مقالات

حين قال القرآن ﴿الزُّرَّاع﴾ وحين قال ﴿الكُفَّار﴾

دراسة في صورتَي الزرع في الفتح 29 والحديد 20

حين قال القرآن ﴿الزُّرَّاع﴾ وحين قال ﴿الكُفَّار﴾

دراسة في صورتَي الزرع في الفتح 29 والحديد 20

هناك موضعان في القرآن يقدمان صورة متقاربة جدًا من حيث البناء الظاهر: زرع ينمو، ونبات يلفت النظر، وإعجاب بهذا النمو.

قال تعالى في سورة الفتح:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾ [الفتح:29].

وقال في سورة الحديد:

﴿ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ [الحديد:20].

والسؤال الذي يفتح البحث كله بسيط:

إذا كان القرآن قد قال في الصورة الزراعية الصريحة ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾، فلماذا نفترض أنه حين قال في الحديد ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ كان يريد بالـ﴿كُفَّار﴾ الزراع أيضًا؟

المسألة ليست خلافًا مع المعجم، وإنما سؤال يفرضه القرآن نفسه.

أولًا: لا نبدأ بالحديد… بل بالفتح

الفتح 29 أهم في هذه المقارنة؛ لأنها تعطينا المفتاح الذي نحتاجه قبل قراءة الحديد. فالقرآن لم يضع ﴿الزُّرَّاع﴾ و﴿الكُفَّار﴾ في آيتين بعيدتين فحسب، وإنما وضعهما في الجملة الزراعية نفسها: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.

لدينا زرع واحد، لكن لدينا جهتان مختلفتان:

–﴿الزُّرَّاع﴾ يعجبهم مشهد الزرع.

–و﴿الكُفَّار﴾ يغيظهم ما يمثله هذا الزرع من نمو الجماعة.

فلو كانت ﴿الكُفَّار﴾ مجرد اسم آخر للزراع، لفقد التفريق بين الاسمين داخل الجملة نفسها كثيرًا من دقته.

ولهذا ينبغي أن نثبت أولًا: حين أراد القرآن أصحاب الزراعة في هذه الصورة قال: ﴿الزُّرَّاع﴾ ، وحين أراد الجهة المقابلة لجماعة الرسول قال: ﴿الْكُفَّارَ﴾.

ثانيًا: من هي الجماعة التي يمثلها الزرع؟

قبل أن يقدم القرآن مثل الزرع، يعرّف الجماعة التي سيضرب لها المثل: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.

إذن لسنا أمام أفراد متجاورين، وإنما أمام جماعة تشكلت حول مرجعية الرسالة. ثم يبدأ القرآن بوصف العلاقات التي تحكمها:

﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ : والتقابل هنا مهم. لم يقل إنهم «أشداء» بإطلاق ، بل حدد مجال الشدة: ﴿عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ، وحدد مجال الرحمة: ﴿بَيْنَهُمْ﴾. إذن الصفتان ليستا تناقضًا نفسيًا، وإنما استجابتان مختلفتان لعلاقتين مختلفتين.

﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ لا تعني الشدة على كل مخالف

سياق سورة الفتح نفسه يمنع هذا التعميم.

 

فقد قال قبل ذلك: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:25].

لاحظ البناء: ﴿كَفَرُوا﴾، ثم: ﴿صَدُّوكُمْ﴾. فالكفر هنا لم يبق موقفًا داخليًا، وإنما أصبح له أثر متجاوز وصل إلى منع الآخرين وصدهم. وهذا هو النمط نفسه الذي رأيناه في سورة محمد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ…﴾ [محمد:32].

ومن هنا تأتي: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾. فالشدة ليست ردًا على مجرد وجود اختلاف فكري، وإنما موقف أمام تشكيل مضاد أصبح له أثر في المجال.

ثالثًا: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ليست وصفًا لحركات جسدية

بعد وصف العلاقة بالخارج: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، والعلاقة في الداخل: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، يكشف القرآن المرجعية التي تضبط الحالتين: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾.

والركوع والسجود هنا لا ينبغي اختزالهما إلى حركات جسدية؛ فالآية تصف حال جماعة كاملة يمكن أن يراها الإنسان في طريقة قيامها وعملها.

الركوع: خفض الذات والعودة إلى الحق

من أهم الآيات الكاشفة لمعنى الركوع قوله تعالى في داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:24]. واللافت هنا اتصال: ﴿رَاكِعًا﴾ بـ:﴿وَأَنَابَ﴾.

فالركوع هنا يقع في مشهد إدراك ومراجعة وإنابة ، داود أدرك الفتنة، واستغفر، وركع، وأناب. وهذا يفتح دلالة الركوع على خفض الذات أمام الحق عند ظهوره، والرجوع عن تمركزها إلى المرجعية التي تحكمها. فالراكع لا يصر على موقعه حين يتبين له الحق، بل يخفض ذاته له ويعود. ومن هنا يصبح وصف جماعة الرسول: ﴿رُكَّعًا﴾ وصفًا لجماعة ليست متصلبة أمام الحق، حتى وهي: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾. فشدتها لا تعني العناد، لأنها هي نفسها جماعة راكعة للحق.

السجود: تمام الانقياد

ثم: ﴿سُجَّدًا﴾. والسجود يعرض مستوى أعمق من الخضوع؛ فهو الانقياد للمرجعية الإلهية وقوانينها بحيث تصبح هي الحاكمة على حركة الإنسان.

ومن هنا تتكامل: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. الركوع يكشف قابلية خفض الذات والرجوع إلى الحق. والسجود يكشف تمام الانقياد للمرجعية بعد ذلك. ولهذا قال: ﴿تَرَاهُمْ﴾. فليست المسألة دعوى إيمانية مخفية في الداخل، وإنما حالة تظهر في طريقة الحياة والتعامل والقرار.

رابعًا: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾… لماذا «في» وليس «على»؟

هذه من أكثر العبارات التي تحتاج إلى تحرير. قال:﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ، ولم يقل: «سيماهم على وجوههم» ، وهذا الفرق مهم. فالقراءة التي تجعل الآية تتحدث عن بقعة أو علامة مادية على الجبهة تتعامل معها وكأن النص يقول: «علامتهم على جباههم» ، لكن هذا ليس تركيب الآية.

النص يقول: ﴿فِي وُجُوهِهِم﴾ ، والوجه في القرآن ليس مجرد مساحة جلدية؛ فهو جهة الإنسان التي يتوجه بها ويظهر بها ويواجه بها غيره. والسيماء نفسها لا يلزم أن تكون علامة جلدية. قال تعالى عن المتعففين: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:273]. فمعرفتهم متصلة بحالهم وسلوكهم. وقال عن المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:30]. فهنا تدخل طريقة الخطاب نفسها في إمكان التعرف عليهم. وقال :﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن:41].

فالسيماء هي ما يجعل الحالة قابلة للتعرف والتمييز.

إذن: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم﴾ لا تحتاج إلى بقعة في الجبين. بل أن حالة الخضوع التي يعيشونها أصبحت ظاهرة في الوجه الذي يقدمون به أنفسهم للحياة والناس.

خامسًا: ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾

وهنا تزداد الصورة وضوحًا. لم يقل إن السجود صنع «علامة» في الجلد ، بل قال: ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.

فالمحور هو الأثر : إذا كان السجود انقيادًا كاملًا لله، فإن قيمته لا تنتهي عند لحظة السجود، بل يجب أن يترك أثرًا في الإنسان. فمن يخضع للعدل يظهر أثر ذلك في عدله ، ومن يخضع للرحمة يظهر أثر ذلك في رحمته ، ومن يخضع للحق يظهر أثر ذلك في رجوعه إليه ، ومن يخضع لحدود الله يظهر أثر ذلك في ضبط قوته وشدته.

ولهذا جاء هذا الوصف بعد: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فالآية تعرض أثر المرجعية في السلوك، لا أثر ضغط الجبهة على الأرض.

وهذا هو الذي يجعل قول القرآن: ﴿تَرَاهُمْ﴾ مفهومًا لأن الخضوع صار حالة قابلة للرؤية في أثرها.

سادسًا: الآن نفهم لماذا شُبِّهوا بالزرع

بعد بناء هذه الجماعة من الداخل يقول: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾.

وهذه ليست صورة زراعية للزينة.  إنها وصف لمسار تشكل جماعة : بدأت كزرع ، ثم ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ : فالأصل بدأ ينتج امتدادًا جديدًا ، ثم ﴿فَآزَرَهُ﴾ : فلم تتحول الفروع إلى وحدات منفصلة، وإنما أصبح بعضها مؤازرًا لبعض.

ثم ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ : أي إن المؤازرة أنتجت قوة : ثم ﴿فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾ : فأصبح الكيان قادرًا على القيام والثبات. إذن نحن أمام نمو له اتجاه: نمو ينتج المؤازرة، والمؤازرة تنتج القوة، والقوة تنتهي إلى قيام الكيان على سوقه.

ولهذا لا يمكن فصل مثل الزرع عن أول الآية: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، و: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فما عبّر عنه أول الآية بالعلاقات، يصوره آخرها بالزرع الذي يقوي بعضه بعضًا.

سابعًا: المفاجأة النصية — ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾

عند هذه النقطة يسمي القرآن أصحاب الزراعة: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ ، وهذه كلمة فاصلة في البحث.

لأن المشهد كله زراعي: زرع، وشطء، ونمو، واستغلاظ، وسوق. ولو كان هناك موضع نتوقع فيه تسمية المزارعين، فهو هذا الموضع.

وفعلًا قال القرآن: ﴿الزُّرَّاعَ﴾ ، لكنه لم يتوقف هنا. قال مباشرة: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. فأصبح الفصل النصي واضحًا: الزراع جهة، والكفار جهة أخرى.

الزراع ينظرون إلى المثل من جهة جودة النمو فيعجبهم ، والكفار يتلقون أثر الشيء الذي يمثله هذا النمو فيغيظهم.

ثامنًا: لماذا قال ﴿بِهِمُ﴾ ولم يقل «به»؟

قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ، لم يجعل الزرع نفسه هو الذي يغيظ الكفار في الواقع.

فالزرع مثل: أما الحقيقة التي يمثلها فهي: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، ولهذا عاد الضمير إليهم:﴿بِهِمُ﴾. فما يغيظ الكفار ليس نباتًا أخضر في حقل، وإنما ما أصبح عليه هؤلاء من نمو ومؤازرة وقوة وقيام. وهذا يحسم داخل الفتح نفسها أن ﴿الكُفَّار﴾ في نهاية المثل ليست اسمًا للمزارعين.

تاسعًا: الآن فقط نذهب إلى الحديد 20

قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. والقراءة المشهورة تقول: ﴿الكُفَّار﴾ هنا = الزراع؛ لأن الزارع يغطي البذر. لكن بعد الفتح 29 يصبح هذا الاستبدال بحاجة إلى دليل. فالقرآن نفسه أعطانا اسم المزارعين: ﴿الزُّرَّاعَ﴾. بل أعطانا إياه في صورة زراعية شديدة الشبه، ووضعه إلى جانب ﴿الكُفَّار﴾ مع التفريق بينهما.

إذن لا يكفي أن نقول: «يمكن اشتقاق الكافر من الستر، والمزارع يستر البذر». السؤال الذي يجب أن يسبق ذلك هو: لماذا نترك اللفظ الذي اختاره القرآن، مع أن السياق نفسه يسمح ببقاء ﴿الكُفَّار﴾ على دلالتها؟

عاشرًا: السياق السابق للحديد يحسم اتجاه البحث

قال تعالى قبلها مباشرة:

﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الحديد:19].

ثم مباشرة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا…﴾ ، ثم: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. إذن ﴿الكُفَّار﴾ لم تظهر في فراغ. قبلها مباشرة: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ، ثم بعدها في الآية نفسها: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾. فلماذا نقطع هذا المجال الدلالي عند كلمة واحدة، ونحول ﴿الكُفَّار﴾ مؤقتًا إلى مهنة «المزارعين»؟

الأقوى منهجيًا أن نختبر أولًا بقاء الكلمة على مجالها القرآني.

الحادي عشر: ما الذي أعجب ﴿الكُفَّار﴾؟

القرآن لم يقل: ﴿أعجب الكفار الغيث﴾ ، بل قال: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. فالتركيز على الناتج الذي ظهر ونما. وهذا مهم لأن الآية بدأت أصلًا بـ: ﴿زِينَةٌ﴾، ﴿تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾، ﴿تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. كلها تدور حول الظهور والزيادة والمقارنة. ثم يأتي المثل بشيء ظهر ونما حتى صار محل إعجاب: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. لكن القرآن لا يسمح للناظر بأن يتوقف عند لحظة الإعجاب.

يقول: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. فالشيء الذي بدا في لحظة ما دليل قوة ونمو، يكشف الزمن أنه مرحلة عابرة.

الثاني عشر: المثل ليس عن الزراعة أصلًا

موضوع الآية ليس نجاح الموسم الزراعي.

الموضوع هو: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ، ثم تحدد الآية مظاهرها:﴿لَعِبٌ﴾، ﴿لَهْوٌ﴾، ﴿زِينَةٌ﴾، ﴿تَفَاخُرٌ﴾، ﴿تَكَاثُرٌ﴾. ثم تضرب المثل بالنبات. إذن النبات ليس هو الموضوع، وإنما أداة كشف لطبيعة ما يبهر الإنسان من نمو الدنيا : ينمو ، يظهر ، يعجب ، ثم ينهار ، ولهذا تنتهي الآية: ﴿وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. فالغرور أن تقرأ الشيء من لحظة ظهوره فقط، ولا ترى مساره إلى نهايته.

الثالث عشر: وهل يتفق هذا مع دلالة ﴿الكُفَّار﴾ التي وجدناها؟

نعم، بل الحديد توسعها. ففي مواضع أخرى ظهر أثر ﴿الكُفَّار﴾ في: الصد، والمشاقة، والإخراج، والمواجهة، والغيظ. لكن الحديد تكشف أن الأثر المتجاوز لا يلزم أن يكون عنفًا. قالت: ﴿تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾. والتفاخر لا يحدث داخل الذات؛ فهو علاقة اجتماعية تقوم على إظهار التفوق أمام الآخرين. وقالت: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. فليست القضية امتلاك المال والولد، وإنما تحويل الزيادة نفسها إلى مقياس للقيمة والقوة. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:23].

فالمحور واحد: زينة، وتفاخر، وتكاثر، وإعجاب بالنمو، ثم اختيال وفخر. وهكذا يظهر أثر الكفر هنا في بناء منظومة للقيمة تقوم على ما ظهر ونما وتكاثر.

الرابع عشر: صورتان للنمو… وهنا تظهر روعة المقارنة

عند جمع الآيتين نجد أن القرآن يقدم صورتين للنمو.

في الحديد: ﴿غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. هذا نمو الدنيا: يظهر ، يعجب ، ثم: ﴿يَكُونُ حُطَامًا﴾. أما في الفتح: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. هذا نمو الجماعة: يخرج منه الجديد ، ويؤازر بعضه بعضًا ، ويقوى ، ثم يستوي على سوقه. وفي نهاية الصورتين يظهر ﴿الكُفَّار﴾، لكن بصورة معاكسة:

في الحديد: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ، وفي الفتح: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. وهنا تظهر مقابلة شديدة القوة:

١ ) النمو الذي يقوم على زينة الدنيا وتفاخرها وتكاثرها يعجب ﴿الكُفَّار﴾.

أما:

٢ )النمو الذي يقوم على المعية والرحمة والركوع للحق والسجود لله والمؤازرة حتى يستوي الكيان على سوقه، فيغيظ ﴿الكُفَّار﴾.

والأجمل أن القرآن وضع بين الصورتين معيارًا لا يمكن تجاهله: حين أراد أهل الزراعة أنفسهم قال: ﴿الزُّرَّاعَ﴾.

 

 

الخامس عشر: الفتح لا تصف قوة بلا مرجعية

وهنا نفهم لماذا كان وصف: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ضروريًا قبل مثل النمو. فالحديد أيضًا فيها نمو وقوة وزيادة. لكنها زيادة مرتبطة بـ: ﴿زِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ وَتَكَاثُرٌ﴾ ، أما الفتح فالنمو فيها محكوم قبل أن يبدأ بوصف الجماعة: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.

ثم يأتي: ﴿فَآزَرَهُ﴾. فالقوة في الحديد تنتهي إلى كشف هشاشتها: ﴿حُطَامًا﴾ ، أما القوة في مثل الفتح فتأتي من المؤازرة وتنتهي إلى: ﴿فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. وهنا يصبح الفرق بين النموين أعمق من مجرد زرعين. إنه فرق بين مقياسين للقوة.

السادس عشر: ماذا تكشف الآيتان عن ﴿الكُفَّار﴾؟

بعد جمع الموضعين لا نحتاج إلى جعل ﴿الكُفَّار﴾ مرادفًا لـ﴿الزُّرَّاع﴾ في الحديد ، بل يمكن إبقاؤها منسجمة مع النمط الذي كشفته بقية المواضع:

﴿كُفَّار﴾: جماعة تجاوز الكفر فيها مجرد الموقف الذاتي، فتشكّل له حضور وأثر يتجاوز أصحابه في المجال المحيط، وتحدد كل آية صورة هذا الأثر.

في الفتح يظهر الأثر في الصد وفي العلاقة المضادة التي تجعل نمو الجماعة المؤمنة مصدر غيظ.

وفي الحديد يظهر في منظومة اجتماعية تقوم على التفاخر والتكاثر والانبهار بالنمو الدنيوي الظاهر.

وهذا يمنع خطأين معًا: فلا نجعل ﴿الكُفَّار﴾ مجرد «كل من يختلف في الاعتقاد» ، ولا نحصرها في «المقاتلين والمعتدين». بل نترك للسياق أن يكشف صورة الأثر الذي أحدثه تشكل الكفر في كل موضع.

الخاتمة: القرآن فرّق بينهما… فلماذا نساوي بينهما؟

أقوى ما في المقارنة ليس الاشتقاق ولا المعجم، وإنما النص نفسه.

قال القرآن: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾. ففرّق بين الاسمين في جملة واحدة ، ثم قال في الحديد:﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ، وقبلها مباشرة: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ، وبعدها: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾. فلا توجد ضرورة داخل النص تجبرنا على قطع ﴿الكُفَّار﴾ عن هذا السياق وتحويلها إلى «المزارعين».

بل المقارنة بين الآيتين تكشف بناءً أكثر إحكامًا:

١ ) في الحديد نموٌ ظاهري للدنيا يقوم على الزينة والتفاخر والتكاثر، فيعجب الكفار ثم يصير حطامًا.

٢ ) وفي الفتح نموٌ لجماعة بدأت بالمعية، وضُبطت بالرحمة، وخفضت ذاتها للحق ﴿رُكَّعًا﴾، وانقادت لله ﴿سُجَّدًا﴾، وظهر أثر ذلك في وجوهها التي تواجه بها الحياة، ثم آزر بعضها بعضًا حتى استغلظت واستوت على سوقها، فيغيظ نموها الكفار.

