مقالات

🚨 هل اقتطعنا ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ من سياقها… ثم بنينا عليها ما لم يقله القرآن؟

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بين الاقتطاع والسياق: قراءة قرآنية في موضعي الأحزاب والممتحنة

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ بين الاقتطاع والسياق: قراءة قرآنية في موضعي الأحزاب والممتحنة

من أكثر الآيات التي تُردَّد خارج سياقها قوله تعالى:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب ( 21 )

وكثيرًا ما تُؤخذ هذه العبارة وحدها، ثم تُجعل قاعدة عامة لكل ما نُسب إلى الرسول من أفعال وأقوال وأخبار، وكأن القرآن قال: “لقد كان لكم في كل ما يُروى عن رسول الله الأسوة المطلقة”. وهذا ليس منهج القرآن.

فالقرآن له سياقه، وله نظامه، وله موضعه الذي يحدد المعنى. ولا يجوز أن نقتطع جزءًا من آية، أو آية كاملة، ثم نخرجها من البناء الذي جاءت فيه. وقد حذّر القرآن من هذا المسلك في قوله تعالى:

﴿كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ۝ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ سورة الحجر (90 – 91 )

فالذين جعلوا القرآن عضين هم الذين يتعاملون مع القرآن كأجزاء مفصولة، يأخذون منها ما يريدون، ويتركون ما يحدد معناها. والجزء إذا فُصل عن سياقه قد يعطي معنى لم يقصده النص.

فلو قلت: “زعموا أن فلانًا رجل خبيث”، ثم جاء شخص فاقتطع من كلامك عبارة: “فلان رجل خبيث”، فقد نسب إليك قولًا لم تقله. وكذلك عندما تُؤخذ عبارة:

﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

وتُفصل عن سياق الأحزاب، ثم تُجعل أصلًا عامًا لكل ما جاءت به الروايات والسير، فهذا اقتطاع للقرآن من موضعه، وتحويل للآية عن وظيفتها.

ثم إن القرآن لم يقل: “لقد كان لكم في رسول الله الأسوة الحسنة”، بل قال: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وجاءت كلمة ﴿أُسْوَةٌ﴾ نكرة، لا معرفة. وهذا مهم؛ لأن التنكير هنا لا يفتح الباب للتعميم المطلق، بل يوجّه القارئ إلى أسوة مخصوصة يحددها السياق.

فلو كان المراد إطلاق الأسوة في كل ما يُنسب إلى الرسول خارج موضع الآية، لجاء البناء بما يدل على الاستغراق والإطلاق. أما قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ داخل سياق الزلزلة والخوف، فيدل على أن هناك موضع أسوة محددًا داخل سياق محدد، لا فتحًا مطلقًا لكل ما يُنسب إلى الرسول خارج القرآن.

إذن: الأسئلة المنهجية هنا هي :

-ما هي الأسوة التي يحددها السياق هنا؟

-ولماذا جاءت في سورة الأحزاب؟

-ولماذا قال: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: “في رسول الله والذين معه”؟

-ولماذا قال بعدها: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾؟

هذه الأسئلة لا تُجاب من خارج الآية، بل من داخل سياقها.

سورة الأحزاب تتحدث في هذا الموضع عن لحظة شديدة من لحظات الابتلاء، حين اجتمع الأحزاب على المؤمنين، وجاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وبلغ الخوف ذروته: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾

فهنا نحن أمام امتحان عظيم: خوف، وزلزلة، وظنون، وتهديد حقيقي، واحتمال انهيار الجماعة من الداخل قبل الخارج. وفي هذه اللحظة ظهر التمايز بين موقفين كبيرين :

الموقف الأول: موقف الاضطراب والنفاق والتعويق والفرار.

وهذا الموقف ظهر في قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ .

وظهر في قول طائفة منهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ .

وظهر في الذين استأذنوا النبي بحجة: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾

فكشف الله حقيقتهم فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ .

وظهر كذلك في المعوقين الذين كانوا يثبطون الناس ويدعونهم إلى الانسحاب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ .

فهؤلاء، وإن اختلفت عباراتهم، داخل موقف واحد: موقف الانهيار عند الشدة، وسوء الظن بوعد الله، ومحاولة الفرار من العهد.

أما الموقف الثاني فهو موقف الثبات والتصديق بالعهد والوعد. وهنا جاءت الآية:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

فالخطاب موجه إلى الذين كانوا في ذلك الموقف، لكن ليس كل من كان حاضرًا في المشهد كان موضع أسوة. فقد كان فيهم الصادق، وكان فيهم المنافق، وكان فيهم المعوق، وكان فيهم من أراد الفرار.

لذلك لم يقل القرآن: “في رسول الله والذين معه”، لأن الذين معه لم يكونوا جميعًا على موقف واحد.

فجعل الله الأسوة في رسول الله تحديدًا؛ لأنه كان مركز الثبات في لحظة الزلزلة، ومركز التصديق بوعد الله حين قال الآخرون: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

إذن الأسوة هنا ليست في لباس، ولا هيئة، ولا عادة، ولا أخبار تُروى خارج القرآن، بل هي أسوة في موقف محدد:

الثبات عند الخوف ، تصديق وعد الله عند الزلزلة ، عدم الفرار عند الشدة ، عدم التولي حين يضعف الناس ، عدم ظن السوء بالله حين تتكاثر الأحزاب.

ولهذا قال بعدها: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ، لأن محل الابتلاء هنا هو الخوف والظنون. ومن لم يكن ذكر الله حاضرًا في وعيه وقراره، غلبه الخوف، وظن بالله ظن السوء، وطلب الفرار.

فذكر الله هنا ليس ترديد باللسان، بل حضور وعد الله في لحظة الخطر. إنه إدخال مرجعية الله في قراءة الحدث، بحيث لا يقرأ الإنسان الخطر بعينه المجردة فقط، بل يقرأه داخل وعد الله وسننه وعهده.

ثم جاءت الآيات بعدها لتكشف من التحق بهذه الأسوة فعلًا: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ ، فهؤلاء رأوا الأحزاب كما رآهم غيرهم، لكنهم لم يقولوا: غرورًا، بل قالوا:﴿هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾

فالفرق ليس في رؤية الخطر، بل في قراءة الخطر. المنافق رأى الخطر فقال: غرورًا. والمؤمن رأى الخطر فقال: هذا وعد الله.

ثم قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

وهذه الآية تؤكد أن القضية كلها قضية عهد وصدق وثبات. فالأسوة في رسول الله كانت في الصدق مع العهد، والثبات على الوعد، وعدم التبديل في لحظة الخوف.

ومن هنا نفهم لماذا جاءت كلمة ﴿أُسْوَةٌ﴾ نكرة. لأنها ليست الأسوة المطلقة في كل شيء، بل أسوة حسنة في هذا الموضع: موضع الثبات عند الزلزلة وتصديق وعد الله.

ثم ننتقل إلى سورة الممتحنة، حيث ذكر الله أسوة أخرى فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ وهنا يظهر الفرق الدقيق بين الموضعين.

في سورة الأحزاب قال تعالى: ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ ، ولم يقل: “في رسول الله والذين معه”. أما في سورة الممتحنة فقال: ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ .

فلماذا اختلف التعبير؟

لأن سياق الأحزاب كان سياق جماعة مختلطة في لحظة زلزلة؛ فيها المؤمن الصادق، وفيها المنافق، وفيها المعوق، وفيها من طلب الفرار، وفيها من ظن بالله الظنون. لذلك لم يجعل القرآن الأسوة في كل من كان مع الرسول، بل جعلها في رسول الله تحديدًا، لأنه كان مركز الثبات والتصديق بوعد الله.

أما سياق الممتحنة فليس سياق جماعة مختلطة في موقف خوف وزلزلة، بل سياق موقف إيماني واحد أعلنه إبراهيم والذين معه تجاه قومهم، وهو موقف البراءة من الولاء الباطل، وقطع المودة مع من يعادي الحق.

فسورة الممتحنة تبدأ بالنهي عن موالاة أعداء الله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ ثم يبيّن السياق سبب هذا النهي:

﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾

فالقضية هنا ليست خوفًا في ساحة مواجهة كما في الأحزاب، بل قضية ولاء ومودة سرية مع جهة تحارب الحق وتخرج الرسول والمؤمنين بسبب إيمانهم.

ولهذا جاءت أسوة إبراهيم والذين معه:

﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾

فهذه هي الأسوة في إبراهيم والذين معه: إعلان البراءة من جهة العداوة لله، وقطع رابطة الولاء حين تتحول المودة إلى خيانة للحق وللرسالة.

وهنا تظهر دقة القرآن أكثر؛ فالأسوة في إبراهيم والذين معه ليست مطلقة في كل تفصيل، بل محددة بموضع البراءة من الولاء الباطل. ولذلك استثنى القرآن مباشرة فقال: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ . وهذا الاستثناء يؤكد القاعدة نفسها: أن الأسوة لا تُؤخذ خارج حدود السياق. فحتى في موضع إبراهيم، لم يترك القرآن الأسوة مفتوحة بلا ضبط، بل بيّن محل الاقتداء، واستثنى ما لا يدخل في هذا الموضع.

فإذا كان القرآن قد ضبط الأسوة في إبراهيم مع الذين معه، وبيّن حدودها، فكيف تُجعل آية الأحزاب أصلًا مفتوحًا لكل ما يُنسب إلى الرسول خارج سياقها ؟

ثم أعاد الله ذكر الأسوة في الممتحنة فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

ولم يقل هنا: “وذكر الله كثيرًا”، لأن السياق ليس سياق زلزلة وخوف وظنون كما في الأحزاب، بل سياق تولٍّ وولاء ومودة. فمن يتولَّ بعد البيان، فإن الله غني عنه، لا يحتاج إلى نصرته ولا إلى مودته ولا إلى إعلانه.

أما في الأحزاب فجاء: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ، لأن الخطر هناك كان في غياب ذكر الله عند الخوف، فتحضر الظنون، ويظهر الفرار، ويقال: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ .

الخاتمة :

وبذلك يتبين أن ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ في القرآن ليست عنوانًا عامًا يُنتزع من موضعه، ولا تفويضًا مفتوحًا لإدخال كل المرويات والسير والعادات تحت سلطة الآية، بل هي أسوة قرآنية محددة بسياقها.

في الأحزاب: الأسوة في الثبات وتصديق وعد الله عند الزلزلة والخوف.

وفي الممتحنة: الأسوة في البراءة من الولاء الباطل وقطع المودة مع من يعادي الحق.

فالقرآن لا يترك الأسوة معلّقة بلا تحديد، بل يضعها داخل موقف، ويبيّن محلها، ويكشف من يدخل فيها ومن يخرج منها. ومن هنا فالسؤال ليس عن وجود الأسوة، بل عن موضعها وحدودها كما يحددها القرآن نفسه.

 

تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

 

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى