مقالات

قتل الغلام في سورة الكهف

قراءة في منع مسارٍ مُرهِق لا إزهاق نفسٍ بريئة

قتل الغلام في سورة الكهف

قراءة في منع مسارٍ مُرهِق لا إزهاق نفسٍ بريئة

المقدمة

كثر الجدل في قصة الغلام في سورة الكهف، لأن القراءة الشائعة جعلت المشهد قائمًا على أن العبد الصالح قتل غلامًا صغيرًا قتلًا جسديًا، ثم جاء التعليل بأنه كان سيُرهق أبويه طغيانًا وكفرًا. وهذه القراءة تفتح إشكالًا أخلاقيًا كبيرًا: كيف يُقتل غلام لم تظهر منه جريمة؟ وكيف يكون احتمال ما سيفعله لاحقًا سببًا لإزهاق نفسه؟ وكيف يكون إبدال الأبوين بغلام آخر تعويضًا عن قتل غلامهما؟

ولذلك لا بد من إعادة قراءة الآية من داخل ألفاظها، لا من داخل التصور الموروث.

قال تعالى:

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾

هذه الآية لا تقول إن العبد الصالح ذبح الغلام، ولا تقول إنه أماته، ولا تذكر دمًا، ولا دفنًا، ولا قصاصًا، ولا أهلًا يطلبون حقه، بل تقول: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ . والقتل في القرآن لا يلزم أن يكون دائمًا إزهاق نفس، بل يدل على إيقاف استمرار حالة أو مسار أو وظيفة. فإذا تعلّق القتل بالحياة الجسدية كان إزهاقًا، وإذا تعلّق بفكرة كان إبطالًا لها، وإذا تعلّق بدور أو مهمة كان إيقافًا لصاحبها عن الاستمرار فيها، وإذا تعلّق بالشخصية كان إسقاطًا لها وتشويهًا لحضورها.

ومن هنا، فالآية تحتاج إلى قراءة مركبة: ماذا كان الغلام؟ وما علاقته بالأبوين؟ وما معنى قتله؟ ولماذا قال موسى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟ ولماذا قال العبد الصالح: ﴿فَخَشِينَا﴾؟ ولماذا قال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ لا “فأردت”؟ ولماذا قال: ﴿رَبُّهُمَا﴾ لا “ربك” كما قال في اليتيمين؟

أولًا: القصة تبدأ من الإحاطة بالخبر

قبل حادثة الغلام قال العبد الصالح لموسى: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ، ثم بيّن السبب: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾

إذن المشكلة ليست في أخلاق موسى، ولا في أن العبد الصالح فوق ميزان الأخلاق، بل في أن موسى سيحكم على ظاهر الفعل دون أن يحيط بخبره كاملًا.

وهذا مفتاح القصة كلها: موسى يرى الفعل في لحظته، أما العبد الصالح فيتحرك بإحاطة بخبر المسار ومآلاته.

ولذلك جاءت الأفعال الثلاثة في القصة على هذا النسق:

-خرق السفينة ظاهره إفساد، وباطنه حفظها من الملك الغاصب.

-قتل الغلام ظاهره فعل منكر، وباطنه منع مسار كان سيُرهق الأبوين.

-إقامة الجدار ظاهرها خدمة لقوم لم يضيفوهما، وباطنها حفظ كنز اليتيمين.

 

فالقصة لا تعلمنا إلغاء الأخلاق، بل تعلمنا أن الحكم على ظاهر الفعل دون إحاطة بخبره قد يجعل الفعل نكرًا في عين الرائي، مع أن له وجهًا آخر لا يراه.

ثانيًا: اللقاء قبل القتل

قال تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ﴾ . النص لم يقل: “حتى إذا رأيا غلامًا فقتله”، بل قال: ﴿لَقِيَا غُلَٰمًا﴾ . واللقاء ليس رؤية عابرة، بل حصول مواجهة أو تواصل أو احتكاك. ثم قال: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ . والفاء هنا تفيد الترتيب بعد اللقاء، لكنها لا تمنع أن يكون داخل اللقاء كلام أو اختبار أو ملاحظة أو ظهور حال. وهذا مهم؛ لأن الفعل لم يأتِ في النص وكأنه قتل عشوائي لغلام مرّ في الطريق، بل جاء بعد “لقاء”.

ومن هنا يمكن أن نفهم أن العبد الصالح لم يتصرف لمجرد رؤية الغلام، بل بعد تحقق أمرٍ في اللقاء كشف له وجه المسألة. فقد يكون دار بينه وبين الغلام كلام، أو ظهر من الغلام ما يثبت أن استمراره في مهمته أو موقعه سيُرهق الأبوين طغيانًا وكفرًا.