وبين الصورتين وضع القرآن كلمة فاصلة: ﴿الزُّرَّاعَ﴾ :

-فحين أراد الزراع قال: ﴿الزُّرَّاعَ﴾.

-وحين أراد الكفار قال: ﴿الْكُفَّارَ﴾.

ومن هنا لا تصبح الآيتان مجرد مثلين عن النبات، بل صورتين متقابلتين لنوعين من النمو ومقياسين للقوة:

نمو يلمع ثم يتحطم، ونمو يتآزر حتى يقوم.

وفي الأولى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾.

وفي الثانية: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.

 

وهذا الفرق هو الذي ينبغي أن يُتدبر، لا أن يُمحى بجعل ﴿الكُفَّار﴾ اسمًا آخر لـ﴿الزُّرَّاع﴾.

لماذا قال: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم ﴿مَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾؟

والسؤال ليس فقط: ما المثلان؟ بل السؤال الأهم: لماذا جعل القرآن الوصف الأول في التوراة، وجعل صورة الزرع في الإنجيل؟ ولماذا ذكر التوراة والإنجيل أصلًا، وكان يستطيع أن يصف أصحاب محمد مباشرة وينتهي؟

التوراة في القرآن مرتبطة ببناء المنظومة الحاكمة

حين نتتبع حضور التوراة في القرآن نجد وصفًا شديد الدلالة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا… وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة:44] ، ثم تأتي مباشرة أحكام الحكم: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ…﴾ [المائدة:45]. فالتوراة في هذا العرض القرآني ليست مجرد موعظة روحية؛ إنها مرتبطة بـ: الهداية، والنور، والحكم، والكتاب، والالتزام، وإقامة الجماعة على مرجعية تضبط علاقاتها.

والآن ارجع إلى الجزء الذي قال عنه: ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ، ماذا نجد قبله؟

﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾: ضبط العلاقة مع المجال المقابل.

﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾: ضبط العلاقة داخل الجماعة.

﴿رُكَّعًا﴾: يخفضون ذواتهم ويرجعون للحق، كما قال في داود: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾.

﴿سُجَّدًا﴾: منقادين لمرجعية الله وقوانينه.

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: اتجاه الحركة ليس منفعة الذات وحدها وإنما المرجعية الإلهية.

إذن نحن أمام جماعة منضبطة بمرجعية تضبط علاقتها بالخارج، وعلاقتها بالداخل، وعلاقة أفرادها بالحق، وعلاقتها بالله.

وهنا يقول: ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾. فتظهر مناسبة قوية بين طبيعة الصورة وبين الوظيفة التي يعرض بها القرآن التوراة: بناء جماعة محكومة بمرجعية.

ثم لماذا الإنجيل؟

القرآن نفسه يجعل الإنجيل مرحلة تالية للتوراة:

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [المائدة:46].

هذه نقطة شديدة الأهمية ، فالإنجيل في البناء القرآني لا يظهر منفصلًا عن التوراة، بل يأتي بعدها: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم﴾، والمسيح: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، والإنجيل نفسه: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.

إذن لدينا استمرار وبناء فوق أصل سابق، لا بداية منفصلة ، وهذا بالضبط ما تفعله صورة الزرع في الفتح:

﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ، ثم: ﴿فَآزَرَهُ﴾ ، ثم: ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ ، ثم: ﴿فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾. شيء موجود يبدأ بإخراج امتداده، ثم يؤازر بعضه بعضًا، ثم يزداد قوة، ثم يقوم.

وهنا يبدأ احتمال دلالي أقوى من مجرد القول إن «الإنجيل شبّههم بالنبات»: ربما جاءت صورة النمو في الإنجيل تحديدًا لأن الإنجيل نفسه يعرضه القرآن باعتباره امتدادًا لاحقًا في المسار الرسالي، مصدقًا لما قبله، بينما جاءت صورة المرجعية المنضبطة مع التوراة التي يعرضها القرآن كتاب حكم وتشريع وضبط للجماعة.

وهذا يحتاج أن يبقى فرضية بحثية حتى نستكمل مواضع التوراة والإنجيل كلها، لكنه يفسر لماذا لم يبدل النص بينهما.

ولماذا لم يقل العكس؟

 

هنا تظهر قوة السؤال ، لو قال: «ذلك مثلهم في الإنجيل، ومثلهم في التوراة كزرع…» لأصبحت صورة الجماعة المنضبطة بالمرجعية منسوبة إلى الإنجيل، وصورة النمو والامتداد منسوبة إلى التوراة. لكن الترتيب الموجود ينسجم مع البناء القرآني الأوسع:

التوراة: مرجعية وحكم وبناء منظومة.

ثم: الإنجيل: يأتي على أثرها، مصدقًا لها، داخل مسار ممتد.

وفي الفتح:

أولًا جماعة اكتملت مرجعيتها وعلاقاتها:

﴿أشداء… رحماء… ركعًا سجدًا…﴾

ثم: جماعة تبدأ في الامتداد والنمو والتآزر:

﴿أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه﴾.

فترتيب التوراة ثم الإنجيل قد لا يكون تاريخيًا فقط، بل وظيفيًا أيضًا.

لكن يبقى سؤال أكبر: لماذا ذكرهما أصلًا؟

لو حذفنا: ﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾

لبقي وصف أصحاب محمد مفهومًا. إذن الجملة تضيف شيئًا لا يؤديه الوصف وحده.

ما الذي تضيفه؟ إنها تنفي أن تكون الجماعة التي ظهرت مع محمد مشروعًا منفصلًا بدأ بمحمد.

الآية تبدأ: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ لكنها لا تترك الجماعة محصورة في لحظة محمد؛ بل تمد جذورها إلى ما قبله:

﴿ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾.

فهم ظهروا الآن مع محمد، لكن نموذجهم الرسالي سابق على ظهورهم ، وهذه نقطة مركزية. فالآية لا تقول فقط من هم أصحاب محمد، بل تقول إن النموذج الذي يمثلونه ليس اختراعًا محمديًا جديدًا؛ إنه داخل الخط الرسالي نفسه الذي حملته التوراة ثم الإنجيل.

وهذا يفسر أيضًا لماذا لم يقل: «ذلك مثلهم في الكتب السابقة». لقد سمّى المرحلتين: ﴿التوراة﴾ ثم ﴿الإنجيل﴾، ثم وصل المسار إلى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.

فنحن أمام امتداد رسالي متصل . وهنا تصبح صورة الزرع مذهلة في موضعها ، لأن الآية نفسها تفعل ما تصفه صورة الزرع : هناك أصل سابق، ثم امتداد يخرج منه، ثم مؤازرة، ثم نمو، ثم استغلاظ، ثم قيام.

ولذلك لا ينبغي أن نقرأ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ منفصلة عن: ﴿التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ﴾. فقد تكون صورة الزرع نفسها تصويرًا لطبيعة الامتداد الرسالي: ليس اقتلاعًا لما سبق وبداية من الصفر، وإنما خروج ونمو ومؤازرة حتى يقوم الكيان. وعندئذ نفهم بصورة أعمق لماذا ختم المشهد: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.

فالذي ظهر مع محمد ليس نباتًا بلا جذور؛ بل جماعة جاء مثلها في مسار الرسالات قبل ظهورها، ثم نمت حتى أصبح لها حضور قائم.

وهنا يصبح ذكر التوراة والإنجيل ضرورة في بناء المعنى، لا معلومة تاريخية زائدة. فالآية لا تصف جماعة محمد فقط ، إنها تحدد جذورها، ومرجعيتها، ومسار نموها، وموقعها من امتداد الرسالة.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى