مقالات

التعريف الجامع لـ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾

قراءة تشغيلية بعد ضبط الفرق بين الإيمان والأيمان واليمين

التعريف الجامع لـ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾

قراءة تشغيلية بعد ضبط الفرق بين الإيمان والأيمان واليمين

 

مقدمة

لا يمكن ضبط معنى ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ قبل التمييز بين ثلاثة أبواب قرآنية متقاربة في الصوت، لكنها مختلفة في الوظيفة والدلالة:

١الإيمان.

٢الأَيْمان.

٣اليَمين.

فالإيمان ليس هو الأَيْمان، والأَيْمان ليست هي اليمين المفردة، واليمين في مثل: ﴿ضَرْبًا بِٱلْيَمِينِ﴾ أو ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ لا تساوي الأيمان في مثل: ﴿وَلَا تَنقُضُوا ٱلْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.

ومن هنا يقع الخلل حين تُقرأ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ على أنها “ما ملكت أيديكم”، أو حين تُخلط مع ﴿ما ملكت يمينك﴾ في خطاب النبي. فالقرآن فرّق بين الصيغتين، ولا يصح إلغاء هذا الفرق.

أولًا: ضبط المفاهيم

١الإيمان

الإيمان في القرآن مفهوم مرجعي داخلي، يدل على تبنّي مرجعية مأمونة آمرة تستقر في القلب، وتوجّه القرار والسلوك، وتظهر حقيقتها في العمل والأثر.

لذلك جاء مرتبطًا بالقلب، والزيادة، والعمل، ونفي الظلم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ، ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ، ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ ، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾. فالإيمان ليس مجرد تصديق لفظي، بل مرجعية داخلة في القلب تُنتج أثرًا عمليًا.

٢الأَيْمان

أما الأَيْمان فهي باب آخر، لا تعني الإيمان القلبي، ولا تُردّ إلى اليمين المفردة بمعنى جهة الثبوت والحسم، بل تدل على العهود والمواثيق والالتزامات المنعقدة.

ومن أوضح مواضعها: ﴿وَلَا تَنقُضُوا ٱلْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾

﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ ، ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَانَ﴾

فالأيمان هنا ليست أعضاءً، ولا جهة حسية، بل التزامات موكدة، وعهود منعقدة، ومواثيق مسؤولة.

٣اليمين

أما اليمين المفردة فهي جهة الثبوت والاعتماد والحسم والاختصاص، كما في: ﴿ضَرْبًا بِٱلْيَمِينِ﴾ ، ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾ ، ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.

فاليمين هنا ليست هي الأيمان، بل جهة فعل معتمد، أو حسم ثابت، أو اختصاص مخصوص.

ومن هنا يجب أن يكون الأصل:

﴿ما ملكت أيمانكم﴾ من باب الأيمان: أي العهود والالتزامات والمسؤوليات المنعقدة.

أما ﴿ما ملكت يمينك﴾ في خطاب النبي فهي من باب اليمين المفردة: أي جهة الاختصاص والثبوت والاعتماد الخاصة بالمخاطَب.

التعريف الجامع لـ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾

ما ملكت أيمانكم هو كل حق أو علاقة أو شخص دخل في مجال أيمانكم؛ أي في عهودكم ومواثيقكم والتزاماتكم ومسؤولياتكم المنعقدة، بحيث صار تحت ضمانكم وضبطكم ورعايتكم، لا على معنى امتلاك الجسد أو الاستباحة، بل على معنى قيام حق ملزم داخل مجال الأيمان يحتاج إلى عدل وحدود وإحسان.

وبصياغة أبسط:

ما ملكت أيمانكم : ما دخل في مجال العهود والالتزامات والمسؤوليات المنعقدة، لا ما امتلك الإنسان جسده.

أو:

هو مجال مسؤولية غير متكافئ، يدخل فيه حق أو علاقة أو شخص تحت ضمان والتزام، فيحتاج إلى ضبط وعدل وإحسان.

عناصر التعريف

يقوم هذا التعبير على خمسة عناصر:

 

  1. الأيمان: عهود ومواثيق والتزامات منعقدة، لا الإيمان القلبي، ولا اليمين المفردة، ولا اليد العضوية.
  2. الملك: دخول الشيء أو العلاقة أو الشخص في نطاق التصرف المسؤول، لا تملك الجسد.
  3. ما: تشير إلى المجال أو الحق أو العلاقة، لا إلى تحويل الإنسان إلى شيء.
  4. عدم التكافؤ: لأن العلاقة تقوم غالبًا بين طرف يملك قدرة أو تصرفًا أو ضمانًا أكبر من الطرف الآخر.
  5. الضبط: لأن القرآن كلما ذكر هذا الباب أحاطه بحق أو إحسان أو كتاب أو إذن أو استئذان أو إحصان أو منع إكراه.

كيف يظهر هذا التعريف في الآيات؟

  1. في النساء 24

قال تعالى:

﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾

هذه الآية جاءت في سياق تعداد النساء المحرمات في النكاح. وبعد أن ذكر النص أصنافًا متعددة من النساء المحرمات، ختم بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، أي أن النساء المحصنات كذلك داخلات في التحريم.

ثم جاء الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . وهنا لا يصح أن يُفهم الاستثناء على أنه اختراق لحصانة امرأة، ولا على أنه إباحة امرأة أجنبية، بل هو استثناء لما دخل في مجال الأيمان بعقد مشروع.

فالمحصنة من النساء محرمة من حيث الأصل، إلا إذا دخلت في أيمانكم بعقد نكاح صحيح، فتحولت من كونها امرأة محرمة إلى كينونة زوجية قائمة بعهد وميثاق وحقوق.

ولهذا قال بعدها مباشرة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، فالطريق ليس الاستباحة، بل الابتغاء بالأموال على وجه الإحصان لا السفاح.

ثم قال: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ، وهذا يؤكد أن العلاقة ليست علاقة سائبة، بل علاقة محكومة بمال وأجر وفريضة وحق معلوم.

إذن: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في هذا الموضع تعني: إلا من دخلت في أيمانكم بعقد مشروع، فصارت ضمن كينونة زوجية قائمة بحق وميثاق، لا بامتلاك جسد ولا باستباحة.

الجملة الفاصلة:

الاستثناء في النساء 24 ليس فتحًا لباب الاستباحة، بل إخراج من التحريم العام بعقد إحصان مشروع داخل الأيمان.

  1. في النساء 25

قال تعالى: ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾

هنا جمع القرآن بين وصفين:

الأول: ﴿ما ملكت أيمانكم﴾، وهو يدل على فئة داخلة في مجال التزاماتكم وضمانكم ومسؤوليتكم.

والثاني: ﴿فتياتكم المؤمنات﴾، وهو يدل على أنهن فتيات لهن موقع ووظيفة داخل المجتمع، لا أجساد مستباحة ولا نساء بلا صفة.

وبذلك لا يصح حمل الآية على خادمات بأجر مستقل كامل؛ لأن من كانت خارج مجال الضمان والمسؤولية لا تُوصف بأنها من ﴿ما ملكت أيمانكم﴾.

ولا يصح كذلك حملها على مملوكات جنسيًا؛ لأن القرآن أمر بنكاحهن، واشترط إذن أهلهن، وإيتاء أجورهن بالمعروف:

﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

إذن فـ ﴿فتياتكم المؤمنات﴾ من ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ هن فئة داخلة في مجال ضمان ومعيشة وحماية ومسؤولية، لكن هذا المجال لا يبيح النكاح ولا يُنتج علاقة زوجية بذاته.

فالآية تفرّق بين مستويين:

مجال الأيمان: ضمان، معيشة، حماية، مسؤولية.

عقد النكاح: إذن، أجر، معروف، إحصان.

فالأيمان لا تُنتج نكاحًا، ولا تُسقط الأجر، ولا تلغي الأهل، ولا تبيح العلاقة. بل هي إطار مسؤولية وضمان، أما النكاح فله عقده وشروطه وحقوقه.

الجملة الفاصلة:

فتياتكم المؤمنات داخل ما ملكت الأيمان لسن خادمات مستقلات الأجر، ولا مملوكات أجساد، بل فتيات داخل ضمان ومسؤولية. فإذا انتقلت العلاقة إلى النكاح وجب عقد جديد بإذن أهلهن وأجورهن بالمعروف.

3.في النساء 36

قال تعالى:

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾

السياق هنا سياق إحسان، لا سياق نكاح ولا سياق ملكية.

فـ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ هنا هم من دخلوا في مجال مسؤوليتكم العملية ضمن علاقة غير متكافئة، فوجب الإحسان إليهم، ومنع التكبر عليهم أو استغلالهم.

وختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾

يكشف أن المشكلة في هذا الباب هي علاقة قوة قد تتحول إلى كبر وظلم، فجاء الأمر بالإحسان.

 

الجملة الفاصلة:

ذكر ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ في آية الإحسان يدل على أنهم داخل مسؤولية أخلاقية واجتماعية، لا داخل ملكية جسدية.

4.في النور 33

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمْ﴾ . هذه الآية تكشف أن ﴿ما ملكت الأيمان﴾ ليست ملكية جسد، ولا علاقة مغلقة؛ لأن من كان مملوكًا ملكية تامة لا يُنسب إليه ابتغاء الكتاب، ولا يُؤمر الطرف الآخر بمكاتبته وتمكينه.

فوجود الابتغاء يدل على إرادة ، ووجود الكتاب يدل على توثيق وانتقال ، ووجود الأمر بالمكاتبة يدل على أن العلاقة قابلة للخروج من التبعية إلى الأهلية.

ثم قال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾

وهذا يؤكد أن الفتيات داخل هذا المجال لسن محل استباحة، بل لهن إرادة في التحصن، ويحرم استغلال موقعهن لإفشال هذا التحصن.

فالخلاصة:

ما ملكت الأيمان غطاء ضمان ومسؤولية، لا ملكية إنسان. فإذا طلب من كان تحته الكتاب وجب تمكينه، وإذا أرادت الفتيات التحصن حرم إكراههن.

الجملة الفاصلة:

لو كانت ﴿ما ملكت الأيمان﴾ ملكية جسد، لما قال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، ولما أثبت لهم ابتغاءً وإرادةً وتحصنًا.

5.في النور 58

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٍ﴾.
السياق هنا: البيت، العورات، الاستئذان، والطواف عليكم. فـ ﴿الذين ملكت أيمانكم﴾ هنا هم من لهم دخول عملي في البيت أو المجال الخاص بحكم علاقة أيمان وقرب ومسؤولية، لكنهم ليسوا أهل خصوصية كاملة.

لذلك يستأذنون في أوقات العورات. فلو كانوا أزواجًا لما احتاجوا إلى هذا الاستئذان ، ولو كانوا أجانب تمامًا لما كانوا طوافين عليكم. إذن هم داخل مجال القرب العملي، لكن قربهم مضبوط بحدود.

الجملة الفاصلة:

الاستئذان في النور 58 يثبت أن ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ ليسوا أزواجًا، وليسوا أجانب كاملين، بل داخلون في قرب عملي منضبط.

6.في النور 31 والأحزاب 55

قال تعالى في النور 31:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ… أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾

وقال في الأحزاب 55:

﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ إِخْوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبْنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾

السياق هنا سياق زينة وخصوصية ودوائر قرب، لا سياق نكاح. فـ ﴿ما ملكت أيمانهن﴾ تعني من دخلوا في مجال أيمان النساء؛ أي في دائرة قربهن العملي ومسؤولياتهن المنضبطة، فلا يعاملون كالأجانب الكاملين، لكن قربهم لا يساوي علاقة زوجية ولا يرفع الحدود. ولهذا جاءت العبارة ضمن قائمة القرب، لا ضمن علاقة نكاح.

 

الجملة الفاصلة:

﴿ما ملكت أيمانهن﴾ في آيات الزينة والخصوصية تعني قربًا عمليًا مضبوطًا داخل مجال الأيمان، لا علاقة نكاح ولا استباحة.

7.في الروم 28 والنحل 71

قال تعالى في الروم 28:

﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَٰكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾

وقال في النحل 71:

﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾

السياق هنا سياق رزق، وتفاوت، وشراكة، وعدم مساواة.

فـ ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ هنا هم من دخلوا في دائرة تصرفكم الاقتصادي أو الاجتماعي، لكنهم ليسوا شركاء مساوين لكم في الرزق والقرار.

وهذا يؤكد عنصر عدم التكافؤ في التعريف. فالقرآن لا يقرر ظلمًا، بل يكشف بنية اجتماعية يعرفها المخاطبون: هناك من هم داخل مسؤوليتكم وتصرفكم، لكنهم ليسوا شركاء متساوين. ثم يجعل هذا المثال حجة على بطلان الشرك؛ فإذا كنتم لا تجعلون من تحت أيمانكم شركاء مساوين لكم في رزقكم، فكيف تجعلون لله شركاء؟

الجملة الفاصلة:

الروم والنحل يثبتان أن ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ علاقة غير متكافئة في الرزق والتصرف، لا ملكية جسد.

