الحرية كقيمة إنسانية بين القرآن والفقه والروايات الحديثية

الحرية كقيمة إنسانية بين النص القرآني والروايات الحديثية والفقهية
رشيد إيلال
مقدمة:
الحرية لفظ مرادف للإنسانية، باعتبار أن الإنسان كائن لا يمكن إلا أن يكون حرا، وبهذا الاعتبار لا يمكن القول إنها ترف فكري في الفلسفة القرآنية، فهي جوهر الوجود الإنساني الذي يمنح الإنسان كرامته ومعناه. إنها نَفَس الروح التي نفخها الله في الآدمية، وجوهر الاستخلاف الذي يقوم على حرية الإرادة والاختيار. فالقرآن لا يرى الإنسان عبدا لمؤسسة أو نص ثانوي، بل عبدا لله وحده، ومن هذه العبادية المطلقة تنبثق الحرية المطلقة من كل سلطة بشرية أو فكرية تقيد العقل وتكبل الضمير.
الحرية في الرؤية القرآنية
بقراءة متأنية للنص القرآني نرى أنه جاء ليحرر الإنسان من كل أشكال العبودية المزدوجة: عبودية الجسد وعبودية الفكر.
قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}.سورة البقرة 256
هذه الآية تؤسس لمبدأ الحرية الدينية والسياسية والفكرية؛ فهي تحمل في دلالاتها معنيين: الأول نفي للإكراه، والثاني: إعلان لتحرير الإنسان من الوصاية باسم السماء. فالله لم يجعل من الإيمان فعل قسري، بل فعل يجب أن يكون في جوهره ومبناه ومعناه مؤسس على اقتناع ومسؤولية عن وعي بماهية اختيارك النابع من رشدك لا من غيك.
وفي قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)} الكهف الاية 29
تعلن هذه الآية القرآنية أن حرية الاعتقاد جزء من نظام الكون الإلهي، لأن الإيمان القسري لا معنى له في ميزان الله. ولا قيمة له في دستور القرآن.
القرآن لا يعاقب على الكفر الدنيوي، إنما يترك الحساب لله وحده، بينما نجد التراثيين سواء منهم الفقهاء وكذا المحدثين، قد حولوا هذا المبدأ إلى منظومة عقوبات ودماء، ابتداء من “حد الردة” إلى فقه “الطاعة العمياء”. ليرتكبوا بذلك جريمة نكراء باسم الله والإسلام، مخالفين هذا المبدأ القرآني العظيم.
الحرية في مقابل الروايات الحديثية
حين ننتقل من القرآن إلى مدونة الحديث، نلمس انزياحا خطيرا في المفهوم.
فالحديث الذي يقول: “من بدل دينه فاقتلوه”، يناقض تماما المبدأ القرآني في حرية المعتقد. لقد تسلل من خلال هذه الرواية منطق الدولة السلطانية التي ترى في الدين نظام طاعة لا نظام حرية، فتحولت العقيدة إلى هوية سياسية لا علاقة لها بحرية الضمير ومشيئته.
إن روح القرآن قائمة على الاختيار، أما روح الحديث الموروث فغالبا ما تنزع نحو الانصياع، وتحول الإنسان إلى تابع لا إلى مفكر. ومن هنا بدأ الفصام النكد بين إسلام القرآن وإسلام الروايات: الأول دين حرية ومسؤولية، والثاني منظومة ضبط وسلطة.
الفقه وتحول الحرية إلى طاعة
الفقه الإسلامي، وهو نتاج تاريخي للثقافة السلطانية، تمت صياغة مفاهيمه في ظل السلطان لا في ظل القرآن.
فبدل أن يقرأ النص في ضوء الحرية، قرأه الفقهاء في ضوء الخضوع، وبدل أن يجعل الإنسان محور التشريع جعله موضوعا للتقييد.
لذلك نجد الفقهاء قد حولوا الحرية إلى استثناء، والعبودية إلى قاعدة، فشرعوا “طاعة أولي الأمر” بلا قيد، و “حد الردة” بلا تمييز، و”الولاية الذكورية” بلا منطق، متناسين أن القرآن قال:
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}
فالحرية في القرآن هي حق مدني وشرط أساسي لمفهوم العبادية -لا العبودية- لله؛ إذ لا عبادية لله دون حرية من كل ما سواه.
بين النص الإلهي والنص البشري
يختلف النص القرآني عن الحديث والفقه اختلافا في الجوهر والروح والمصدر.
فالنص القرآني يؤسس للحرية، أما النص الحديثي والفقهي فقد أدارها في فلك السلطة.
والقرآن يحرر الإنسان من الوهم والقداسة الزائفة، بينما الفقه أسس طبقة من القداسة تعيد إنتاج الوصاية نفسها التي حاربها الوحي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن التحول من القرآن إلى الفقه كان انتقالًا من دين التحرير إلى دين السيطرة، ومن الضمير الإنساني إلى الوصاية الفقهية.
الحرية القرآنية كقيمة كونية
الحرية في القرآن ليست حكرا على المسلم دون غيره، فعبقرية النص القرآنية تنزع الى اعتبارها حق لكل إنسان، لأنها تخرج من رؤية كونية يعبر عنها القرآن بقوله:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)}الاسراء 70
فالكرامة تشمل الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو مؤمن أو منتم إلى طائفة أو مذهب ما.
إنها كرامة الروح والعقل والاختيار، وليس كرامة الامتثال والتقليد، فختى كلمة الطاعة الواردة في كتاب الله تتم عن طواعية وتطوع، وبهذا يكون مفهوم الطاعة نابع من اختيار الانسان وقناعته، وليست انصياعا أحاديا بدون خيار ولا اختيار,
ومن ثم فإن أي نظام فقهي أو سياسي يقيد حرية الإنسان في الفكر والرأي يناقض جوهر القرآن الذي جعل العقل أداة الهداية، والحرية طريق الإيمان.
خاتمة
وبهذا الاعتبار فإن الحرية بفهومها القرآني هي مشروع لتحرير الإنسان من كل وصاية فكرية أو دينية أو سياسية.
أما الروايات المصطنعة والفقه المؤدلج، فقد حولا الدين إلى مؤسسة ضبط، ففقد الإنسان المسلم وجهه الحر وضميره الحي.
