أبحاثيتدبرون

بحث في الزنا (الجزء الأول)

 

مقدمة

لقد استقرّ في التراث الإسلامي أنَّ الزنا يُعرَّف على أنَّه المعاشرة الجنسية دون عقد نكاح، وهو أمرٌ محلُّ إجماعٍ لا خلاف فيه. ومع ذلك، قدّم الدكتور محمد شحرور، رحمه الله، في قراءته المعاصرة، تأويلًا مغايرًا لهذا المفهوم، حيث اعتبر أنَّ الزنا هو المعاشرة الجنسية العلنية، مستندًا في ذلك إلى دلالتين رئيسيتين:

  1. اشتراط القرآن شهادة أربعة شهود لإثبات واقعة الزنا، وهو ما اعتبره أمرًا لا يمكن تحقّقه إلا إذا وقعت المعاشرة في مكان عام أو على الملأ (سورة النور: 4).
  2. اعتباره أنَّ الفواحش جميعها مرتبطة حصريًا بالجنس، ممّا جعله يُدرِج الزنا ضمن هذه الفئة.

غير أنَّه لو نظر إلى مفهوم الزنا في سياقه القرآني الكامل، ولا سيما في سورة النور، لربما توصَّل إلى تفسير آخر يتوافق مع ما نطرحه في هذا البحث.

إشكالية المعنى التراثي للزنا

إنّ الاقتصار على المعنى التراثي القائل بأنَّ الزنا هو المعاشرة الجنسية دون عقد نكاح، يُثير عددًا من التساؤلات التي لم يتطرّق إليها الفقهاء والمفسّرون بإجابات واضحة. وأوّل هذه التساؤلات، قبل التطرّق إلى دلالة الزنا في اللسان العربي، هو:

  • هل أقرّ النص القرآني بوضوح أنَّ الزنا لا يقع إلا بين شخصين مجتمعين؟ أم أنَّه قد يُرتكَب من طرفٍ واحد؟

فإذا كان الزنا فعلًا لا يتأتّى إلا من شخصين، فإنّ تعريفه بالمعاشرة الجنسية يصبح منطقيًا، إذ يستوجب وجود طرفين. أمّا إذا أمكن وقوع الزنا من طرف واحد، فإنّ هذا التعريف يُصبح محلّ إشكال.

ولفهم هذه الإشكالية، يمكن تأمّل قوله تعالى في سورة النور:

“الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ” (النور: 2).

فهل يُشير هذا التعبير إلى أنَّه لا وجود لزانية بدون زانٍ، ولا زانٍ بدون زانية؟ أم أنَّ الآية تتحدث عن كل منهما كفاعل مستقل، تمامًا كما ورد في قوله تعالى عن السارقين في سورة المائدة:

“وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا” (المائدة: 38).

من الواضح أنَّ هذه الآية الأخيرة لا تشترط اجتماع السارقين ليتحقق فعل السرقة، بل تشير إلى إمكانية وقوعها من فردٍ واحد، ذكرًا كان أو أنثى. وعليه، لماذا يُفهم الزنا، بخلاف ذلك، على أنّه لا يقع إلا بين طرفين؟

إعادة النظر في دلالة العقوبة

إنّ التدقيق في صياغة النص القرآني يكشف عن دلالة مهمّة. فلو كان الزنا فعلًا مشتركًا يستوجب وجود طرفين بالضرورة، لكان التعبير القرآني أقرب إلى قوله:

“الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ”

إلا أنَّ النص استخدم عبارة:

“فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ”

وهذا يدل على أنَّ العقوبة تستهدف كلَّ فاعلٍ للزنا على حدة، دون أن يشترط اجتماع الزاني والزانية في فعل واحد مشترك.

دلالة الحديث النبوي على استقلالية الفعل

يُؤكّد هذا المعنى أيضًا الحديث النبوي الذي جاء فيه:

“إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها” (صحيح البخاري، رقم: 2152).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين الطرف الثاني؟ ولماذا لم تشر الرواية إلى عقوبته؟
إنَّ هذا السكوت عن الطرف الثاني يُوحي بأنّ فعل الزنا يمكن أن يُرتكب بشكل فردي، وهو ما يعزز ما نذهب إليه في هذا البحث.

التفرقة بين “إتيان الفاحشة” و”الزنا”

إذا كان الزنا هو المعاشرة الجنسية دون عقد، فلماذا استخدم النص القرآني تعبير “إتيان الفاحشة” عند الحديث عن العلاقات غير المشروعة، ولم يستخدم مصطلح الزنا؟

“وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ” (النساء: 15).

في حين أنّه قال في موضع آخر:

“وَلَا يَزْنِينَ” (الممتحنة: 12).

وهذا التمييز يتكرر في آيات عدّة، ممّا يدلّ على أنّ “إتيان الفاحشة” ليس مرادفًا مباشرًا لمصطلح “الزنا”، بل إنّ القرآن يفرّق بينهما.

الزنا وإتيان الفاحشة في قصة لوط

تتضح هذه التفرقة أكثر عند النظر في قصة لوط، حيث ورد تعبير “إتيان الفاحشة” في سياق معين:

“وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ” (الأعراف: 80).
“أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ” (النمل: 54).
“إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ” (العنكبوت: 28).

وهذا يعزّز فرضية أنّ “إتيان الفاحشة” له دلالة أوسع من “الزنا”، ويتّصل بالسلوك الجنسي غير المشروع بشكل عام، وليس بالضرورة بالعلاقة الجنسية التقليدية بين رجل وامرأة خارج إطار الزواج.

في سياق البحث في مفهوم “الزنا” في النص القرآني، يتوجّب التمييز بين المصطلحات القرآنية المختلفة التي تشير إلى الأفعال المحرّمة أخلاقيًا ودينيًا، مثل “إتيان الفاحشة” و**”البغاء”**، ودراسة دلالاتها اللغوية والتشريعية وفقًا لاستخداماتها في محكم التنزيل.

إنّ استخدام القرآن لمصطلح “إتيان الفاحشة” يشير إلى مفهوم واسع يشمل أفعالًا متعددة، وليس فقط ما يُعرَف تقليديًا بالزنا، بدليل قوله تعالى:

“وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ” (الأنعام: 151).

ويؤكّد ورود اللفظ بصيغة الجمع على تعددية الفواحش، مما يعني أن الزنا ليس الفاحشة الوحيدة. وهذا ما يتجلّى أيضًا في قوله تعالى:

“وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا” (النساء: 22).

وهنا، نجد أن الفاحشة التي يشير إليها النص لا علاقة لها بالزنا، بل تتعلق بالزواج غير المشروع، مما يؤكّد أن مفهوم الفاحشة أوسع من مجرد العلاقة الجنسية غير المشروعة.

التمييز بين الزنا والبغاء

يُطرح تساؤل مهمّ في هذا السياق: هل الزنا والبغاء مصطلحان مترادفان؟

لقد فسر المفسّرون لفظ “بغِيًّا” في قوله تعالى:

“قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا” (مريم: 20).

بأنّه إشارة إلى الزنا. كما ذهبوا إلى المعنى ذاته في قول قوم مريم عليها السلام لها:

“يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” (مريم: 28).

غير أنّه إذا كان المقصود من “بغيًّا” هو “زانية”، فلماذا لم يستخدم النص القرآني هذا اللفظ بوضوح؟ لماذا لم ترد العبارة بصيغة: “وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ زَانِيَةً”؟

إنّ هذا يثير تساؤلًا مشروعًا حول دقة هذا التأويل. فلو كان مقصدهم اتهام مريم بالمعاشرة غير الشرعية، لكان الأولى أن يذكّروها بأنّ أمها لم تُتّهم بالزنا، مما يُضعف تفسير المفسرين التقليديين لمفهوم “البغاء” على أنه مرادف للزنا.

دلالة “البغاء” في اللسان العربي

قد يُقال إنّ البغاء يشير إلى امتهان المعاشرة غير المشروعة، أي أن كل بغاء هو زنا، ولكن ليس كل زنا بغاءً. وهذا ما تقرّه المعاجم اللغوية، غير أنّ البحث هنا يتجاوز اللغة العربية التقليدية إلى اللسان العربي الذي نزل به محكم التنزيل.

عند العودة إلى أصل الجذر “بغى” في اللسان العربي، نجد أن معناه الأساسي هو طلب الشيء والسعي إليه بشغف وقوة. وهذا ما يؤكده ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة”، حيث يقول:

“(بغى) الباء والغين والياء أصلان: أحدهما طلب الشيء، والثاني جنس من الفساد.”

ويتّضح من تتبّع استخدامات الجذر “بغى” في القرآن أنّه يُستخدم حصريًا في سياق طلب الأمور المنكرة والفاسدة، وليس في الأمور الحسنة، كما في قوله تعالى:

“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ” (آل عمران: 99).

وقوله:

“قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ” (الأعراف: 140).

وبناءً على ذلك، فإنّ “البغي” في القرآن يرتبط بالسعي إلى تحقيق الفساد وليس بالضرورة بالجنس أو المعاشرة غير المشروعة. وهذا يُلقي بظلال الشكّ على التفسير التقليدي الذي يربط مفهوم “البغاء” بالدعارة فقط.

إعادة تأويل “البغاء” في سورة مريم

إذا عدنا إلى قول مريم عليها السلام:

“وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا” (مريم: 20).

يُمكن أن نقرأه وفق المعنى اللغوي للجذر، بحيث يكون المقصود:

“لم أكن أسعى إلى الولد أو أرغب فيه.”

وهذا يتوافق مع السياق، إذ إنّ مريم كانت قد نذرت نفسها للعبادة بعيدًا عن الانشغال بأمور الدنيا، كما جاء في قول والدتها:

“إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (آل عمران: 35).

وهذا يعني أنّ مريم لم تكن تسعى إلى الإنجاب أصلًا، ممّا يجعل تعجّبها في محله حين بشّرها جبريل بالغلام.

والأمر نفسه ينطبق على قول قومها:

“وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا” (مريم: 28).

فإذا كان المقصود أنها لم تكن تسعى لإنجاب ولد، فهذا يتوافق مع نذرها لله، حيث لم يكن هدفها إنجاب ذرية، بل كان الهدف هو التفرغ للعبادة.

خاتمة

 

إنّ القراءة المتأنّية للنصوص القرآنية والحديثية تُبرز الحاجة إلى إعادة النظر في المفاهيم التراثية المتعلقة بالزنا، لا سيما فيما يتعلّق بشرط الثنائية في وقوعه. إنّ تحليل البنية اللغوية للآيات، ومقارنة مصطلحي “إتيان الفاحشة” و**”الزنا”**، يطرح تساؤلات جادّة حول مدى دقة الفهم التقليدي. ومن هنا، فإنّ البحث في هذا الموضوع يستلزم دراسة معمّقة للمصطلحات القرآنية في سياقها اللغوي والتشريعي بعيدًا عن الإسقاطات الفقهية المتوارثة.

من خلال تحليل المصطلحات القرآنية في سياقها اللغوي والتشريعي، يتّضح كذلك أنّ “البغاء” في القرآن لا يُرادف بالضرورة “الزنا”، وأنّ الجذر “بغى” يدلّ على طلب الأمور الفاسدة عمومًا، وليس فقط العلاقات غير المشروعة. وهذا يعيد النظر في المفاهيم المتوارثة، ويُبرز الحاجة إلى مراجعة التفسيرات التقليدية وفقًا لمنهج لغوي دقيق يأخذ في الاعتبار خصوصيات اللسان العربي في النص القرآني.

أستاذ مهندس كمال الغازي

الأستاذ المهندس كمال الغازي: باحث إسلامي يكرّس جهوده للتأمل العميق والدراسة المنهجية للقرءان الكريم ، وله العديد من المقالات المنشورة التي تناولت موضوعات متنوعة في مجال الدراسات القرءانية. يتميز بعمق رؤيته وتحليلاته العلمية التي تسعى إلى استكشاف الجوانب المختلفة للنصوص التنزيل الحكيم وإبراز معانيها وقيمها.

مقالات ذات صلة

اترك رداً على IOQS إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى