
الكوافر في القرآن
لماذا قال ﴿عِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ولم يقل «الكافرات»؟
المقدمة
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10].
في هذه الآية اختيار لغوي يستحق الوقوف طويلًا عنده.
فالقرآن قال في أولها: ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾ ، ثم كرر: ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾
لكنه عندما انتقل إلى الطرف الآخر لم يقل: «ولا تمسكوا بعصم الكافرات» ، بل قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فلماذا؟
ولماذا نجد في القرآن: ﴿مُؤْمِنَة﴾ و﴿مُؤْمِنَات﴾، ﴿مُشْرِكَة﴾ و﴿مُشْرِكَات﴾، ﴿مُنَافِقَات﴾، ولا نجد «كافرة» ولا «كافرات»، مع أن القرآن يتحدث صراحة عن نساء وقع منهن الكفر؟
هذه الملاحظة تجعل السؤال أعمق من مجرد سؤال صرفي عن جمع «كافرة».
السؤال الحقيقي هو: هل أراد القرآن أصلًا أن يجعل الكفر هنا هوية مؤنثة تسمى «الكافرات»، أم أن طبيعة الكفر وطبيعة بناء ﴿الكوافر﴾ تؤديان وظيفة دلالية أخرى؟
أولًا: ما الكفر؟
قبل فهم ﴿الكوافر﴾ يجب تثبيت معنى الكفر نفسه:
الكفر في القرآن لا يمكن اختزاله في «عدم الإيمان بالله»، لأن القرآن نفسه يأمر بكفر مطلوب: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [البقرة:256].
إذن الكفر ليس شرًا في ذاته بمجرد وقوع الفعل؛ بل تتحدد قيمته بحسب المكفور به. ومن خلال الاستعمال القرآني يمكن تبسيط تعريفه هكذا:
الكفر موقف واعٍ من معلوم، يُسقط به الإنسان مرجعية ذلك المعلوم بالنسبة إليه، فلا يسمح له بأن يحكم موقفه أو قراره أو مساره. فإذا كان المكفور به الطاغوت كان الكفر مطلوبًا ، وإذا كان المكفور به الله أو آياته أو الحق الذي تبين للإنسان كان الكفر مذمومًا. ولهذا نجد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة:89]. فالمعرفة سبقت الكفر ، ونجد: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل:14] ، ونجد: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:86].
إذن الكفر ليس مجرد جهل، وليس بالضرورة هوية ثابتة، وإنما موقف مرجعي تجاه معلوم. وهذه النقطة ستكون أساسية لفهم لماذا لم يحتج القرآن إلى صناعة هوية أنثوية مستقلة اسمها «الكافرات».
ثانيًا: الكفر ليس مرادفًا للشرك أو النفاق
هذه نقطة مهمة جدًا ، فالقرآن يستطيع أن يقول: ﴿يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، ويجعل هذا الكفر جزءًا من الاستمساك بالعروة الوثقى. لكننا لا نجد الشرك أو النفاق يؤديان هذه الوظيفة؛ فلا يصبح الشرك محمودًا لمجرد تغيير متعلقه، ولا يصبح النفاق مطلوبًا. وهذا يكشف خصوصية الكفر: الكفر فعل مرجعي تتحدد قيمته بالمكفور به ، أما الشرك فهو في بحثنا إدخال مرجعية تشريعية بديلة في مجال الله ونسبتها إليه ، والنفاق يقوم على انفصال بين المرجعية المعلنة والموقف التشغيلي الفعلي.
ومن هنا لا ينبغي تحويل «الكافر» آليًا إلى هوية مساوية لـ«المشرك» أو «المنافق».
ثالثًا: أين «كافرة» و«كافرات» في القرآن؟
هنا تبدأ الملاحظة الأساسية القرآن يستعمل: كافر، الكافرون، الكافرين، الذين كفروا، كفور، كفّار، الكفرة، والكوافر. لكن اللافت أنه لا يستعمل الصيغة المتوقعة ظاهريًا: «كافرة» ، أو «كافرات». وهذا لا يمكن تفسيره بأن القرآن لا يفصل النساء في الأوصاف العقدية؛ لأنه فعل ذلك صراحة في أوصاف أخرى:
قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ﴾ [البقرة:221].
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وقال: ﴿وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب:73].
إذن القرآن يستطيع أن يقول: مؤمنة، مشركة، مؤمنات، مشركات، منافقات. ومع ذلك لا يقول «كافرة» ولا «كافرات». فالمسألة ليست عجزًا لغويًا عن التأنيث، ولا امتناعًا عامًا عن فصل النساء في الأوصاف. إنها خصوصية تستحق البحث في مادة الكفر نفسها.
رابعًا: وهل وقع الكفر من النساء؟
نعم، والقرآن يصرح بذلك ، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم:10].
وهذه آية شديدة الأهمية في بحثنا . فالحديث عن امرأتين تحديدًا ، ومع ذلك لم يقل القرآن: «ضرب الله مثلًا للكافرات» ، ولا وصفهما بـ«كافرتين». بل جعل:﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ مثلًا: ﴿لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
إذن النساء يدخلن في مجال ﴿الذين كفروا﴾ دون حاجة إلى إنشاء هوية لغوية منفصلة باسم «الكافرات».
وهذا يقوي احتمال أن ﴿الذين كفروا﴾ في أصلها ترصد وقوع الفعل والموقف، لا جنس صاحبه.
خامسًا: حتى «كافر» لا يلزم أن يكون رجلًا
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:40]. لا توجد في السياق قرينة تجعل هذا المصير خاصًا بالذكور. ويمكن مقارنة ذلك بقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:124]. قال صراحة: ﴿مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ ثم قال:﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. إذن «مؤمن» هنا ليس مقصورًا على الرجل، وإنما يحمل حالة المرجعية التي يمكن أن تتحقق في الذكر والأنثى.
وبالمثل لا يلزم أن يكون «كافر» في كل موضع اسمًا جنسيًا للرجل.
سادسًا: لماذا إذن توجد «مؤمنة» و«مشركة»؟
لأن القرآن قد يحتاج في بعض السياقات إلى إبراز المرأة نفسها طرفًا مستقلًا في الحكم.
وأوضح مثال: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:221].
هنا بنية الحكم نفسها تقتضي إبراز الطرفين: المرأة في جهة، والرجل في جهة. لذلك ظهرت: ﴿مُشْرِكَةٍ﴾، و﴿مُؤْمِنَةٌ﴾ ، و﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ ، و﴿الْمُشْرِكِينَ﴾.أما غياب «كافرة/كافرات» في القرآن فيفتح احتمالًا مختلفًا:
الكفر لا يقدمه القرآن في أصل مادته بوصفه هوية جنسية تحتاج دائمًا إلى مقابل مذكر ومؤنث، وإنما بوصفه موقفًا مرجعيًا يمكن أن يقع من الإنسان رجلًا كان أو امرأة.
وهنا نصل إلى ﴿الكوافر﴾.
سابعًا: لماذا لا نقول ببساطة: الكوافر = الكافرات؟
لأن هذا يختصر المشكلة بدل أن يفسرها.
فالآية نفسها قالت: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ ثم: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾. فالقرآن وصف النساء هنا صراحة بصيغة الجمع المؤنث: ﴿المؤمنات﴾ و﴿مؤمنات﴾. ولو كان المراد في نهاية الآية مجرد وضع النساء المقابلات تحت وصف الكفر، لكان السؤال مشروعًا: لماذا لم يقابل ﴿المؤمنات﴾ بـ«الكافرات»؟
لكنه اختار بناءً آخر تمامًا: ﴿الْكَوَافِرِ﴾. ولذلك ينبغي دراسة هذا البناء داخل القرآن قبل مساواته آليًا بـ«الكافرات».
ثامنًا: هل كل «فواعل» في القرآن تحمل معنى واحدًا؟
لا. فالقرآن يستعمل ألفاظًا على بناء «فواعل» مثل:
﴿فَوَاكِهُ﴾ ، ﴿كَوَاكِبِ﴾ ، ﴿صَوَاعِقِ﴾ ، ﴿صَوَامِعُ﴾ ، ﴿الْقَوَاعِدُ﴾. ولا يصح أن نقول إن كل هذه الألفاظ تعني «حالة» لمجرد اشتراكها في البناء.
إذن لا توجد قاعدة: فواعل: حالة. لكن توجد مجموعة أخرى تستحق الدراسة؛ وهي الكلمات الوصفية التي يبقى ارتباطها بالفعل أو بالهيئة أو الوظيفة ظاهرًا، مثل: ﴿رَوَاكِدَ﴾ ، ﴿مَوَاخِرَ﴾ ، ﴿لَوَاقِحَ﴾ ، ﴿الْخَوَالِفِ﴾، ﴿الْقَوَاعِدُ﴾. وهنا يظهر نمط مختلف.
تاسعًا: ﴿رَوَاكِدَ﴾ — الكيان في حالته
قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:33].
الفلك موجودة قبل الوصف ، ثم حدث: ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾. فكانت النتيجة: ﴿رَوَاكِدَ﴾. إذن «رواكد» لا تسمي الفلك، وإنما تقدم الفلك من جهة الحالة التي تحققت فيها. إنها الفلك في حالة الركود.
عاشرًا: ﴿مَوَاخِرَ﴾ — الحركة المتحققة
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل:14] ، وهنا لا نتحدث عن سكون أصلًا. فـ«مواخر» تعرض الفلك من جهة حركتها في الماء. إذن الجامع ليس السكون، وإنما: تصوير الموجود من جهة الهيئة التي تحقق فيها أثر المادة.
في ﴿رواكد﴾ يظهر الركود ، وفي ﴿مواخر﴾ تظهر الحركة والمخر.
الحادي عشر: ﴿لَوَاقِحَ﴾ — الوظيفة
قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:22].
الرياح هي الكيان ، أما ﴿لَوَاقِحَ﴾ فتقدمها من جهة وظيفتها وأثرها. وهكذا يتسع النمط: فقد تقدم «فواعل» الوصفية حالة، أو هيئة، أو حركة، أو وظيفة.
الثاني عشر: ﴿الْخَوَالِفِ﴾ — الموقع المتشكل
قال تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:87].
اللافت قوله: ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ﴾. فالنص لا يكتفي بالإخبار عن فعل التخلف، وإنما يصور موقعًا رضي هؤلاء أن يتموضعوا فيه: موقع التخلف عن حركة الخروج.
وبذلك لا تعود ﴿الخوالف﴾ مجرد تعداد لأفراد قاموا بفعل، وإنما تقدم موقعًا متشكلًا أصبح بالإمكان أن يكون الإنسان معه أو داخله.
وهذا مهم جدًا لما سنصل إليه في ﴿الكوافر﴾.
الثالث عشر: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ و﴿الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:127]. وقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ الَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:60].
وهذه المقارنة من أهم الشواهد في البحث، فالكلمة نفسها وردت مرة في: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ ، ومرة في:﴿الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وهذا يعني أن ﴿القواعد﴾ ليست في ذاتها اسمًا للنساء وإلا لما أمكن أن تكون: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾. وفي تدبرنا للبيت لا نختزله في الجدران؛ فالقرآن يصفه بأنه: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:125]. ومن ثم يمكن قراءة ﴿القواعد من البيت﴾ باعتبارها المرتكزات المؤسسة لهذه المنظومة.
أما في: ﴿الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فقد حدد النص المجال صراحة: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، ثم شرح الحالة:﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾. إذن بناء الكلمة وحده لا يحدد جنس الموجود الذي يحملها؛ بل يحدد السياق المجال الذي تحقق فيه أثر المادة.
وهذا يقدم لنا مفتاحًا مهمًا: «فواعل» الوصفية لا يلزم أن تسمّي جنسًا من الأشخاص؛ فقد تقدم حالة أو هيئة أو وظيفة أو موقعًا، ثم يحدد السياق من أو ما الذي تحقق فيه ذلك.
وهذه قرينة مهمة قبل أن نفترض أن: ﴿الكوافر﴾ تعني النساء الكافرات.
الرابع عشر: القاعدة المقترحة لـ«فواعل» الوصفية
بعد هذه المقارنات يمكن اقتراح قاعدة، مع إبقائها خاضعة للاختبار: حين يأتي بناء «فواعل» من مادة وصفية مرتبطة بفعل، فإنه يستطيع أن ينقل مركز التصوير من مجرد صاحب الفعل إلى الصورة التي تشكلت من أثره: حالةً، أو هيئةً، أو وظيفةً، أو موقعًا.
وهذا لا يعني أن كل «فواعل» في القرآن كذلك ، لكنه يفسر مجموعة واضحة من الاستعمالات:
رواكد: حالة الركود.
مواخر: هيئة الحركة.
لواقح: الوظيفة.
خوالف: موقع التخلف.
قواعد: حالة أو مرتكز بحسب المجال.
والآن يمكن أن نسأل: هل ﴿الكوافر﴾ تعمل بالطريقة نفسها؟
الخامس عشر: سياق الممتحنة ليس تصنيفًا للأشخاص فقط
تبدأ الآية بحركة: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ ، ثم امتحان: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ، ثم تحقق من المرجعية: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾. إذن الانتقال المكاني وحده لا يكفي؛ المطلوب التحقق من انتقال المرجعية. وبمجرد ثبوت ذلك تتغير صلاحية العلاقة السابقة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ، ثم يبين السبب: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ، ثم تحفظ الحقوق المالية:﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾. ثم يفتح إمكان إنشاء رابطة جديدة:﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
إذن الموضوع ليس مجرد تصنيف: هذه مؤمنة، وهذه كافرة ، بل هناك: تغير مرجعية، ثم تغير صلاحية رابطة، ثم تسوية آثار العلاقة، ثم إمكان إنشاء رابطة جديدة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا يقول: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
السادس عشر: لماذا قال ﴿تُمْسِكُوا﴾؟
الإمساك هنا مهم. قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] ، وقال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:2]. فالإمساك ليس إنشاء العلاقة من الصفر ، إنه استمرار إبقاء رابطة موجودة. ولهذا لم تقل الممتحنة: «لا تنكحوا الكوافر».
بل: ﴿لَا تُمْسِكُوا﴾ ، فالمعالجة هنا لعلاقة قائمة أصلًا.
السابع عشر: ولماذا ﴿بِعِصَمِ﴾؟
النص لم يقل: «ولا تمسكوا الكوافر» ، بل قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهذا فارق جوهري.
مادة «ع ص م» في القرآن ترتبط بالحفظ والارتباط الذي يمنع الانفصال:
﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:43].
﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:101].
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:103].
وفي سياق الممتحنة تصبح ﴿العِصَم﴾ الروابط الضامنة التي تحفظ اتصال طرفي العلاقة. إذن مركز الأمر ليس جسد المرأة، مركز الأمر هو استمرار الرابطة.
الثامن عشر: ودلالة الباء
حتى الباء في: ﴿بِعِصَمِ﴾ لا ينبغي إسقاطها. فالنص لم يقل: «لا تمسكوا عصم الكوافر» ، بل: ﴿لَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
وبحسب ما توصلنا إليه في دراسة الباء، فهي تدخل ما بعدها في كيفية تحقق الفعل أو المجال الذي يجري الفعل من خلاله. فتصبح العصمة هي وسيلة استمرار الإمساك ومجاله.
أي أن الأمر لا يتوجه إلى «إمساك المرأة»، وإنما إلى عدم الاستمرار في تشغيل الرابطة التي كانت تحفظ العلاقة بعد تغير المرجعية. وهذا يجعل اختيار ﴿الكوافر﴾ أكثر إثارة للدلالة.
التاسع عشر: ماذا يمكن أن تعني ﴿الْكَوَافِرِ﴾؟
إذا جمعنا ما سبق، يظهر احتمال قوي:
﴿الكوافر﴾ لا تضع جنس الأشخاص في مركز الصورة، وإنما تصور حالة الكفر المتشكلة التي أصبحت للعِصَم امتدادات إليها.
وهذا لا يعني إخراج النساء من الآية . فالسياق الزوجي بلا شك يتناول نساءً ورجالًا ، لكن هناك فرقًا بين قولنا:
السياق يتناول نساءً وقع منهن الكفر ، وبين قولنا: كلمة ﴿الكوافر﴾ نفسها ليست إلا اسمًا آخر لـ«الكافرات».
الأول ثابت من السياق ، أما الثاني فهو الذي يحتاج إلى إثبات. والاختيار القرآني لبناء مختلف، مع غياب «كافرة/كافرات» من الاستعمال القرآني، يجعل عدم التسوية بينهما جديرًا بالتدبر.
العشرون: الكفار والكوافر في الآية نفسها
وهذه من أقوى القرائن الداخلية.
قال أولًا: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ، ثم قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. لماذا لم يكرر البناء نفسه؟
الفرق في تركيب الجملتين مهم:
في الأولى هناك حركة واتجاه: ﴿تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾. فـ﴿الكفار﴾ جهة بشرية يقع إليها الإرجاع ، أما الثانية فلا تتحدث عن إرجاع شخص إلى أشخاص، وإنما عن رابطة قائمة: ﴿تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فتغير مركز المشهد: من الأشخاص والجهة، إلى العصمة والرابطة والحالة التي أصبحت متصلة بها. وهنا يصبح الانتقال من: ﴿الْكُفَّارِ﴾ إلى: ﴿الْكَوَافِرِ﴾ متوافقًا مع تغير زاوية المشهد نفسه.
الحادي والعشرون: والآية التالية تزيد الصورة وضوحًا
قال بعدها: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ… فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة:11].
وهنا القرآن قادر تمامًا على تسمية الأشخاص بحسب العلاقة: ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾ و﴿أَزْوَاجُهُمْ﴾. وقادر على تسمية الجهة: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾. أما عندما تناول الرابطة التي يجب عدم استمرارها فقال: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهذا يقوي أن اختيار ﴿الكوافر﴾ مرتبط بزاوية مختلفة عن مجرد تسمية الزوجات.
الثاني والعشرون: لماذا لم يقل القرآن «الكافرات»؟
بعد جمع القرائن يمكن تقديم جواب أكثر دقة. لو قال:
«الكافرات» لكان مركز العبارة ذواتًا مؤنثة موصوفة بالكفر، كما نجد في:مؤمنة / مؤمنات، ومشركة / مشركات. لكن الكفر، بحسب ما ثبت في بحثنا، ليس في أصله هوية جنسية ثابتة، بل موقف مرجعي تجاه معلوم.
ولهذا تستطيع المرأة أن تدخل في: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم:10]. فالقرآن جعل امرأتين مثالًا لـ﴿الذين كفروا﴾، ولم يحتج إلى أن يقول «الكافرات» أو «كافرتين».
وعندما احتاجت الممتحنة إلى معالجة النساء كأشخاص قال: ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾، ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾، ثم في الآية التالية: ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾. أما عندما انتقل إلى مصير العصمة بعد اختلاف المرجعية لم يقل: «عصم الكافرات» ، بل: ﴿عِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
ومن هنا يفتح البناء احتمالًا قويًا أن القرآن نقل مركز النظر من جنس صاحب الكفر إلى الحالة المتشكلة من الكفر وما امتد إليها من روابط.
الثالث والعشرون: الفرق بين ﴿الذين كفروا﴾ و﴿الكوافر﴾
يمكن الآن ضبط الفرق :
﴿الذين كفروا﴾ يبرز وقوع فعل الكفر من أشخاص؛ رجالًا كانوا أو نساء. والسياق يحدد المكفور به، وقيمة ذلك الكفر، وما ترتب عليه.
أما ﴿الكوافر﴾ في موضع الممتحنة فلا تأتي لتسجيل وقوع الفعل من جديد، بل داخل سياق أصبحت فيه نتيجة اختلاف المرجعية قائمة في شبكة من العلاقات والعِصَم.
ولهذا يمكن القول: ﴿الذين كفروا﴾ يبرز الفعل ومن وقع منه ، أما: ﴿الكوافر﴾ فتبرز، في هذا السياق، الصورة المتشكلة من حالة الكفر من جهة اتصال العِصَم بها.
الرابع والعشرون: لماذا لا نجعل ﴿الكوافر﴾ مرادفة لـ﴿الكفار﴾؟
لأن القرآن وضعهما في الآية نفسها: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾ ثم:
﴿عِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. والأصل في منهجنا ألا نفترض أن تغيير البناء لا يؤدي شيئًا.
﴿الكفار﴾ في هذا السياق يقدم الجهة التي يقع إليها الإرجاع.
أما ﴿الكوافر﴾ فتأتي داخل تركيب مختلف يتعلق بالعِصَم والإمساك بها.
لذلك فالتسوية التامة بينهما تضيع سبب العدول من بناء إلى آخر داخل الآية نفسها.
الخامس والعشرون: هل نستطيع الجزم أن ﴿الكوافر﴾ ليست النساء؟
لا ينبغي أن نتجاوز القرينة. السياق الزوجي واضح، والنساء جزء أصيل من المشهد. لذلك لا نقول إن ﴿الكوافر﴾ «لا علاقة لها بالنساء». بل الأدق:
السياق يثبت وجود نساء في طرف العلاقة، لكنه لا يثبت أن وظيفة بناء ﴿الكوافر﴾ هي مجرد تأنيث ﴿كافر﴾.
والقرائن التي تمنع الاستعجال متعددة:
١ ( غياب «كافرة/كافرات» من الاستعمال القرآني.
٢ ( وجود النساء صراحة داخل ﴿الذين كفروا﴾ في التحريم 10.
٣ ( وجود ﴿المؤمنات﴾ و﴿مؤمنات﴾ في الآية نفسها.
٤ ( وجود ﴿الكفار﴾ ثم العدول عنه إلى ﴿الكوافر﴾.
٥ ( ارتباط ﴿الكوافر﴾ تحديدًا بـ﴿عِصَم﴾ لا بالفعل المباشر على الأشخاص.
٦ ( ثم وجود نمط قرآني في «فواعل» الوصفية يستطيع أن يبرز الحالة أو الهيئة أو الوظيفة أو الموقع بدل مجرد تعداد الذوات.
لذلك فهذه القراءة ليست حكمًا مبنيًا على الوزن وحده، وإنما نتيجة تتقوى من اجتماع القرائن.
السادس والعشرون: القاعدة المقترحة
بعد هذا الاستقراء يمكن صياغة النتيجة على مستويين.
في الكفر:
الكفر ليس هوية جنسية ثابتة، بل موقف مرجعي تجاه معلوم ولذلك يمكن للذكر والأنثى أن يدخلا في ﴿الذين كفروا﴾ دون أن يحتاج القرآن إلى مقابل أنثوي ثابت باسم «الكافرات».
وفي بناء «فواعل» الوصفي:
حين يكون «فواعل» مشتقًا من وصف فعلي، فإنه يستطيع أن ينقل مركز التصوير من مجرد صاحب الفعل إلى الصورة المتشكلة من أثره: حالةً، أو هيئةً، أو وظيفةً، أو موقعًا.
ومن اجتماع الأمرين يمكن فهم خصوصية: ﴿الْكَوَافِرِ﴾.
الخلاصة
السؤال لم يكن: هل توجد في سياق الممتحنة نساء وقع منهن الكفر؟ فهذا ظاهر من السياق.
السؤال هو: لماذا لم يسمهن القرآن «الكافرات»، مع أنه قال في الآية نفسها ﴿الْمُؤْمِنَاتُ﴾ و﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾، ومع أنه استعمل في مواضع أخرى ﴿مُشْرِكَة﴾ و﴿الْمُشْرِكَات﴾ و﴿الْمُنَافِقَات﴾؟
واجتماع القرائن يفتح جوابًا مختلفًا عن مجرد القول إن «الكوافر» جمع «كافرة»:
الكفر في القرآن موقف مرجعي تجاه معلوم، يقع من الرجل والمرأة، ولذلك أدخل القرآن امرأتي نوح ولوط في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دون أن يصنع لهما هوية مستقلة باسم «كافرتين».
ثم جاءت الممتحنة فلم تقل: «لا تمسكوا الكوافر»، وإنما قالت:
﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
فالمشهد عند هذه النقطة لم يعد مركزه تسمية الأشخاص، بل مصير العِصَم بعد اختلاف المرجعية.
ويزداد ذلك قوة لأن الآية نفسها فرقت بين:
﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾: حين كان الحديث عن الجهة البشرية التي يقع إليها الإرجاع.
و﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: حين انتقل الحديث إلى الروابط التي لم يعد يجوز استمرار الإمساك بها.
ومن هنا تقوى القراءة التي ترى أن ﴿الكوافر﴾ لا تؤدي وظيفة «الكافرات» نفسها، بل تنقل مركز التصوير من جنس صاحب الكفر إلى الحالة المتشكلة من الكفر من جهة ما اتصل بها من عِصَم وروابط.
وبذلك يصبح السؤال: لماذا قال ﴿الكوافر﴾ ولم يقل «الكافرات»؟ مدخلًا إلى ملاحظة أعمق:
المرأة قد يقع منها الكفر، لكن الكفر نفسه ليس هوية جنسية و﴿الكوافر﴾ في هذا الموضع أقرب إلى تصوير حالة مرجعية متشكلة دخلت في شبكة من العِصَم، لا إلى مجرد تسمية نساء بوصف «الكافرات».
وهذه النتيجة لا تقوم على الوزن وحده، وإنما على اجتماع: غياب «كافرة/كافرات» من القرآن، ودخول النساء في ﴿الذين كفروا﴾، واختلاف ﴿الكفار﴾ عن ﴿الكوافر﴾ داخل الآية نفسها، وارتباط ﴿الكوافر﴾ تحديدًا بالعِصَم، ثم ما كشفته المقارنة مع الاستعمالات الوصفية لبناء «فواعل».
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