إذن القتل هنا ليس فعلًا أعمى، بل نتيجة لقاء كشف حقيقة المسار.

ثالثًا: الغلام داخل مجال الأبوين لا داخل نسب الوالدين

النص قال: ﴿غُلَٰمًا﴾، ولم يقل: “ولدًا”، ولم يقل: “ابنًا”. وهذا الاختيار ليس عابرًا؛ فالغلام وصف لموقع أو حالة أو تبعية، وليس لفظًا مخصصًا لإثبات البنوة. والقرآن حين يريد تثبيت علاقة النسب يملك ألفاظًا مباشرة مثل: ولد، ابن، ذرية. أما هنا فاختار لفظ: ﴿غُلَٰمًا﴾، ثم قال في التعليل: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾، ولم يقل: “والداه”.

وهذا فرق حاسم فالوالد جهة توليد ونسب، أما الأب فجهة قيام ورعاية ومرجعية. فالأبوة ليست وصفًا للتوليد، بل موقع قيام ومسؤولية واحتواء داخل البيت أو المجال الاجتماعي.

ومن هنا فإن لفظ ﴿أَبَوَاهُ﴾ لا يضع الغلام في علاقة ولادة مباشرة، بل يضعه داخل مجال أبوي قائم عليه أو مرتبط به  مجال رعاية أو خدمة أو تبعية أو قيام. ولذلك لا نقرأ الغلام هنا بوصفه ابنًا، بل بوصفه غلامًا داخل مجال الأبوين المؤمنين.

وبناءً على ذلك فالمسألة ليست قتل ابنٍ لأبويه، بل إيقاف غلام عن موقع كان سيضرّ بمن يقومان عليه أو يستعملانه أو يرعيانه. فقد كان استمرار هذا الغلام في موقعه سيُرهق الأبوين طغيانًا وكفرًا، فجاء الفعل لقطع هذا المسار قبل أن يتحول إلى إرهاق فعلي لهما.

وهذا يجعل قوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ أكثر اتساقًا؛ لأن الإبدال هنا إبدال موقع ووظيفة وأثر، لا تعويض ولد بولد. غلام يُرفع من المجال، ويُبدل بغلام أصلح منه زكاة وأقرب رحمًا.

فالوالد جهة توليد، أما الأب فجهة قيام؛ ولذلك لم يقل: والداه، بل قال: أبواه.

 

 

رابعًا: معنى القتل هنا

الفهم الشائع يجعل القتل مساويًا لإزهاق النفس دائمًا. لكن القرآن يستعمل القتل في أوسع من ذلك بحسب السياق. فالقتل في أصله يدل على قطع استمرار شيء :

-فإن كان المستمر حياةً، كان القتل إزهاقًا.

-وإن كان المستمر فكرةً، كان القتل إبطالًا لها.

-وإن كان المستمر دورًا أو وظيفةً، كان القتل منعًا لصاحبها من الاستمرار فيها.

-وإن كان المستمر حضورًا اجتماعيًا، فقد يكون القتل إسقاطًا أو تشويهًا أو إخراجًا من الفاعلية.

ولهذا نقول: القتل في الآية ليس إزهاق نفس الغلام، بل  إيقافه عن استمرار مهمة أو دور أو مسار كان سيُرهق الأبوين المؤمنين.

وهذا ينسجم مع السياق كله؛ لأن العبد الصالح لم يعلل الفعل بأن الغلام قتل أحدًا، أو اعتدى، أو استحق قصاصًا، بل علله بأثر مستقبلي على الأبوين: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ، فالمركز ليس جريمة ماضية، بل مسار قادم كان سيُرهق الأبوين.

خامسًا: اعتراض موسى يكشف طبيعة الفعل

قال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ . لو كان موسى يشاهد جريمة قتل جسدية كاملة، لكان الاعتراض يمكن أن يتجه إلى سفك الدم أو إزهاق النفس. لكن التعبير الذي جاء به القرآن أدق: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ ، و﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ . فموسى يرى أن الغلام، بحسب الظاهر، نفس زكية؛ أي لا يظهر منها ما يوجب هذا القطع. ثم يقول:

﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ، أي أن موسى لم يرَ نفسًا مقابلة في الميزان، ولم يرَ جناية تستدعي مقابلة نفس بنفس.

لكن جواب العبد الصالح جاء ليكشف أن “النفس المقابلة” التي لم يرها موسى ليست نفسًا قُتلت في الماضي، بل نفسا الأبوين المؤمنين في المستقبل:

﴿وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ، أي أن موسى رأى نفس الغلام وحدها، بينما العبد الصالح رأى أثر الغلام على نفسين مؤمنتين. فالمسألة ليست عقوبة للغلام، بل حماية للأبوين من إرهاق قادم.

سادسًا: معنى ﴿نُكْرًا﴾

قال موسى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾ . النكر هو ما لا يُعرف وجهه في النظام الظاهر، وما يراه الناظر خارج المألوف أو خارج المبرر المتاح له. ولذلك لم يقل موسى فقط: “حرامًا”، بل قال: ﴿نُكْرًا﴾ لأن وجه الفعل غاب عنه. وهذا ينسجم مع قول العبد الصالح من البداية:

 

﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾

فما لا تحيط بخبره سيظهر لك نكرًا، لأنك ترى النتيجة ولا ترى مقدماتها، وترى القطع ولا ترى المسار الذي قُطع.

سابعًا: لماذا قال موسى ﴿جِئْتَ﴾ لا “أتيت”؟

قال موسى: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾ ، ولم يقل: “لقد أتيت شيئًا نكرًا “. وهذا فرق دقيق؛ لأن “جاء” تدل على حضور الحدث ووقوعه بقوة ومباشرة في إدراك الرائي. أما “أتى” ففيها امتداد أو مجيء يمكن أن يكون متدرجًا أو مؤجلًا أو ذا مسار.

موسى قال: ﴿جِئْتَ﴾ ، لأن الفعل ظهر له دفعة واحدة صادمًا، بلا مقدمات يحيط بها. فهو رأى نتيجة حاسمة لا يعرف سببها. لذلك قال: ﴿جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا﴾ ، أي أوقعت أمامي أمرًا حاضرًا صادمًا لا أعرف وجهه.

وهذا يؤكد مرة أخرى أن موسى رأى ظاهر الفعل، ولم يكن محيطًا بخبر المسار.

ثامنًا: الخشية ليست خوفًا مضطربًا

قال العبد الصالح: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾

وهنا لا بد من ضبط الخشية :  الخشية ليست خوفًا عاطفيًا ولا قلقًا من مجهول. الخشية في القرآن تقوم على إدراك معرفي عميق لعاقبة الشيء ومآله. ولذلك ارتبطت الخشية بالعلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ ، فالخشية ليست اضطرابًا، بل وعي بعاقبة المسار. وعليه، فقول العبد الصالح: ﴿فَخَشِينَا﴾ لا يعني: خفنا خوفًا ظنيًا. بل يعني: أدركنا بعلم وخبرة أن استمرار هذا الغلام في موقعه ومساره سيُرهق الأبوين المؤمنين طغيانًا وكفرًا.

وهذا ينسجم مع وصف العبد الصالح: ﴿وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ ، ففعله صادر عن علم وخشية ناتجة عن إدراك المآل، لا عن انفعال أو خوف عابر.

تاسعًا: مركز العلة هو إرهاق الأبوين

قال: ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ . لم يقل: فخشينا أن يطغى وحده ، ولم يقل: فخشينا أن يكفر وحده. بل قال: ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ ، أي أن أثره كان سيتجه إلى الأبوين، لا إليه وحده. والإرهاق هو تحميل زائد يضغط على الطرف الآخر ويدخله في عسر لا يطيقه. ومنه قول موسى:

﴿وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ . فالغلام كان سيُدخل الأبوين المؤمنين في ضغط يُفضي إلى طغيان وكفر، أو يدفعهما إلى مسار يخرجهما من توازنهما الإيماني.

إذن الفعل لم يكن عقوبة على الغلام، بل منعًا لأثره على الأبوين. وهنا يظهر معنى القتل: إيقاف مسار الغلام قبل أن يتحول إلى إرهاق فعلي للأبوين.

 

عاشرًا : ﴿فَأَرَدْنَا﴾ لا ﴿فَأَرَدتُّ﴾

قال العبد الصالح في السفينة: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ، فنسب الإرادة إلى نفسه؛ لأن الفعل في ظاهره عيب مباشر قام به في السفينة. أما في الغلام فقال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ، ولم يقل: “فأردت”. وهذا فرق حاسم :  ﴿فَأَرَدْنَا﴾ تدل على أن المسألة ليست قرارًا فرديًا من العبد الصالح وحده، بل دخول الفعل في نظام أوسع من التدبير والسنن، كأن العبد الصالح يتحرك ضمن منظومة علم ورحمة وتدبير، لا كفرد يقرر من تلقاء نفسه. وهذا ينسجم مع بداية القصة: ﴿آتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ . فالفعل ليس رأيًا شخصيًا، بل تصرف داخل علم ورحمة ونظام.

لكن المهم هنا أن قوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ ، يجعلنا ننتبه إلى قوله بعدها: ﴿رَبُّهُمَا﴾ . فلو كان المقصود بـ﴿رَبُّهُمَا﴾ هو الله مباشرة، مع دخول التدبير الإلهي في عموم الفعل، لاحتاج السياق إلى تفريق دقيق . ولذلك يتجه المعنى إلى أن يكون “ربهما” هنا بمعنى جهة الرعاية والتدبير المباشرة في واقع الأبوين، أي السيد أو المسؤول أو صاحب السلطة الذي يستطيع أن يبدلهما غلامًا آخر في الخدمة أو المهمة أو الرعاية.

وهذا المعنى تعززه آية يوسف: ﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ . فـ “ربك” هناك لا تعني الله، بل سيده أو الملك أو صاحب السلطة عليه. إذن فقوله: ﴿رَبُّهُمَا﴾ يرجّح أن المقصود به الجهة التي تملك قرار الإبدال في واقع الأبوين، لا الله مباشرة . خاصة أن السياق قال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ ، ثم قال: ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ . أي أردنا ضمن نظام التدبير أن يقوم صاحب السلطة أو جهة الرعاية باستبدال هذا الغلام بغلام آخر خير منه زكاة وأقرب رحمًا.

الحادي عشر: لماذا قال في اليتيمين ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾؟

في قصة الجدار قال العبد الصالح: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ . هنا قال: ﴿رَبُّكَ﴾ ، وهذا ظاهر في أن المقصود هو الله؛ لأن الأمر متعلق بتقدير بلوغ اليتيمين أشدهما، وحفظ الكنز عبر الزمن، وهذا ليس في يد بشر.

أما في قصة الغلام فقال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ، ولم يقل: “فأراد ربك أن يبدلهما”. فهذا الاختلاف ليس عبثًا :

⁃ في اليتيمين الأمر متعلق بتدبير إلهي مباشر ممتد إلى المستقبل: بلوغ الأشد واستخراج الكنز. لذلك قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾.

⁃ أما في الغلام فالأمر متعلق بإبدال غلام بآخر في مجال الأبوين، وهي صيغة تحتمل جهة رعاية أو ولاية أو سلطة مباشرة، لذلك قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾

وهذا ينسجم مع قراءة أن الغلام كان في موقع خدمة أو تبعية، وأن الإبدال يتم عبر جهة تدبير قريبة من واقع الأبوين، لا عبر ولادة غلام آخر.

 

 

 

الثاني عشر: الإبدال يقتضي مقابلة في الوظيفة

قال تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ . الإبدال ليس تعويض عاطفي بعد فقد. الإبدال في أصل معناه إدخال شيء مكان شيء في وظيفة أو موقع أو أثر.

ولو كان المقصود أن الغلام مات جسديًا، ثم سيُرزق الأبوان بولد آخر بدلًا منه، لظهر إشكال كبير: هل تُستبدل النفس بالنفس كأنها شيء قابل للتعويض؟ وهل يقال في نفس زكية إنها تُقتل ثم يعطى أبواها غيرها؟

أما إذا كان القتل بمعنى إيقاف الغلام عن دوره أو خدمته أو مساره، صار الإبدال واضحًا: غلام يُرفع من هذا الموقع لأنه سيُرهق الأبوين، ويُبدلهما ربهما أو صاحب تدبيرهما غلامًا آخر خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا.

وهنا نفهم لماذا وصف البديل بقوله: ﴿خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً﴾ ، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ . هذه ليست أوصافًا جسدية، بل أوصاف وظيفية وأخلاقية وعلاقية. فالبديل ليس مجرد شخص آخر، بل شخص أنقى أثرًا، وأقرب رحمة، وأصلح لعلاقة الأبوين ومحيطهما. إذن الإبدال هنا ليس “ولدًا بدل ولد” بالضرورة، بل “مسارًا بدل مسار”، و“غلامًا أصلح بدل غلام مُرهق”، و“أثرًا زكيًا رحيمًا بدل أثر يفضي إلى الطغيان والكفر”.

الثالث عشر: ماذا حصل للغلام؟

بناءً على مجموع القرائن، يتبيّن أن الغلام لم يُقتل بمعنى إزهاق النفس، بل أُوقف عن موقعه أو خدمته أو مساره الذي كان سيؤدي إلى إرهاق الأبوين المؤمنين .

