
الجزء الثاني: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ — أبعاد المسؤولية لا أعداد النساء
سادسًا: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ — من الأبعاد إلى التكوينات الوظيفية
قال تعالى ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. لماذا قال القرآن ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ولم يقل «اثنتين وثلاثًا وأربعًا»؟ ولماذا وردت الصيغ نفسها في الحديث عن أجنحة الملائكة؟
وهل المقصود مجرد تعداد الأشياء، أم وصف تكوينات تختلف في أبعادها وقدراتها على أداء الوظائف؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي أولًا التمييز بين عدد الوحدات وعدد الأبعاد التي تعمل من خلالها الوحدة الواحدة.
- الفرق بين العدد والبُعد: من 2D إلى 4D
في وصف الأشكال والواقع الفيزيائي، نميز بين التكوينات بحسب أبعادها :
١ ) التكوين ثنائي الأبعاد D2
يقوم على بُعدين، كالطول والعرض في الشكل المستوي. وهو شكل واحد، وليس شكلين.
٢ ) التكوين ثلاثي الأبعاد D3
يقوم على الطول والعرض والارتفاع. فالجسم الواحد يمتلك ثلاثة أبعاد، دون أن يصبح ثلاثة أجسام.
٤ ) التكوين رباعي الأبعاد D4
في وصف الزمكان الفيزيائي، تجتمع الأبعاد المكانية الثلاثة مع البعد الزمني، فنصف الحدث بأربعة إحداثيات مترابطة.
وهذه نقطة أساسية: عدد الأبعاد لا يساوي عدد الأشياء. فالجسم ثلاثي الأبعاد ليس ثلاثة أجسام، والحدث الموصوف بأربعة أبعاد ليس أربعة أحداث. والواقع الفيزيائي المثبت في وصف الزمكان يقوم على أربعة أبعاد، ولم يثبت تجريبيًا وجود بُعد فيزيائي خامس مستقل.
وهنا تظهر أهمية المقارنة مع التعبير القرآني؛ إذ وردت الصيغ ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ في موضعين، وتوقف التعداد المذكور فيهما عند الرباع. لكننا لا نزعم أن لفظ «رباع» هو المصطلح الفيزيائي D4 نفسه وإنما نستعمل المقارنة لفهم الفرق بين تعدد الوحدات وتعدد الأبعاد داخل الوحدة.
- ﴿مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾ — كيف تعمل الفاعلية الثنائية؟
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46].
تأتي ﴿مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾ هنا في سياق التفكير والمراجعة، لا في سياق تعداد الممتلكات أو الأشياء. فالآية تطلب القيام لله، ثم التفكير في الحكم الذي أُطلق على الرسول.
وفي قراءتنا الوظيفية، يمكن فهم المثنى بوصفه قيامًا يقوم على مجالين متقابلين للفحص، بينما تبرز الفرادى استقلال النظر بعيدًا عن تأثير الجماعة. فقد يقارن الإنسان بين ما ورثه من أحكام وما يقدمه النص، ثم يعيد فحص النتيجة دون أن يجعل إحدى المرجعيتين حاكمة سلفًا ، أما الفرادى فتمثل انتقال الإنسان إلى فحص مستقل يتحمل فيه مسؤولية حكمه.
وهذا المثال يوضح أن التكوين الثنائي يمكن أن يُدرس من جهة طريقة أداء الفعل، لا من جهة عدد الأشخاص وحده. فلم يقل القرآن ﴿أَن تَقُومُوا لِلَّهِ اثْنَيْنِ﴾، وإنما قال ﴿مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾، ثم أتبع ذلك بقوله ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾.
وفي قراءتنا، هذا الاختيار ليس مجرد تعداد للأشخاص، بل وصف لطريقة اشتغال التفكير؛ فالمثنى تكوين ثنائي الأبعاد يقوم على مقابلة مجالين للفحص، بينما الفرادى تمثل استقلال الفحص في مجال واحد. وبذلك يكون الاختلاف بين المثنى والفرادى اختلافًا في تكوين الفاعلية وطريقة أدائها، لا مجرد اختلاف في عدد الأشخاص
- ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ — الأبعاد داخل الوحدة الواحدة
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: 1].
في هذه الآية، لا تصف ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ عدد الملائكة، وإنما تصف أجنحتهم. فالملك الذي له جناحان ليس ملكين، والذي له ثلاثة أجنحة ليس ثلاثة ملائكة، والذي له أربعة أجنحة ليس أربعة ملائكة. إنه كيان واحد تتعدد خصائصه ، وهذا هو وجه المقارنة مع الأبعاد. فكما أن الجسم الواحد يمكن وصفه بثلاثة أبعاد دون أن يصبح ثلاثة أجسام، فإن تعدد الأجنحة لا يعني تعدد الملائكة.
وفي قراءتنا، تمثل الأجنحة مجالات امتداد وقدرة على الأداء، ويأتي المثنى والثلاث والرباع لوصف تكوينات هذه الفاعلية. فالمثنى تكوين ذو مجالين، والثلاث تكوين ذو ثلاثة مجالات، والرباع تكوين ذو أربعة مجالات. ولا يعني ذلك أننا نعرف الوظيفة التفصيلية لكل جناح؛ فالنص لم يحددها. والملاحظة المهمة أن التعداد المذكور انتهى عند ﴿رُبَاعَ﴾، كما انتهى عندها في آية النساء.
وهذا التشابه يدعونا إلى البحث عن دلالة التكوين الرباعي، مع مراعاة أن قوله ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يمنع اعتبار الأعداد المذكورة حصرًا لكل صور الخلق.
- ماذا تعني ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ في النكاح؟
نعود الآن إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾. الآية بدأت بالخوف من عدم إقامة القسط في اليتامى، ثم جاء النكاح جوابًا عن هذا الخوف.
والنكاح، وفق التعريف الذي نعتمده، عقد إدماج ملزم ينشئ حقوقًا ومسؤوليات. وبناءً على ذلك، نقرأ المثنى والثلاث والرباع بوصفها تكوينات متعددة الأبعاد الوظيفية داخل منظومة النكاح.
وفي الحالة التي نبحثها في الآية الثالثة، لا نفترض أن النساء قائمات أصلًا على رعاية هؤلاء اليتامى، وإنما ننطلق من وجود يتامى يحتاجون إلى تنظيم الرعاية وحماية الأموال، ثم نبحث كيفية إنشاء تكوين تعاقدي يضم ما يصلح من قدرات النساء وإمكاناتهن لأداء هذه المسؤولية.
فالمثنى والثلاث والرباع، في قراءتنا، لا تصف عدد النساء، وإنما عدد الأبعاد التي تنتظم من خلالها الفاعلية داخل التكوين.
المثنى — تكوين ثنائي الفاعلية (2D):
تنتظم منظومة الرعاية عبر بُعدين وظيفيين متكاملين، يعملان معًا لتحقيق القسط في اليتامى.
الثلاث — تكوين ثلاثي الفاعلية (3D):
تنتظم المنظومة عبر ثلاثة أبعاد وظيفية مترابطة، تتكامل فيما بينها لتنظيم الرعاية وحماية الحقوق.
الرباع — تكوين رباعي الفاعلية (4D):
تنتظم المنظومة عبر أربعة أبعاد وظيفية مترابطة، بما يسمح بتكوين أكثر اتساعًا في مجالات الفاعلية وتوزيع المسؤوليات.
ولا يعني اختلاف عدد الأبعاد اختلاف الحقوق الواجبة لليتامى؛ فالرعاية، وحماية الأموال، والتعليم، ومتابعة الرشد، وسائر الحقوق التي تقررها الآيات، لا يجوز إهمال شيء منها بسبب طبيعة التكوين. وإنما يتعلق الاختلاف بكيفية انتظام المسؤوليات وتكامل الفاعلية داخل العلاقة الملزمة.
فقد تستطيع منظومة ثنائية الأبعاد الوفاء بالحقوق كلها، كما قد تحتاج حالة أخرى إلى تنظيم ثلاثي أو رباعي الأبعاد، بحسب طبيعة المسؤوليات والقدرة على أدائها.
وهذه القراءة لا تفترض أن النص قد عيّن لكل بُعد وظيفة محددة، وإنما تبحث التكوينات من جهة بنائها وطريقة اشتغالها، مع بقاء القسط هو الغاية التي يجب أن تحققها جميعًا. وبذلك تصبح المثنى والثلاث والرباع صورًا لتكوين المسؤولية، لا أعدادًا للنساء ولا تقسيمًا لحقوق اليتامى.
- لماذا توقف التعبير عند الرباع؟
من اللافت أن القرآن استعمل التكوينات نفسها في موضعين: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1].﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]. وفي الموضعين انتهى التعداد عند الرباع، دون ذكر الخماس. ونحن نقارن هذا التدرج بالتكوينات ذات البعدين والثلاثة والأربعة، وصولًا إلى وصف الزمكان الفيزيائي بأربعة أبعاد.
ففي هذه المقارنة، يمثل الرباع أعلى التكوينات المذكورة في الآيتين. وهذه ملاحظة تستحق الاهتمام في بحثنا؛ لأنها تجعل السؤال عن الرباع سؤالًا عن اكتمال التكوين المذكور في النص، لا عن مجرد الوصول إلى العدد أربعة. لكن المقارنة لا تعني أن الأبعاد الوظيفية في النكاح هي أبعاد مكانية وزمانية حرفيًا، أو أن كل تكوين وظيفي يستحيل أن يتجاوز أربعة مجالات.
فالذي نستخلصه من الآيتين هو أن التكوينات التي سُمّيت فيهما صراحة انتهت عند الرباع، وأن هذه النهاية يمكن دراستها ضمن بنائهما الدلالي.
- لماذا جاء شرط العدل بعد التكوينات؟
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾. هنا ننتقل من عرض التكوينات إلى ضابط تشغيلها. فكلما تعددت مجالات المسؤولية، ازدادت الحاجة إلى التنسيق بينها ومنع تضاربها. فقد تتكامل الأبعاد الوظيفية داخل منظومة واحدة، وقد يؤدي سوء تنظيمها أو تضارب مسؤولياتها إلى الإخلال بالحقوق التي أُنشئت المنظومة لحمايتها. ولذلك لا يكفي تعدد الأبعاد في ذاته، وإنما يجب أن يكون التكوين قادرًا على أداء جميع الالتزامات التي نشأت عنه.
ولهذا جاء شرط العدل. فالقسط هو الغاية المتعلقة بإيصال الحقوق إلى اليتامى، والعدل هو الضابط الذي يحفظ توازن الالتزامات داخل التكوين. وعندما يخشى الإنسان ألا يحقق العدل، يأتي التوجيه إلى ﴿فَوَاحِدَةً﴾، وهو ما سنفصله في القسم السابع.
خلاصة القسم
إن المقارنة بين 2D و3D و4D تساعد على إدراك الفرق بين تعدد الوحدات وتعدد الأبعاد داخل الوحدة الواحدة. ومن هذا المنطلق نقرأ ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بوصفها تكوينات ثنائية وثلاثية ورباعية الفاعلية. وقد ظهر هذا التدرج في الحديث عن أجنحة الملائكة، ثم ورد بالصيغة نفسها في سياق النكاح.
وفي قراءتنا لسورة النساء، تتعلق هذه التكوينات بكيفية تنظيم المسؤوليات داخل عقد النكاح الذي نبحث صلته بحماية حقوق اليتامى. وبذلك لا يكون السؤال عن عدد النساء وحده، وإنما عن أبعاد الفاعلية التي تستطيع العلاقة الملزمة أداءها مع المحافظة على القسط والعدل. فالنكاح ينشئ العلاقة الملزمة، والمثنى والثلاث والرباع تصف في قراءتنا أبعاد التكوين الوظيفي الذي تنتظم من خلاله المسؤوليات، والعدل يضبط توازن هذه المسؤوليات، والقسط يضمن أداء الحقوق إلى أصحابها.
سابعًا: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ — من تعدد أبعاد الفاعلية إلى وحدة التكوين
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
بعد أن عرضت الآية التكوينات الثنائية والثلاثية والرباعية، انتقلت إلى شرط يضبط القدرة على أداء المسؤوليات داخل هذه التكوينات.
وقد ورد في الآية شرطان متتابعان: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾ ، ثم: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾. وهذا الانتقال من القسط إلى العدل ليس تكرارًا للمعنى نفسه.
فالقسط وفق التعريف الذي اعتمدناه، يتعلق بإيصال الحقوق إلى أصحابها وفق استحقاقاتهم، وفي هذا السياق يتصل بحماية أموال اليتامى وحقوقهم.
أما العدل فيتعلق بضبط التوازن بين مجالات الفاعلية والحقوق والالتزامات داخل التكوين، حتى لا يؤدي تعدد المسؤوليات إلى الإخلال بحقوق أحد الأطراف.
فالخوف الأول يتعلق باحتمال ضياع حقوق اليتامى، بينما يتعلق الخوف الثاني بقدرة التكوين الذي يُنشأ لمعالجة المشكلة على أداء وظائفه دون اختلال.
وهنا تظهر أهمية قراءة ﴿فَوَاحِدَةً﴾ في ضوء ما سبقها. فإذا كانت ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ تصف تكوينات ثنائية وثلاثية ورباعية الأبعاد الوظيفية، فإن ﴿فَوَاحِدَةً﴾ تمثل الانتقال إلى تكوين أحادي البعد الوظيفي، عندما يُخشى أن يؤدي تعدد الأبعاد إلى اختلال التوازن.
فالواحدة في هذه القراءة ليست امرأة واحدة في مقابل امرأتين أو ثلاث أو أربع، وإنما تكوين تنتظم فاعليته ضمن بُعد واحد يمكن ضبطه والوفاء بمسؤولياته.
ولا يعني البعد الواحد أن حقوق اليتامى أصبحت حقًا واحدًا، وإنما يعني أن تنظيم المسؤولية يجري من خلال تكوين أبسط، مع بقاء جميع الحقوق واجبة الحماية.
وهنا ينبغي التمييز بين المرأة بوصفها طرفًا مستقلًا في عقد النكاح، وبين التكوين بوصفه البناء الذي تنتظم داخله المسؤوليات. فالمرأة ليست بُعدًا هندسيًا، ولا تتحول إلى وظيفة مجردة؛ وإنما تدخل بإرادتها وحقوقها في علاقة ملزمة، بينما تصف الأبعاد كيفية انتظام مجالات الفاعلية داخل تلك العلاقة.
ولتقريب المعنى، قد تحتاج رعاية اليتامى وحماية أموالهم إلى تنظيم مسؤوليات متعددة داخل علاقة تعاقدية ملزمة. وقد تنتظم هذه المسؤوليات في تكوين ثنائي أو ثلاثي أو رباعي الأبعاد الوظيفية، بحسب كيفية توزيع الفاعلية وتنسيقها.
لكن إذا كان تعدد الأبعاد يؤدي إلى تضارب المسؤوليات أو العجز عن ضبطها، فإن الانتقال إلى تكوين أحادي البعد يصبح، في قراءتنا، وسيلة لتبسيط تنظيم العلاقة ومنع اختلالها.
ولا يعني ذلك إسقاط أي حق من حقوق اليتامى؛ فجميع حقوقهم ثابتة، وإنما يتعلق الأمر بكيفية تنظيم أداء هذه الحقوق، لا بعدد الحقوق التي يجب أداؤها.
وهنا يظهر الفرق بين القسط والعدل مرة أخرى. فالقسط لا يسمح بالانتقاص من حقوق اليتامى بحجة تقليص التكوين ، والعدل لا يسمح بالتوسع في مجالات الفاعلية إذا كان هذا التوسع سيؤدي إلى اضطراب أداء الحقوق. وبذلك لا يكون الانتقال إلى ﴿فَوَاحِدَةً﴾ انتقالًا من عدد كبير من النساء إلى عدد أقل منهن، وإنما انتقالًا، وفق قراءتنا، من تكوين متعدد الأبعاد إلى وحدة مسؤولية أكثر قابلية للضبط.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وهذا يفتح بديلًا تنظيميًا آخر، نبحثه في القسم الثامن، يتمثل في تفعيل المسؤوليات التي سبق انعقاد الالتزام بها، بدل إنشاء تكوين تعاقدي جديد تتسع فيه مجالات المسؤولية.
ثم ختمت الآية بقوله: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾. والعول، وفق قراءتنا، هو الميل واختلال التوازن الذي ينشأ عندما تتجاوز المسؤوليات القدرة على أدائها، أو تتداخل مجالات الفاعلية بما يؤدي إلى ضياع حقوق بعض الأطراف.
ولذلك جاءت ﴿أَدْنَىٰ﴾ لتربط التوجيه بما يكون أقرب إلى منع الاختلال. فالغاية ليست الوصول إلى أكبر عدد من الأبعاد، وإنما الوصول إلى التكوين الذي يستطيع أداء وظائفه دون أن تتحول كثرة المسؤوليات إلى سبب للظلم.
وهكذا تتضح العلاقة بين أجزاء الآية:
–فالقسط يحدد الغاية التي يجب تحقيقها في اليتامى.
–والنكاح ينشئ العلاقة الملزمة التي تُنظم من خلالها المسؤوليات.
–والمثنى والثلاث والرباع تصف تكوينات متعددة الأبعاد الوظيفية.
–والعدل يضبط التوازن بين هذه الأبعاد والالتزامات.
–والواحدة تمثل الانتقال إلى تكوين أحادي البعد الوظيفي عند الخوف من اختلال التكوينات متعددة الأبعاد.
-أما منع العول فهو الغاية الوقائية التي تحكم هذا التنظيم.
وبذلك لا يصبح السؤال: كم امرأة يستطيع الرجل أن يجمع؟ بل: ما أبعاد المسؤولية التي يستطيع التكوين التعاقدي أداءها بعدل، دون أن يؤدي التوسع فيها إلى ضياع حقوق اليتامى أو النساء؟
فالقضية ليست تكثير النساء، وإنما إقامة القسط من خلال تكوين مسؤولية منضبط، تتناسب أبعاده مع القدرة على الوفاء بالحقوق.
ثامنًا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ — الفرق بين إنشاء عقد نكاح جديد وتفعيل المسؤوليات القائمة
قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: 3].
بعد أن عرض النص التكوينات الثنائية والثلاثية والرباعية، ثم ضبطها بشرط العدل، انتقل إلى قوله:﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وهنا ينبغي أن نتوقف عند ﴿أَوْ﴾ لأنها تفصل بين صورتين مختلفتين في تنظيم المسؤولية. فلو كان المقصود مجرد تقليل العدد، لكان قوله ﴿فَوَاحِدَةً﴾ كافيًا. لكن النص أضاف بديلًا آخر، مما يدعونا إلى البحث عن الوظيفة التي يؤديها هذا البديل، وعن سبب اختلافه عن الواحدة.
أ) ﴿فَوَاحِدَةً﴾ — الانتقال إلى التكوين أحادي البعد
في قراءتنا الوظيفية، تشير ﴿فَوَاحِدَةً﴾ إلى الانتقال إلى تكوين أحادي البعد الوظيفي عندما يُخشى اختلال العدل في التكوينات الثنائية والثلاثية والرباعية.
فالنكاح عقد إدماج ملزم ينشئ علاقة تترتب عليها حقوق ومسؤوليات، بينما يتعلق اختلاف الأبعاد بكيفية انتظام الفاعلية داخل هذه العلاقة.
وإذا كانت الغاية حماية اليتامى وإقامة القسط فيهم، فإن الانتقال إلى الواحدة لا يعني التخلي عن هذه الغاية أو إسقاط بعض الحقوق، وإنما اختيار صورة أبسط لتنظيم المسؤوليات، بما يسمح بالوفاء بها دون تضارب أو اختلال.
فالواحدة ليست بالضرورة عقدًا واحدًا في مقابل عقود متعددة، وإنما تكوين أحادي البعد في مقابل تكوينات متعددة الأبعاد، مع بقاء جميع الحقوق واجبة الأداء.
ب ) ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ — مجال الالتزامات التي أصبحت قائمة
أما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإننا نقرأه وفق التعريف الدلالي الذي اعتمدناه للأيمان، بوصفها عهودًا ومواثيق والتزامات انعقدت وأصبحت ملزمة لأصحابها. وعليه، فإن ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لا يدل في هذه القراءة على امتلاك أجساد البشر، وإنما على ما دخل بالفعل في نطاق المسؤوليات التي التزم بها الإنسان وأصبح مطالبًا بأدائها.
وهنا يظهر الفرق بين التعبيرين : فالنكاح ينشئ علاقة إدماج جديدة تترتب عليها حقوق والتزامات جديدة، أما ما ملكت الأيمان فيشير إلى مجال مسؤوليات سبق انعقادها وأصبحت داخلة في نطاق العهود القائمة.
فالأول إنشاء للتكوين، والثاني تفعيل لما هو قائم من الالتزامات. وهذا الفرق أساسي؛ لأن معالجة الخوف من عدم القسط في اليتامى لا تقتضي دائمًا توسيع العلاقات التعاقدية. فقد تكون هناك مسؤوليات قائمة يمكن من خلالها حماية الحقوق دون إنشاء عقد نكاح إضافي.
ج ) لماذا قال ﴿أَوْ﴾ ولم يقل «وما ملكت أيمانكم»؟
إن ورود ﴿أَوْ﴾ بين ﴿فَوَاحِدَةً﴾ و﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يجعلنا أمام مسارين مختلفين لمعالجة الخوف من عدم العدل :
–المسار الأول هو الاكتفاء بوحدة نكاح واحدة، بما تنشئه من علاقة ملزمة محددة.
–والمسار الثاني هو العمل ضمن نطاق الأيمان القائمة، دون الحاجة إلى إنشاء تكوين نكاح جديد.
ولو جاءت الواو بدل ﴿أَوْ﴾ لأمكن فهم الجمع بين المسارين بوصفه جزءًا من التوجيه نفسه. أما ﴿أَوْ﴾ فتفتح إمكان الانتقال إلى بديل آخر بحسب ما يحقق الغاية. وهذا لا يعني أن المسارين متساويان في طبيعة العلاقة، وإنما أنهما يلتقيان في القدرة على أداء المسؤولية دون الوقوع في اختلال العدل. فليس كل التزام يحتاج إلى نكاح جديد، كما أن وجود عهد سابق لا يجعل صاحبه مخولًا تجاوز حدود ذلك العهد.
د) ما وظيفة هذا البديل في حماية اليتامى؟
لنعد إلى بداية الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ﴾. هذه هي المشكلة التي يبحث النص عن معالجتها. فهناك يتامى تحتاج رعايتهم وحماية أموالهم إلى تنظيم يضمن أداء حقوقهم، دون أن تشترط الآية أن تكون هناك نساء يتولين شؤونهم قبل إنشاء العلاقة التعاقدية.
وقد تستدعي هذه الحاجة إنشاء تكوين نكاح جديد تدخل فيه قدرات النساء وإمكاناتهن لأداء المسؤولية.
لكن قد تكون لدى القائمين على شؤون اليتامى التزامات قائمة بالفعل، يمكن الوفاء بها وتنظيم أدائها دون إنشاء عقد نكاح جديد. وهنا نبحث وظيفة قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، بوصفه في قراءتنا مجالًا للمسؤوليات التي سبق انعقاد الالتزام بها.
فالفرق ليس بين رعاية اليتامى وترك رعايتهم، وإنما بين إنشاء علاقة ملزمة جديدة وبين أداء المسؤولية من خلال التزامات قائمة، مع بقاء القسط في اليتامى غاية المسارين.
هـ) لماذا جاء هذا البديل بعد الخوف من عدم العدل؟
لأن المشكلة لم تعد مجرد الحاجة إلى إقامة القسط في اليتامى، وإنما أصبحت أيضًا القدرة على ضبط العلاقات التي أُنشئت لتحقيقه. فقد تكون إضافة تكوين جديد سببًا في زيادة الأعباء، أو تداخل الصلاحيات، أو تعارض المصالح، أو إهمال حقوق أطراف قائمة. وفي هذه الحالة لا يكون العلاج الصحيح بالضرورة إضافة عقد آخر. بل قد يكون الأقرب إلى العدل الانتقال إلى تكوين أحادي البعد الوظيفي، أو الوفاء بالمسؤوليات من خلال التزامات قائمة، دون التوسع في إنشاء علاقات جديدة.
وهكذا يصبح الانتقال إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ انتقالًا من إنشاء التزامات جديدة إلى الاستفادة من نطاق مسؤولية سبق انعقاده. لكن ذلك لا يعني أن مجرد وجود هذه الالتزامات يضمن القسط؛ فالضابط يظل أداء الحقوق وعدم تجاوز حدود المسؤولية.
و) ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾ — الغاية التي تجمع البدائل
بعد عرض التكوينات المتعددة، ثم الواحدة، ثم ما ملكت الأيمان، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾. ولم يقل إن مجرد التعدد يحقق القسط، أو إن مجرد الاكتفاء بالواحدة يمنع الظلم، أو إن وجود الأيمان القائمة يكفي لضمان الحقوق. بل ربط التوجيه كله بالاقتراب من حالة تمنع العول.
والعول، وفق قراءتنا، هو اختلال التوازن والميل الذي ينشأ عندما تتجاوز الالتزامات القدرة على أدائها، أو عندما تتداخل الحقوق فتُهدر مصالح بعض الأطراف.
وهنا نلاحظ دقة قوله ﴿أَدْنَىٰ﴾ فهو يوجه إلى ما يكون أقرب إلى تجنب الاختلال، ولا يجعل صورة التكوين وحدها ضمانًا آليًا للعدل.
فقد يكون التكوين المتعدد صالحًا إذا انتظمت مسؤولياته ، وقد تكون الواحدة أصلح عندما يتعذر ضبط التعدد ، وقد يكون العمل داخل نطاق الأيمان القائمة أكثر قدرة على حماية الحقوق عندما لا تستدعي الحاجة إنشاء عقد جديد.
والفيصل في جميع الأحوال هو إقامة القسط في اليتامى، وضبط العدل بين الأطراف، ومنع العول في المسؤوليات.
ز ) العلاقة بين النكاح والأيمان في بناء الآية
عندما نجمع الألفاظ، يظهر الفرق الوظيفي الذي تقوم عليه هذه القراءة.
فالنكاح هو عقد الإدماج الذي يُنشئ علاقة ملزمة. و﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ تعرض تكوينات متعددة لمجالات الفاعلية داخل هذه العلاقات. و﴿فَوَاحِدَةً﴾ تحد من التكوين عندما يُخشى اختلال العدل. و﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ تفتح مجالًا للعمل ضمن الالتزامات القائمة بدل إنشاء تكوين جديد. أما ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ فهي الغاية الوقائية التي تضبط هذه البدائل جميعًا.
وبذلك لا يصبح السؤال: كم امرأة يستطيع الرجل أن يجمع؟ بل: ما التكوين الذي تحتاجه رعاية اليتامى؟ وهل تقتضي الحاجة إنشاء عقد جديد، أم يمكن الوفاء بالمسؤولية من خلال الالتزامات القائمة؟ وهل يستطيع القائم على هذه العلاقات أداء الحقوق دون ميل أو اختلال؟
وهنا تتضح وحدة الآية: بدأت بالخوف من عدم القسط في اليتامى، ثم عرضت النكاح بوصفه وسيلة لإنشاء المسؤولية، ثم ضبطت التكوينات بشرط العدل، ثم فتحت بديلًا ضمن الأيمان القائمة، وانتهت بما يمنع العول. فالقضية ليست امتلاك النساء أو تكثير العلاقات، وإنما تنظيم المسؤوليات بما يحفظ حقوق اليتامى والنساء معًا.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



