الأشهر الحرم والشهر الحرام والنسيء: هل وضع القرآن نظامًا زمنيًا لحماية الحياة والبيئة ومنع التلاعب بالتشريع؟
بالتشريع؟ قراءة دلالية في سورة التوبة من بدايتها إلى الآية السابعة والثلاثين، وعلاقتها بحساب الشمس والقمر، وصيد البر، والتقويم المقوِّم للمواسم

الأشهر الحرم والشهر الحرام والنسيء: هل وضع القرآن نظامًا زمنيًا لحماية الحياة والبيئة ومنع التلاعب بالتشريع؟
قراءة دلالية في سورة التوبة من بدايتها إلى الآية السابعة والثلاثين، وعلاقتها بحساب الشمس والقمر، وصيد البر، والتقويم المقوِّم للمواسم
الجزء الأول : الأشهر الحرم: لماذا جعل القرآن للزمن حرمة تحمي الحياة والبيئة؟
المقدمة: لماذا جاءت عدة الشهور في قلب سورة التوبة؟
من أكثر المواضع التي تستحق إعادة النظر في سورة التوبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36].
ثم يقول مباشرة: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 37].
والسؤال الذي ينطلق منه هذا البحث هو: لماذا انتقل القرآن، بعد الحديث عن المشركين والكافرين ونقض العهود واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا وأكل أموال الناس بالباطل، إلى بيان عدة الشهور والأشهر الحرم والنسيء؟
هل نحن أمام معلومة تقويمية مستقلة، أم أمام جزء من النظام التشريعي الذي جاءت سورة التوبة لإعادة ضبطه؟ ثم لماذا قال القرآن ﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾
ولم يكتف بذكر عددها؟ ولماذا قال ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، ثم تحدث في مواضع أخرى عن ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ بصيغة المفرد المعرّف؟ وما وظيفة النسيء؟ وهل هو إضافة شهر لضبط الحساب، أم تأخير العمل بحرمة شهر قائم لتحقيق مصالح بشرية؟ ثم ما علاقة ذلك بتحريم صيد البر، وحماية الحيوانات خلال مواسم التوالد، واستمرار الغابات والغطاء النباتي والتوازن البيئي؟
إن جمع هذه المسائل يكشف عن علاقة بين ثلاثة مجالات مترابطة: النظام الزمني الذي تضبطه حركة الشمس والقمر، والنظام التشريعي الذي يحدد الحرمات والحقوق، والنظام البيئي الذي تتوقف استدامته على احترام حدود الاستنزاف والتجدد.
ومن هنا تبدأ القراءة بسياق سورة التوبة، قبل الانتقال إلى الحساب الزمني والأشهر الحرم والنسيء.
أولًا: سورة التوبة بدأت بتنظيم العهود والزمن
تفتتح السورة بقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1].
والبراءة هنا إعلان انتهاء الارتباط بالمنظومات العهدية المخالفة للمرجعية الجديدة، وليست إعلانًا بإسقاط جميع الحقوق أو إلغاء كل عهد قائم دون تمييز.
ثم قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: 2]. والخطاب المباشر هنا موجّه إلى جماعة النبي، والأشهر الأربعة تمثل مهلة انتقالية لترتيب الأوضاع وإنهاء العلاقات والالتزامات المخالفة للنظام الجديد. ثم يأتي الإعلان العام: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3]. ثم يقول: ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾. فالانتقال إلى النظام الجديد لا يعفي المؤمنين أنفسهم من مراجعة علاقاتهم والتزاماتهم السابقة، ولا يجعلهم خارج نطاق المحاسبة.
ثم تأتي الآية الرابعة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾. وهنا تظهر وظيفة الزمن التشريعي بوضوح؛ فالعهد ليس مجرد التزام من حيث المضمون، بل له مدة يجب احترامها، ولا يجوز إلغاؤها اعتباطًا لمجرد اختلاف المرجعية. ثم يقول: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5].وفي الآية الثامنة والعشرين:
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا﴾. إذن نجد أن الزمن يحكم إجراءات السورة منذ بدايتها: هناك مهلة، وهناك مدة عهد، وهناك أشهر حرم، وهناك عام يحدد بداية تطبيق حكم.
وهذا يعني أن الزمن ليس خلفية محايدة للأحداث، وإنما جزء من البنية التي تنظم الحقوق والالتزامات وانتقال الأحكام من حالة إلى أخرى. ومن هنا يصبح الحديث عن عدة الشهور في الآية السادسة والثلاثين امتدادًا لهذا النظام، لا موضوعًا غريبًا أُقحم في السورة.
ثانيًا: لماذا تناولت السورة المشركين والكافرين قبل الحديث عن النسيء؟
تكشف الآيات الأولى من سورة التوبة عن جماعات كانت ترتبط بعلاقات وعهود مع المؤمنين، لكنها لم تكن جميعًا على موقف واحد. فمنها من حافظ على عهده، ولذلك أمر القرآن بإتمام العهد إليه. ومنها من نقض أيمانه واعتدى وسعى إلى تعطيل النظام الذي جاءت به الرسالة. قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12]. وهنا يظهر الفرق بين العهد بوصفه مضمون الالتزام، والأيمان بوصفها التزامات مؤكدة ومعتمدة.
ثم تكشف السورة صورة أخرى من الشرك: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]. فالشرك لا يقتصر على الاعتقاد بوجود إله آخر، بل يتحقق أيضًا عندما يُمنح غير الله اختصاصًا مرجعيًا أو تشريعيًا لا يكون إلا له. ثم يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]. فالدين هنا منظومة مرجعية حاكمة، وليس مجرد مجموعة شعائر منفصلة عن الحياة.
ثم تكشف الآية الرابعة والثلاثون كيف يمكن استغلال السلطة المرجعية لتحقيق مكاسب مالية: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ثم يأتي الحديث عن كنز الذهب والفضة وتعطيل الإنفاق في سبيل الله.
وبعد هذه السلسلة مباشرة يقول القرآن: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. وهنا يظهر الرابط: كما يمكن للإنسان أن يستغل المرجعية الدينية في أكل أموال الناس بالباطل، يمكنه كذلك أن يستغل سلطة تحديد الحِلّ والحرمة الزمنية لتحقيق مصالح اقتصادية أو عسكرية.
فالمشكلة في الحالتين هي إخضاع حدود الله للمصالح البشرية. والنسيء يمثل صورة من هذا التلاعب حين يصبح الزمن المحمي قابلًا للتأجيل أو التغيير بحسب مصالح أصحاب القوة.
ثالثًا: الحرام ليس مجرد منع، بل سياج تنظيمي حامٍ
لا يمكن فهم الأشهر الحرم قبل تحرير مفهوم الحرام. فالحرام في الاستعمال القرآني لا يعنى المنع، بل يتعلق بإقامة حدود تحمي شيئًا أو علاقة أو مجالًا أو زمنًا من الاختراق والفساد. والتعريف الدلالي للحرام هو:
الحرام: ما أُحيط بسياج معنوي تنظيمي حامٍ، يضبط التعامل معه بحدود ملزمة تحفظه من الاختراق والفساد والانهيار، سواء اقتضت هذه الحدود ترك فعل أو القيام بفعل.
أما التحريم فهو إقامة هذا السياج وتحديد الحدود التي تعمل داخله. ويقابله الحِلّ، وهو انفتاح مسار العلاقة للتفعيل بعد انتفاء القيد الذي يغلق ذلك الوجه منها، مع بقائه خاضعًا لبقية حدود النظام.
ومن هنا فإن الشهر الحرام ليس زمنًا ممنوعًا، وإنما زمنًا محميًا بحدود مخصوصة. قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]. وقال:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]. وقال: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2]. فهذه الآيات تجعل للزمن حرمة، كما تجعل للنفس والعهد والبيت والمسجد حرمات. والسؤال ليس مجرد تحديد ما يُمنع داخل الشهر، وإنما فهم الغاية من إقامة هذا السياج الزمني.
رابعًا: الأشهر الأربعة الحرم ضمن عدة الشهور الاثني عشر
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
الآية تقرر نظامًا زمنيًا يتكون من اثني عشر شهرًا، وتحدد أن أربعة منها تقع داخل نطاق التحريم. والعدة لا تُختزل في معرفة الرقم، وإنما تتعلق بالمقدار المقرر الذي يُعتد به داخل نظام زمني له أحكام ووظائف.
واللافت قوله: ﴿عِندَ اللَّهِ﴾، ثم ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، ثم ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فهذه العبارات تربط النظام الزمني بمرجعية الله وبالنظام الكوني الذي أقامه. ثم يقول: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. فأدخل عدة الشهور والأشهر الحرم في مجال الدين القيم.
وهذا يبين أن ضبط الزمن ليس مجرد اختيار إداري، بل جزء من انتظام النظام الذي ينبغي أن تقوم عليه حياة الناس.
خامسًا: لماذا حُرّم صيد البر؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] ، وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وقال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
في هذا الفهم، فإن ﴿وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ و﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ تتعلقان بوجود الإنسان داخل الأشهر الحرم، أي داخل فترة الحماية الزمنية، وليس بحالة إحرام طقسية مستقلة.
وعليه، فإن تحريم صيد البر خلال هذه الفترة يؤدي وظيفة حماية الحيوانات من الاستنزاف، وخصوصًا خلال مراحل التوالد ورعاية الصغار. فالصيد خلال مواسم التكاثر قد يؤدي إلى قتل الإناث الحوامل، وفقدان الصغار التي تعتمد على أمهاتها، واضطراب عمليات التكاثر وتجدد الجماعات الحيوانية. ولهذا تعتمد دول كثيرة اليوم فترات منع للصيد تتوافق مع مواسم تكاثر الأنواع التي تحميها. ولا تقتصر أهمية الحيوانات البرية على استمرار أعدادها؛ إذ تشارك أنواع كثيرة منها في نشر البذور، وتنظيم الغطاء النباتي، ونقل المغذيات، والمحافظة على العلاقات بين الكائنات داخل موائلها.
حرمة الشهر ووظيفته البيئية: حكم واحد ومجالات حماية متعددة
ينبغي التمييز بين حرمة الزمن والوظائف التي تؤديها هذه الحرمة.
فالحرام، وفق التعريف الدلالي المعتمد، هو سياج تنظيمي حامٍ يضبط التعامل داخل مجال معين بحدود ملزمة، قد تقتضي الامتناع عن فعل أو القيام بفعل.
وعندما يتعلق التحريم بالزمن، فإن الشهر الحرام يصبح إطارًا تعمل داخله حدود مخصوصة لحماية الحياة والحقوق والموارد.
ومن هذه الحدود منع صيد البر خلال الأشهر الحرم، بما يحفظ قدرة الحيوانات على التكاثر وتجدد جماعاتها، ويحد من الاستنزاف الذي قد يخل بالتوازن البيئي.
لكن وظيفة الحرمة لا تنحصر في الصيد وحده؛ فالقرآن يتناول كذلك القتال في الشهر الحرام، والاعتداء على الحرمات، والصد عن سبيل الله، وحماية القاصدين إلى البيت الحرام.
وهذا يكشف أن التحريم الزمني يعمل ضمن منظومة أوسع من الحماية، تجمع بين أمن الإنسان، وصيانة الحقوق، ومنع العدوان، والمحافظة على الموارد الحية.
وبذلك لا تكون حماية صيد البر تفسيرًا منفصلًا عن بقية أحكام الشهر الحرام، وإنما تطبيقًا بيئيًا داخل سياج زمني أشمل.
فالتحريم يحدد الإطار الحامي، وتحدد الأحكام الواقعة داخله مجالات الحماية، بينما تظهر نتائج الالتزام به في استمرار انتظام الحياة والحقوق والموارد.
وقد يؤدي الاستنزاف المستمر لبعض هذه الحيوانات إلى اختلال تجدد الغابات أو تغير الغطاء النباتي، وما يرتبط به من وظائف التربة والمياه. ومن هنا تمثل الأشهر الحرم فترة توقف تنظيمي عن استنزاف الحياة البرية، بما يسمح بتجددها واستمرار وظائفها.
ولا يعني ذلك أن جميع الحيوانات تتوالد في الموعد نفسه أو أن آثار حمايتها متطابقة في جميع المناطق، وإنما أن الحماية الموسمية وسيلة فعالة للمحافظة على الجماعات الحيوانية.
سادسًا: لماذا ترتبط حماية الحيوانات بالغابات والمياه؟
تؤدي الحيوانات أدوارًا مختلفة في النظام البيئي. فالطيور والثدييات الناشرة للبذور تساعد على تجدد الأشجار وانتقالها إلى مواضع جديدة، وتسهم بعض الحيوانات في دورة المغذيات وتشكيل الغطاء النباتي.
أما الغابات فتشارك في تنظيم دورة المياه عبر امتصاص الأشجار للماء من التربة وإطلاق جزء منه إلى الغلاف الجوي على هيئة بخار ماء بعملية تُعرف بـ«النتح»، إلى جانب تبخر المياه من التربة والأسطح الرطبة. وتسهم هاتان العمليتان في زيادة الرطوبة الجوية، وقد تؤثران في تكوّن السحب وهطول الأمطار بحسب المنطقة والظروف المناخية
وعليه تتشكل العلاقة الوظيفية الآتية: حماية التوالد واستمرار الجماعات الحيوانية ← المحافظة على وظائفها في نشر البذور وتنظيم الموائل ← دعم تجدد الغابات والغطاء النباتي ← استمرار وظائف التربة ودورة المياه والمناخ المحلي.
وهذا لا يعني أن منع الصيد يؤدي مباشرة إلى نزول المطر، بل إن الحماية البيئية تعمل داخل شبكة من العلاقات المتداخلة. ومن هنا تكتسب حماية صيد البر خلال الأشهر الحرم أهمية تتجاوز مجرد منع القتل، لتتصل باستمرار الموارد التي تقوم عليها حياة الإنسان والمجتمع.
الخاتمه:
وهكذا تتضح العلاقة بين الأشهر الحرم وحماية الحياة؛ فالأشهر الأربعة تقرر فترات الحماية، ويأتي تحريم صيد البر ليحفظ قدرة الحياة البرية على التكاثر والتجدد، بما ينعكس على استمرار الموارد والتوازن البيئي الذي تقوم عليه حياة الإنسان.
لكن هذه الحماية لا تحقق وظيفتها إذا انتقلت الأشهر تدريجيًا بين الفصول، وانفصلت عن المواسم الطبيعية التي تقررت لها.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف حافظ النظام الزمني على توافق الشهور القمرية مع المواسم الشمسية، رغم الفرق المتراكم بين الدورتين؟
هذا ما سننتقل إليه في الجزء الثاني، حيث نبحث في حساب الشمس والقمر، ووظيفة الشهر الحرام المقوِّم، وتمييزه عن الأشهر الأربعة الحرم، وصولًا إلى فهم العلاقة بين انتظام الزمن وحماية الحياة.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