فالمشهد يمكن فهمه هكذا: التقى العبد الصالح بالغلام. ومن خلال اللقاء ظهر له، بعلمه وخبره، أن هذا الغلام في مساره أو كلامه أو وظيفته أو طبيعته سيُرهق الأبوين المؤمنين طغيانًا وكفرًا. فقتله؛ أي قطع استمراره في ذلك المسار، ومنعه من مواصلة الدور الذي كان سيُنتج ذلك الإرهاق. ثم كانت الإرادة أن يُبدلهما ربهما، أي جهة تدبيرهما أو صاحب الأمر عليهما، غلامًا آخر أصلح: خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا.

فـ “قتل الغلام” هنا يعني: إيقافه وإزاحته عن موقع التأثير، لا ذبحه ولا إزهاق روحه. وهذا يفسر لماذا لم يذكر النص موتًا ولا دفنًا ولا دمًا ولا قصاصًا، ولماذا جاء التعليل كله حول الإرهاق والإبدال والزكاة والرحم.

الرابع عشر: لماذا كان فعل العبد الصالح نكرًا عند موسى؟

لأن موسى رأى غلامًا ظاهرُه زكي، ورأى قطعه عن مساره دون أن يرى الجهة المقابلة ولا الخطر القادم. ولذلك قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ، أي: أوقفت هذه النفس الزكية من غير أن أرى نفسًا أخرى في الميزان، ومن غير أن يظهر لي ما يوجب هذا القطع.

لكن العبد الصالح كشف له لاحقًا أن الميزان لم يكن متعلقًا بالغلام وحده، بل بالأبوين المؤمنين: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ . فموسى رأى طرفًا واحدًا من المشهد، أما العبد الصالح فقد كان يتحرك وفق خبر أوسع.

 

 

الخامس عشر: البنية الثلاثية للقصة تؤيد هذا الفهم

١- في السفينة لم يكن الخرق تدميرًا، بل عيبًا جزئيًا لحفظها من الغصب.

٢- وفي الجدار لم تكن الإقامة خدمة مجانية لقوم لئام، بل حفظًا لكنز اليتيمين.

٣- فلماذا يكون “قتل الغلام” وحده إهلاكًا كاملًا؟

الأقرب أن الأفعال الثلاثة كلها من جنس واحد: فعل ظاهره إشكال، وباطنه حفظ :

خرق السفينة: تعطيل ظاهر لحفظ أصلها.

قتل الغلام: قطع مسار ظاهر لحفظ الأبوين.

إقامة الجدار: عمل ظاهر بلا مقابل لحفظ كنز اليتيمين.

وهذا يجعل قتل الغلام منسجمًا مع نسق القصة: ليس إهلاكًا، بل منعًا لمسار مضر.

الخلاصة

قتل الغلام في سورة الكهف لا ينبغي أن يُحمل تلقائيًا على إزهاق النفس، بل القرائن الداخلية تجعل الأقرب أنه إيقاف لمسار أو وظيفة أو موقع كان سيُرهق الأبوين المؤمنين طغيانًا وكفرًا.

فالآية قالت: ﴿لَقِيَا غُلَٰمًا﴾ : واللقاء يفتح باب ظهور حال أو حوار أو اختبار.

وقالت: ﴿فَقَتَلَهُ﴾ : والقتل في القرآن أوسع من إزهاق النفس، فقد يكون منعًا لاستمرار مسار.

وقال موسى: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ : لأنه رأى ظاهر الغلام زكيًا ولم يرَ النفس المقابلة في الميزان.

ثم كشف العبد الصالح تلك الجهة بقوله:

﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾: أي أن مركز الحفظ كان الأبوين.

وقال: ﴿فَخَشِينَا﴾: والخشية هنا إدراك علمي بعاقبة المسار، لا خوف مضطرب.

وقال: ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾: أي أن المشكلة في أثر الغلام عليهما، لا في ذنب وقع منه.

وقال: ﴿فَأَرَدْنَا﴾: لا “فأردت”، لأن الفعل داخل نظام تدبير لا قرار فردي.

وقال: ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: و“ربهما” هنا يتجه إلى جهة الرعاية أو السلطة التي تملك الإبدال في واقعهما، كما في قول يوسف: ﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾، خاصة أن النص في اليتيمين قال بوضوح: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ .

إذن: الغلام لم يُقتل لأنه أذنب ولم يُستبدل جسده بجسد، بل قُطع عن مسار كان سيُرهق الأبوين، ليُبدلا بمن هو خير منه زكاة وأقرب رحمًا.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى