مقالات

الجزء السابع سلسلة منظومة الطلاق في القرآن

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: الطفل الذي لا يجوز أن يطلّقه أحد حقوق الأولاد محفوظة بالتراضي… فإن تعذر فبالإلزام

الجزء السابع

سلسلة منظومة الطلاق في القرآن

﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾: الطفل الذي لا يجوز أن يطلّقه أحد

حقوق الأولاد محفوظة بالتراضي… فإن تعذر فبالإلزام

 

قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ۝ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

)البقرة: 238-239(

من أكثر الأسئلة التي أثارتها هذه الآية عبر الزمن: ما ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾؟ لكن قبل أن نسأل: ما الصلاة الوسطى؟ ينبغي أن نسأل سؤالًا أسبق: لماذا جاءت هذه الآية هنا أصلًا؟ فهي لم تأت في فراغ، وإنما جاءت داخل مقطع طويل يعالج الزواج والطلاق والعدة والرضاعة والنفقة والرجوع والتسريح والوفاة وما يبقى من حقوق بعد تغير العلاقة الزوجية. وإذا كان القرآن هو الذي اختار هذا الموضع، فلا يصح أن ننتزع ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ من محيطها، ثم نبحث لها عن معنى لا علاقة له بالبناء الذي وضعت داخله.

أولًا: انظروا إلى ما يسبق الآية

قبل أن يقول: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ، مرّ السياق على شبكة كاملة من العلاقات والحقوق. قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ ، وقال: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾، ثم دخل الطفل صراحة في قلب المشهد: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، ثم: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم يضع قاعدة شديدة الأهمية:

﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾، ثم: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.

إذن نحن لا نقرأ أحكام طلاق فحسب، بل نقرأ إدارة شبكة العلاقات التي تبقى قائمة عندما تتغير العلاقة بين الرجل والمرأة.

ثانيًا: الطلاق يستطيع أن ينهي علاقة… لكنه لا يستطيع أن ينهي كل الصلات

وهذه هي النقطة التي تجعل موقع ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بالغ الدلالة. الرجل والمرأة قد ينتهي بهما الأمر إلى المفارقة ، وقد قال القرآن في موضع آخر: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾، إذن يمكن أن يتفرقا.

لكن ماذا عن الطفل؟ هل يستطيع الأب أن يتفرق عن أبوته؟ وهل تستطيع الأم أن تتفرق عن أمومتها؟ وهل انتهاء الزوجية يعني انتهاء النفقة والرعاية والتشاور والمسؤولية؟ هنا تظهر المشكلة الحقيقية التي يعالجها السياق: يمكن إنهاء الزوجية، لكن لا يمكن إنهاء كل ما أنشأته الزوجية من صلات ومسؤوليات.

ومن هنا يصبح الأمر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ في غاية الانسجام مع السياق.

ثالثًا: لماذا قال ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ بالجمع؟

لأن ما يجب حفظه بعد اضطراب العلاقة ليس صلة واحدةً: هناك صلة الرجل بالمرأة وما بقي لها من حقوق ، وهناك صلة المرأة بالرجل فيما بقي بينهما من التزامات ، وهناك صلة الأب بولده ، وصلة الأم بولدها، وصلة الطرفين معًا بالطفل ، وهناك الرضاعة، والنفقة، والسكن، والتشاور، وعدم المضارة، والمعروف، والإحسان، والفضل. إنها شبكة من الصلات، ولذلك يصبح الجمع: ﴿الصَّلَوَاتِ﴾ منسجمًا مع تعدد العلاقات التي أمضى السياق السابق في تنظيمها. فالطلاق لا يعطي الإنسان حق هدم كل ما اتصل بالعلاقة التي انتهت.

رابعًا: لكن لماذا أفرد بعدها ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾؟

قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾. فإذا كانت الصلوات هي الصلات التي ينبغي صونها، فلماذا خُصّت واحدة منها بالذكر؟ هنا ينبغي أن ننظر مرة أخرى إلى السياق. هناك علاقة بين الرجل والمرأة يمكن أن تنتهي ، لكن هناك علاقة نشأت بينهما لا تنتهي بانتهاء الزوجية: الولد. فالطفل ليس طرفًا في قرار الطلاق، لكنه يقع في وسط آثاره. هو متصل بالأب، ومتصل بالأم. والأب والأم قد تنقطع الزوجية بينهما، بينما يبقى الطفل صلة قائمة بين الطرفين. ومن هنا تبرز دلالة وصف: ﴿الْوُسْطَىٰ﴾. فالطفل ليس مجرد حق إضافي في قائمة الحقوق؛ إنه الصلة التي تبقى وسط الطرفين بعد أن أصبحت العلاقة بينهما مهددة بالانفصال.

خامسًا: ﴿الْوُسْطَىٰ﴾ ليست مجرد موقع هندسي

استعمالات مادة «وسط» في القرآن لا تجبرنا على اختزالها في معنى «الشيء الواقع حسابيًا في المنتصف». قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وقال:﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، وقال: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. فالمادة تتحرك في مجال الموقع الجامع أو الحالة الأقوم والأعدل والأجدر بالاعتبار بحسب السياق. وفي سياق الأسرة تصبح الصلاة الوسطى هي الصلة التي تحتل موقعًا بالغ الحساسية بين الطرفين، والتي يجب ألا تُضحّى بها بسبب انهيار علاقتهما الخاصة. وهنا يتجه السياق بقوة إلى الأولاد وحقوقهم.

سادسًا: والقرآن كان قد وضع الطفل بالفعل في الوسط

قبل آيات قليلة فقط قال: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾. تأملوا البناء. لم يقل فقط: لا يضر أحدهما الآخر ، بل جعل: ﴿بِوَلَدِهَا﴾ ، و﴿بِوَلَدِهِ﴾. فالولد هو المجال الذي يمكن أن يتحول إلى أداة في الصراع بين الطرفين : يمكن أن يُستخدم للضغط، يمكن أن تستخدم النفقة للانتقام، يمكن أن تستخدم الحضانة للانتقام، يمكن أن تستخدم الرؤية أو الرعاية أو الرضاعة أو المال لتصفية حساب لم يصنعه الطفل أصلًا. ولهذا جاءت القاعدة قبل ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾: لا تجعلوا الطفل سلاحًا في حرب انتهت بين رجل وامرأة.

سابعًا: الطفل ليس «أثرًا» من آثار الزواج

وهذه نقطة تحتاج إلى ضبط شديد : الطفل ليس ملفًا تابعًا للطلاق ، وليس شيئًا يقسمه الطرفان بعد انتهاء العلاقة، بل هو صاحب حق مستقل. ولهذا لم يقل القرآن: إذا اتفق الأب والأم فلهما أن يفعلا بالطفل ما يريدان. بل حتى قرار الفصال قال فيه: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾. فالقرار الذي يمس الطفل لا يُدار بإرادة طرف واحد. إنه يحتاج إلى تراضٍ وتشاور، وهذه صورة عملية لما يعنيه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾.

ثامنًا: لماذا قال ﴿حَافِظُوا﴾ ولم يقل فقط «أقيموا»؟

الحفظ يفترض وجود شيء يمكن أن يتعرض للضياع. وهذا هو بالضبط ما يحدث عند انهيار العلاقة الزوجية. حين يكون الرجل والمرأة متوافقين، تسير كثير من مسؤوليات الطفل تلقائيًا داخل الأسرة ، لكن عند الطلاق تبدأ المخاطر: من يدفع؟ من يرعى؟ من يقرر؟ من يتحمل المسؤولية؟ ومن يستخدم الطفل ضد الآخر؟ وهنا لا يكفي أن تكون الصلة موجودة اسمًا. بل يجب: ﴿حَافِظُوا﴾. أي لا تسمحوا للخصومة بين الزوجين أن تمتد إلى الصلات التي أمر الله ببقائها.

تاسعًا: لماذا المحافظة على ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ بالذات؟

لأن الزوجين يستطيعان اتخاذ قرار يخص علاقتهما، أما الطفل فلم يختر انهيار هذه العلاقة. ولذلك لا ينبغي أن يتحمل ثمنها. يمكن للرجل والمرأة أن يتفرقا، لكن الطفل يجب ألا يُجبر على أن يفقد أحدهما لأن الآخر لم يعد يريده. يمكن أن تنتهي المودة الزوجية، لكن الأبوة لا تنتهي. ويمكن أن تنتهي المعاشرة، لكن الأمومة لا تنتهي. ويمكن أن تنتهي الزوجية، لكن مسؤولية الطفل لا تنتهي. ومن هنا تكون المحافظة على الصلاة الوسطى هي منع انهيار صلة الطفل بالطرفين عندما تنهار الصلة بين الطرفين.

عاشرًا: أول طريق لحفظ حق الطفل هو التراضي

قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. وهذا يكشف النموذج الأول الذي يريده القرآن: التراضي والتشاور. ليس الأب صاحب القرار المطلق، وليست الأم صاحبة القرار المطلق، ولا يصبح الطفل ملكية يتنازع عليها الطرفان، بل توجد مسؤولية مشتركة تستدعي: ﴿تَرَاضٍ﴾ و﴿تَشَاوُرٍ﴾. وهذا هو الطريق الطبيعي لحفظ الصلاة الوسطى: أن يدرك الطرفان أن الزوجية قد تتغير، لكن مسؤوليتهما تجاه الطفل مشتركة ولا تسقط.

الحادي عشر: لكن ماذا إذا انهار التراضي؟

وضع القرآن الطريق الأول لإدارة الحقوق المتعلقة بالولد: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. فالتراضي والتشاور هما الحالة المثلى: أب وأم، رغم ما طرأ على علاقتهما، ما زالا قادرين على إدارة مصلحة الطفل بالاتفاق.

لكن ماذا إذا انهار هذا المستوى؟ ماذا إذا تحولت الخصومة إلى خوف من ضياع الحقوق التي أمر الله بالمحافظة عليها؟

هنا تأتي الآية التالية بعد الأمر: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فتقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. وهنا لا يسقط الأمر بالمحافظة بسبب الخوف، بل تتغير آلية المحافظة.

فالحق الذي أمكن حفظه أولًا بالتراضي والتشاور لا يصبح مباحًا للضياع عندما يفشل التراضي. وهذه نقطة مركزية في المنظومة: التراضي وسيلة لحفظ الحق، وليس مصدر الحق. فإذا انتهى التراضي، بقي الحق، وأصبح المطلوب البحث عن وسيلة أخرى لحفظه.

الثاني عشر: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ — من الإصلاح إلى الإلزام

هنا تأتي دقة المرحلتين: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.

فـ﴿رِجَالًا﴾، وفق القراءة التي انتهينا إليها في هذا السياق، تنقل المحافظة على الصلة من الطرفين وحدهما إلى رجال يدخلون للإصلاح وضبط النزاع؛ أي إلى تدخل بشري اجتماعي عندما يعجز الطرفان عن إدارة الأمر بأنفسهما. وهذا ليس غريبًا عن منظومة الأسرة في القرآن، فقد قرر المبدأ نفسه عند خوف الشقاق:﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾.

فحين تفشل العلاقة في ضبط نفسها من الداخل، لا يتركها القرآن للانهيار، بل يدخل طرفًا آخر لإعادة ضبطها.

لكن ماذا إذا لم يكفِ الإصلاح؟ يأتي المستوى الآخر:

﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾.

و﴿رُكْبَانًا﴾، وفق ما انتهينا إليه في تحليل مادة «ركب»، لا تُقرأ هنا بوصفها ركوب دابة، بل من جهة التركيب والإلزام وإدخال الشيء في بنية تضبط حركته. ومنه تنتقل المحافظة من محاولة الإصلاح الاجتماعي إلى مستوى يصبح فيه الحق مركبًا داخل نظام ملزم لا يستطيع الطرف الممتنع تعطيله بإرادته المنفردة.

وبلغة واقعنا اليوم: إذا استطاع الأب والأم حفظ حقوق الطفل بالتراضي والتشاور، فهذا هو الأصل. فإذا نشأ الخوف على هذه الحقوق، دخل الإصلاح والوساطة. فإذا لم يكفِ ذلك، بقيت سلطة النظام والقضاء والإلزام.

فالنفقة لا تسقط لأن الأب رفضها ، وحق الطفل في الرعاية لا يسقط لأن أحد الطرفين خاصم الآخر. ولا يجوز تحويل الحضانة أو الرؤية أو النفقة إلى أدوات انتقام؛ لأن الحق لم ينشأ أصلًا من رضا الطرف الممتنع حتى يسقط بعدم رضاه.

وهنا يصبح تسلسل الآيات بالغ القوة:

﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾  هو مستوى الاتفاق الداخلي.

ثم: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾  هو تثبيت وجوب المحافظة على الصلات، وفي مقدمتها الصلة المتعلقة بالولد.

ثم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾  هو انتقال المحافظة عند الخوف من مستوى الاتفاق الذاتي إلى التدخل، ثم إلى الإلزام إذا اقتضى الأمر.

وبذلك لا يترك القرآن حق الطفل معلقًا على حسن العلاقة بين أبويه. إن تراضيا، حُفظ حقه بالتراضي ، وإن اختلفا، حُفظ بالإصلاح ، وإن امتنع أحدهما، حُفظ بالإلزام.

فالذي يتغير هو وسيلة تنفيذ الحق، أما الحق نفسه فلا يتغير.

الرابع عشر: الطلاق ينهي الزوجية… لكنه لا يطلق الأولاد

هنا تكتمل دلالة السياق. فالقرآن يسمح بأن تنتهي العلاقة بين الرجل والمرأة: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، ويقول: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾.

لكن هذا التفرق لا يمتد إلى الأولاد؛ لأنهم ليسوا جزءًا من العلاقة التي قرر الطرفان إنهاءها، بل صلة مستقلة نشأت عنها وبقيت بعد تغيرها.

ولهذا سبق الأمر بالمحافظة تقرير حقوقهم صراحة:

 

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾، ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾، ثم جاء: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾.

ومن هنا لا تقوم قراءة الأولاد بوصفهم ﴿الصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ على لفظ ﴿الْوُسْطَىٰ﴾ منفردًا، بل على موقعهم داخل هذا البناء كله: هم الصلة المشتركة التي تبقى بين طرفين يمكن أن يتفرقا، وهم الواقعون بينهما، وهم الأكثر تعرضًا لأن يدفعوا ثمن خصومة لم يصنعوها.

ولذلك لا يجوز أن يتحول الولد بعد الطلاق إلى أداة ضرار: يمتنع الأب عن النفقة ليعاقب الأم، أو تمنع الأم صلة الطفل بأبيه لتنتقم منه، أو تتحول الحضانة والرؤية والرعاية والمال إلى أوراق ضغط. فالقرآن حسم ذلك قبل الأمر بالمحافظة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾.

الخصومة بين الأبوين، أما الولد فليس ساحةً لها.

ولهذا تتدرج حماية حقه كما كشف السياق: تراضٍ وتشاور ما دام الطرفان قادرين عليهما، ثم إصلاح عند النزاع، ثم إلزام إذا أصبح الامتناع سببًا في ضياع الحق.

فالطلاق يستطيع أن يغير صفة العلاقة بين الرجل والمرأة، لكنه لا يستطيع أن يحول الأب إلى غير أب، ولا الأم إلى غير أم.

وهنا تصبح العبارة شديدة الدقة: يمكن للزوجين أن يتطلقا، لكن لا يملك أحدهما أن يطلّق أولاده.

الخلاصة

عندما توضع ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ﴾ في سياقها، لا تعود آية معلقة بين أحكام الأسرة بلا رابط.

قبلها طلاق وعدة وإمساك وتسريح، ثم رضاع ونفقة وعدم مضارة وتراضٍ وتشاور، ثم يأتي الأمر: ﴿حَافِظُوا﴾.

فالصلات التي تبقى بعد اضطراب الزوجية لا يجوز أن تنهار بانهيارها، وتبرز بينها الصلة الأشد حساسية: الأولاد الذين يصلون الطرفين حتى بعد افتراقهما.

ولهذا فحقوقهم لا تتوقف على استمرار الحب بين الأبوين، ولا على نجاح زواجهما، ولا حتى على قدرتهما على الاتفاق.

إن تراضيا، حُفظت حقوقهم بالتراضي والتشاور، وإن نشأ النزاع، دخل الإصلاح، وإن وقع الامتناع، بقي الإلزام لحماية الحق. فالذي يتغير هو وسيلة المحافظة، أما الصلاة الوسطى نفسها فلا تصبح مباحة للقطع.

وهذا هو الفارق الذي يرسمه السياق كله: الزوجية يمكن أن تنتهي، والزوجان يمكن أن يتفرقا، أما الأولاد فلا يدخلون في الطلاق.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى