مقالات

منظومة البر من البناء الداخلي الى التصديق العملي

منظومة البر من البناء الداخلي الى التصديق العملي

م/ علاء الدين محمد بابكر

المقدمة:

غالبًا ما يتم فهم البر في الوعي الشائع كمجموعة من الأفعال التعبدية أو السلوكيات الأخلاقية المنفصلة؛ كأداء الشعائر، الإحسان إلى الآخرين و الالتزام بالمظاهر الدينية العامة. وفي هذا التصور يتم اختزال البر في ممارسات ظاهرية أو أعمال خيرية جزئية تُقاس منفصلة عن البنية الداخلية للإنسان أو عن أثرها البنيوي في المجتمع.

غير أن هذا المقال ينطلق من قراءة مختلفة للبر، حيث يراه كمنظومة متكاملة تبدأ من البناء الداخلي للنفس، وتمر بتنظيم السلوك الفردي، ثم تتجسد في العلاقات الاجتماعية والمؤسسات، وصولًا إلى قدرة المجتمع على الثبات أمام الأزمات. يرى البر كنظام تكويني شامل يصنع الإنسان الصادق في داخله، والمجتمع المتماسك في واقعه، عبر تفاعل مستمر بين الإيمان، السلوك، التنظيم، والصبر .

منظومة البر:

{۞ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[سورة البقرة: 177]

الآية تدل على منظومة متكاملة من البناء الداخلي والسلوك العملي والمعرفي والإجتماعي يصل بالإنسان إلى مرحلة يكون فيها قادرا على بلوغ حد الصدق مع نفسه يتطابق عندها باطنه مع ظاهره.

تبدأ الآية بإعادة ضبط المعيار وهدم التصور الشائع بأن النجاح والصلاح لا يقوم على اتباع المظاهر الشكلية عند الجماعات المختلفة، فينقله من اتباع شكليات (تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) إلى منظومة حياة متكاملة. وكل من يلتزم بهذه المنظومة يكون من الذين تحقق فيهم الصدق مابين الفكر والسلوك وهم الذين جعلوا لأنفسهم منظومة حماية من أجل الحفاظ على المجتمع.

 مكونات منظومة البر وتفصيلها:

أولا: الضبط الداخلي

الضبط الداخلي لمنع الأذى عن الناس (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ)، كلمة {آمن} هنا كلمة تفيد منع الأذى عن الآخرين ولكن اضافة حرف الباء  (بالله واليوم االآخر والملائكة…) تحول الدلالة من منع الأذى عن الآخرين إلى إنشاء  منظومة داخلية تسمى في علم النفس ب(منظومة التحكم الداخلي) ، هذه المنظومة الداخلية لاتحتاج إلى رقابة خارجية إنما تحكم داخلي في النفس يكون مانعا لها عن التعدي على الآخرين وهذه المنظومة تقوم على المكونات التالية:

  • الايمان بالله (وهو التصور الأعلى الموجد للكون).
  • الإيمان باليوم الآخر (هو الوعي بالعواقب المستقبلية لأي فعل يهدد الأمن العام للمجتمع).
  •  الإيمان بالملائكة (وهي القوانين التي تتحكم في هذا الكون).
  • الإيمان بالكتاب والنبيين (وهما مصدر مكونات تفاصيل الأمن العام للمجتمع).

وبهذا تتكون منظومة التحكم الداخلي للنفس والتي تخلق لها إرادتها الحرة في منع الأذى والتعدى على الآخرين لتتكون أولى خطوات منظومة البر.

ثانيا: تطويع النفس

تطويع النفس رغم حبها للمال، وذلك بالمشاركة في المحافظة علي ترابط المجتمع من الانهيار نتيجة العوز والفقر (وآتى المال على حبه).

هذا الفعل يعمل على مستويين، المستوى الأول هو الأثر الداخلي للنفس الذي يتكون عن اخراج ما تحب من مال، وهذا يجعل النفس تتعلم التحكم في شهوة الامتلاك، أما المستوى الثاني فهو الأثر المجتمعي في التغيير وتقليل الضغط الاجتماعي الذي يمكن ان ينتج من الفئات المذكورة والتي يمكن أن تؤثر على هشاشة المجتمع. وهم:

  • فاقدوا السند النفسي الاجتماعي والاقتصادي (اليتامى) والذين انقطع عنهم مصدر الحماية والرعاية الطبيعي والذي سبب لهم ضعفا في مواجهة الحياة، والذين يمكن أن يهددوا الأمن المجتمعي اذا نشأوا في مجتمع لم يقسط فيهم وتعامل معهم بقسوة.
  • المساكين: هي كلمة متداخلة مابين كلمتين وهما المـَسْك والسَكْن أي (الإمساك والسكون)، والوزن الصرفي للكلمة تفيد أن حالة الامساك والسكون ظاهرة للعيان ومتمكنة داخليا في الموصوف بها. مما يفيد تعطل المقدرة على الحركة أو المبادرة بسبب قيد ما، أي هم جماعة أمسكتهم الظروف ويظهر عليهم أثر العجز و التقييد، حيث أصبحت حالة السكون والتقييد مستقرة في حياتهم، سواء كان السبب اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو ظرفيًا.
  • ابن السبيل: هو شخص صار منسوبا إلى  السبيل لملازمته له، فهو فاقد للاستقرار أو الدعم الذي يمكّنه من مواصلة حياته بشكل طبيعي، ولا يقتصر على المسافر الذي نفدت نفقته، فهو شخص فقد موضع الاستقرار الذي يحميه (اجتماعيًا أو معيشيًا). ففاقد الوظيفة مثلا هو ابن سبيل، والنازح ابن سبيل، واللاجئ ابن سبيل، وطالب العلم بعيد عن بيته ابن سبيل.
  • السائلين: وهي الفئات التي تطلب العون بسبب العوز المادي أو المعرفي.

 فلو لاحظنا فإن هذه الفئات ستهدد الأمن المجتمعي في حال لم يهتم بها المجتمع.

  •  الجماعة الأخيرة التي تحتاج لإيتاء المال هي (الرقاب) والكسر على الراء تدلنا على أن الرقابة تأتي من داخلهم ثم تظهر، مما يفيد أنهم ليسوا الذين يتم عليهم فعل الرقابة انما هي الجماعة ذاتها التي تقوم بالرقابة على المجتمع للمحافظة عليه من الفوضى فالمجتمع الصالح لايقوم فقط على الأخلاق الفردية إنما يحتاج إلى انظمة ضبط، ومؤسسات للعدالة، وخير من يمثلها في وقتنا الحاضر هي الشرطة، والشركات الأمنية، وغيرها من أنظمة الرقابة والتي تحتاج إلى دعم مالي لتقوم بدورها في توفير الأمن.

فنلاحظ ان الجزء الأول من الآية يؤسس لأن يكون الأمن منظومة أخلاقية داخلية والجزء الثاني من الآية تؤسس للمشاركة في مساعدة الفئات الضعيفة منعا للانفلات الأمني والجزء الثالث يؤسس لدعم مؤسسات الرقابة الأمنية.

ثالثا: تشغيل منظومة المعرفة (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة):

الصلاة هي آلية المعرفة والتي تتم مابين الفرد والله تعالى، أو ما بين أفراد مختلفين يقيمون جلسات تفاعل ينتجون معارف تفيد الجماعة عن طريق الحوار والبحث ، ولكل قضية أو موضوع صلاته الخاصة والجماعة المميزة التي تقوم بهذه الصلاة.

آية البر تدور حول مفهوم الأمن المجتمعى وبالتالي فإن الصلاة هنا تكون حول المقومات والوسائل المتغيرة والمتطورة التي تحافظ على هذا الأمن . مخرجات هذه الصلاة يتم تمليكها للجهات التنفيذية وذلك بتزكيتهم بها وتنوير المجتمع وتزكيته بما تم من انتاج جديد وتطوير لوسائل الأمن المجتمعي.

 رابعا: علاقات الاتفاقات والعهود (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا):

مرة أخرى نلاحظ أن الخطاب في الآية بدأ من تربية داخلية فردية، ثم انتقل لطور تفاعل الفرد مع المجتمع ثم تحولت هذه التربية إلى خطاب جماعي يفيد تفاعل المجتمع في علاقاتهم مع بعضهم البعض، وذلك بعد (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة) مما يفيد بأن اقام الصلاة وايتاء الزكاة هي نقطة الانقلاب من الفردية الى الجماعية.

يتعاهد الأفراد في المجتمع خلال تفاعلاتهم واتفاقاتهم  على أشياء محددة على الالتزام بها، فنقض هذه العهود يقود إلى شقاق وصراع وتهديد للأمن المجتمعي، لذلك فإن الإيفاء بالعهود واحد من دعامات الحفاظ على الأمن المجتمعي.

خامسا: الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس:

الصبر هو حالة تحمل الضغط الناتج عن مؤثرات خارجية والثبات خلالها وعدم التفكك النفسي والانهيار إلى أن  يبلغ المؤثر  نهايته بقوة تخرجه منها.

الصابرون هم الذين صار الصبر صفة ظاهرة ومتمكنة فيهم داخليا، لذلك لهم المقدرة العالية على امتصاص الصدمات وتجاوزها وهؤلاء هم من يصلحون لقيادة المجتمعات عند الأزمات الكبرى.

البأساء هي حالة بأس واضحة ومستمرة مثل المجاعات أو الأزمات الاقتصادية أو غيرها

الضراء هي حالة ضرر واضح ومستمر مثل فترات الأوبئة والأضرار الانسانية التي تنشأ ملازمة للكوارث والحروب.

حين البأس هو لحظة حدوث المصيبة.

البر يصل قمته عند جماعة الصابرين الذين يستطيعون مجابهة المصائب والأمراض الوبائية إلى أن يخرجوا بالمجتمع إلى بر الأمان، والذين يمكنهم امتصاص الصدمات الفجائية التي تصيب المجتمع.

ختام الآية:

تبدأ الآية بتفاصيل منظومة البر وتنتهي بوصف الناس داخل هذه المنظومة لتصفهم بأنهم {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} فالصدق هنا ليس صدق قول انما صدق فعل، وهو توافق سلوكهم مع دواخلهم، فالآية بدأت بالتربية الداخلية وانتهت بالتطبيق العملي، لذلك فالذين صدقوا هم من كانت أفعالهم متطابقة مع ما أدخلوه في أنفسهم  وهم (من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) ثم تختتم الآية بأن تصفهم بأنهم (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، فالمتقون هنا هم الذين جعلوا لأنفسهم نظام وقاية وحماية داخلي شامل يمنعهم من أن يأذوا الآخرين ويكونوا فاعلين في توفير الأمن في المجتمع.

الخلاصة:

الآية وصفت كيفية صناعة مجتمع البر والصدق والتقوى وفقا لهذا التسلسل:

أولا: إعادة توصيف البر

ثانيا: بناء نظام فردي داخلى يمنع الأذى ويوفر الأمن للمجتمع.

ثالثا: تدريب النفس للتحول من الفردية وحب التملك، إايجادلى الإحساس بالآخرين ومساعدتهم في ايجاد حلول لمشاكلهم ودعم انظمة الرقابة.

رابعا: تكوين جماعات فكرية متخصصة لإنتاج معارف متجددة تعمل على تزكية المجتمع.

خامسا: تغذية المجتمع ورفعته بالمعارف المنتجة.

سادسا: الالتزام بالعلاقات والعهود والمواثيق.

سابعا: مجابهة الضغوط والكوارث والثبات وتجاوزها.

وبهذا تكون منظومة البر هي المنظومة التي تحافظ على الأمن العام للمجتمع وتحوله من مجتمع صراعات الى مجتمع أمن وأمان.

وهكذا يتبين أن البر في هذا التصور ليس خُلُقًا جزئيًا ولا ممارسة منفصلة، بل بنية متكاملة تصنع الإنسان من الداخل، وتنظّم سلوكه في الواقع، وتبني شبكة علاقات تحفظ تماسك المجتمع، وتمكّنه من مواجهة الأزمات بثبات ووعي. إنه انتقال من الإيمان بوصفه حالة وجدانية، إلى الإيمان بوصفه قوة مُنظِّمة للحياة الفردية والجماعية.

وبذلك يصبح البر مسارًا تكوينيًا متدرجًا يبدأ بضبط الداخل، ويمر بالفعل الاجتماعي، وينتهي بصناعة مجتمع الصدق والتقوى؛ مجتمعٍ تتطابق فيه القيم مع السلوك، والوعي مع العمل، والإيمان مع العمران. ففي هذا التكامل وحده يتحقق المعنى الكامل للبر بوصفه نظام حياة يحفظ الإنسان والمجتمع معًا.

أستاذ مهندس علاء الدين محمد بابكر

الأستاذ علاء الدين محمد بابكر، مهندس ومفكر وباحث متميز في مجال الدراسات القرءانية. يُعرف بأعماله الفكرية العميقة ومساهماته القيمة من خلال العديد من المقالات البحثية التي تعكس رؤيته التحليلية الدقيقة للنصوص القرءانية. ومن أبرز إنجازاته كتابه الشهير "آذان الأنعام" الذي كتبه مع أخيه المرحوم الدكتور عماد الدين محمد بابكر، الذي يُعتبر مرجعًا هامًا لفهم وتحليل النصوص القرءانية. وله من الاصدارات بالاضافة لاذان الانعام، له نظرية الفجور والتقوى وكيف نحي الموتى ويتميز بأسلوبه البحثي الرصين والجمع بين الدقة العلمية والرؤية التحليلية، مما يجعله أحد الشخصيات البارزة في الدراسات القرءانية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى