مقالات

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ

البقرة 238
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾

تأتي هذه الآية في قلب مقطع تشريعي طويل يتناول أحكام الأسرة: الطلاق، العدة، الرضاع، حقوق الأبناء، النفقة، الصداق، والإحسان بين الزوجين بعد الانفصال. وهذا الموضع في غاية الدقة؛ لأنه يكشف أن الخطاب لا ينتقل فجأة إلى موضوع منفصل، بل يواصل الحديث عن حفظ البنية الاجتماعية ومنع انهيارها.

أولًا: معنى ﴿حافظوا على الصلوات﴾

إذا فُهمت الصلاة في القرآن بوصفها منظومة علاقات منضبطة تقوم على الوصل والإصلاح والقيام بالحق، فإن قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ يعني:

حافظوا على الروابط التي أقامها الله بينكم، وأدّوا ما فيها من حقوق وواجبات بعدل وإحسان.

وفي هذا السياق الأسري تكون الصلوات هي العلاقات المتعددة التي تنشأ داخل الأسرة والمجتمع، مثل:

* علاقة الزوج بزوجته

* علاقة الوالدين بالأبناء

* علاقة المطلقين بعد الانفصال

* علاقة النفقة والرعاية والحضانة

* علاقة المعروف والعفو والفضل المتبادل

ولهذا جاءت في الآيات ألفاظ راقية تؤسس للأخلاق حتى وقت الخلاف، مثل:

* ﴿إمساكٌ بمعروف﴾

* ﴿تسريحٌ بإحسان﴾

* ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾

فالمطلوب ليس مجرد إنهاء عقد، بل حفظ ما أمكن من النظام الأخلاقي والاجتماعي.

ثانيًا: ما هي الصلاة الوسطى؟

خصّ الله الصلاة الوسطى بالذكر بعد العموم، مما يدل على أهميتها المركزية. والوسط في الاستعمال القرآني لا يعني مجرد المنتصف العددي، بل يدل على الأعدل، والأقوم، والأفضل، والأكثر توازنًا. كما في قوله تعالى:

* ﴿وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا﴾ أي أمة ذات توازن وعدل وشهادة.

* ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ أي من أجود ما تطعمون وأليقِه.

* ﴿قال أوسطهم﴾ أي أعقلهم وأرشدهم.

وعليه، فالصلاة الوسطى هنا هي العلاقة المركزية الأهم داخل هذا السياق الأسري. وأقرب ما ينطبق عليها: رعاية الأولاد وحفظ مصلحتهم.

فالأبناء هم الحلقة التي تجمع بين الزوجين حتى بعد الطلاق، وهم أكثر من يتضرر إذا تحوّل النزاع إلى انتقام وتشتيت. لذلك يكون معنى الآية في هذا السياق:

احفظوا جميع العلاقات والحقوق، وخصوصًا العلاقة المركزية التي تتمثل في الأبناء، فلا تجعلوهم ضحية الخصومة، ولا أداة ضغط بين الطرفين.

 

ثالثًا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾

بعد الأمر بحفظ العلاقات، يأتي الأمر بالقيام لله قانتين، أي لا تُدار هذه الملفات بالهوى والانفعال، بل بمنهج منضبط.

التعريف التشغيلي للقنوت

القنوت في القرآن يدل على حالة من الانضباط المستمر داخل النظام الإلهي. فهو يأتي في ثلاثة مستويات:

  1. قنوت كوني قهري

﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ : أي خاضعون لقوانين الكون التي لا يملكون الخروج عنها.

2.. قنوت إنساني اختياري

﴿وقوموا لله قانتين﴾ : أي التزام واعٍ بأوامر الله واستمرار عليها.

  1. قنوت اجتماعي إصلاحي

صفة تحفظ الأسرة والمجتمع من التفكك والانهيار.

وعليه فالمعنى هنا:

قوموا لله منضبطين، متزنين، ملتزمين بالعدل، واضعين أوامر الله فوق الغضب الشخصي والرغبات الآنية. أي عند الطلاق أو النزاع:

* لا ظلم

* لا انتقام

* لا تعطيل للحقوق

* لا استغلال للأبناء

* لا خروج عن حدود الله

الخلاصة

الآية ليست مقطوعة عن سياقها، بل هي قلبه النابض.

فمعناها: احفظوا كل الروابط والحقوق التي تنظّم الأسرة والمجتمع، واعتنوا خصوصًا بالعلاقة المركزية الأهم وهي مصلحة الأبناء واستقرارهم، وأديروا ذلك كله بانضباط وعدل وخضوع لمنهج الله. فإذا ضاعت هذه الصلاة الوسطى، ضاع الجيل، واهتز المجتمع، وامتلأت المحاكم والبيوت بالخصومات.

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى