله يحدد الوجهة التي يتجه إليها الخطاب والحكم: يسر، بيان، توبة، تطهير، رفع حرج، وعدم ظلم.
وهذا يؤكد أن الإرادة ليست هي نفس المشيئة؛ لأن المشيئة تتعلق بمجال الوقوع، أما الإرادة هنا فتتعلق بـالمقصد الرباني من التشريع.
3)الإرادة الإلهية الخاصة: توجيه جزائي إلى مآل مخصوص
من الآيات الدالة:
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾
﴿أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾
في هذه المواضع لا تكون الإرادة مجرد مقصد تشريعي عام، بل تدخلًا جزائيًا يثبت مآلًا مخصوصًا بحسب حال القوم. فهي ليست اعتباطًا، بل تأتي في سياق ذنوب، وفسق، وإعراض، وكذب، واستحقاق.
ومن أوضح ما يربط الإرادة بالجزاء المقيد قوله تعالى في المثل:
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾
فالإضلال هنا ليس ابتدائيًا بلا سبب، بل جاء بعد قيد حاسم: إلا الفاسقين. وعليه فالإرادة الخاصة هنا هي توجيه المآل على وفق حال العبد واستحقاقه.
4) الإرادة في الفعل الإلهي المباشر
مثل:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾
﴿وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
هذه الآيات تثبت أن الإرادة إذا تعلقت بالفعل الإلهي المباشر كانت قصدًا نافذًا غير معجوز. فهي لا تزال إرادة من حيث كونها تعيينًا للجهة المرادة، لكن أثرها هنا هو الإنفاذ المباشر.
خلاصة باب الإرادة
الإرادة إذن ليست قانونًا، وليست مجرد سماح، بل هي:
تحديد الجهة المقصودة والمآل المراد. فإذا تعلقت بالإنسان كانت قصدًا واختيارًا. وإذا تعلقت بالله كانت مقصدًا تشريعيًا، أو جزاءً مخصوصًا، أو فعلًا
نافذًا بحسب السياق.
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