8.في المؤمنون والمعارج

قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

السياق هنا سياق حفظ الفروج.

وجاءت الصيغة: ﴿أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾

فـ “أو” هنا لا تجعل البابين شيئًا واحدًا، بل تفرّق بين جهتين من القرب المشروع:

الأزواج: كينونة زوجية قائمة بميثاق ووظيفة.

ما ملكت الأيمان: علاقة داخلة في مجال الأيمان، مخصوصة بسياقها، مضبوطة بحق مشروع، لا بالسفاح ولا بالاستباحة.

وهذا الموضع لا يعني أن كل من دخل في مجال الأيمان صار مباحًا من جهة الفروج؛ لأن القرآن نفسه في النساء 25 اشترط النكاح والإذن والأجور، وفي النور 33 منع الإكراه وأثبت التحصن.

إذن لا تُفهم الآية منفردة خارج نظام القرآن، بل داخل الضوابط العامة: إحصان، إذن، أجر، كتاب، منع إكراه.

الجملة الفاصلة:

﴿أو﴾ في المؤمنون والمعارج تفرّق بين باب الأزواج وباب ما ملكت الأيمان، لكنها لا تفتح الاستباحة؛ لأن باب الأيمان نفسه محكوم بالإحصان والحقوق والضبط.

9.في الأحزاب 50 و52

هنا يجب التفريق بدقة بين:

 

﴿ما ملكت يمينك﴾ في خطاب النبي.

و﴿ما ملكت أيمانهم﴾ في حق المؤمنين.

قال تعالى في الأحزاب 50:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ… قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾

في صدر الآية قال للنبي: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ، ولم يقل: ما ملكت أيمانك. وهذا مهم؛ لأن الخطاب هنا ليس عن باب أيمان عامة، بل عن اختصاص نبوي ثابت في جهة يمينه، مما أفاء الله عليه: ﴿مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ﴾، فالفيء ليس علاقة زوجية ع، ولا فتحًا لباب النساء، بل ما رجع إلى جهة مسؤولية النبي واختصاصه الرسالي والسياسي والتدبيري.

ثم قال عن المؤمنين: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ﴾ ، هنا استعمل ﴿أيمانهم﴾ لا ﴿يمينهم﴾؛ لأن الحديث عن فرائض عامة في علاقات الناس والتزاماتهم.

والواو في: ﴿أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ﴾

ليست مثل “أو” في المؤمنون والمعارج؛ لأن السياق هنا ليس مقام حفظ الفروج فقط، بل مقام بيان الفرائض والتنظيم. لذلك جمع بين بابين تشريعيين لهما فرائض وضوابط:

باب الأزواج ، وباب ما ملكت الأيمان.

أما في الأحزاب 52 فقال تعالى:

﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾

هنا لم يقل: لا يحل لك الأزواج، بل قال: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ﴾ . والنساء هنا أوسع من الأزواج  فهي المجال الاجتماعي العام للنساء بوصفهن إمكانًا للدخول في علاقة أو موقع جديد.

ثم قال: ﴿وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍ﴾ ، والباء في ﴿بِهِنَّ﴾ تكشف أن الموجودات قد يُجعلن وسيلة في عملية التبديل؛ أي لا تجعل أزواجك القائمات وسيلة لإدخال أزواج أخريات مكانهن.

فالممنوع أمران:

الأول: فتح باب النساء من بعد.

الثاني: استعمال الأزواج القائمات وسيلة للتبديل.

ثم جاء الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ، وهذا الاستثناء لا ينقض المنع؛ لأنه لم يقل: إلا نساءً جديدات، ولا قال: إلا أزواجًا أخريات، بل قال: ﴿ما ملكت يمينك﴾. أي: إلا ما كان ثابتًا في جهة اختصاصك الرسالي، لا ما تستحدثه من باب النساء، ولا ما تدخله بطريق تبديل الأزواج.

الجملة الفاصلة:

﴿ما ملكت يمينك﴾ في الأحزاب ليست مساوية لـ ﴿ما ملكت أيمانهم﴾ الأولى اختصاص نبوي ثابت في جهة اليمين، والثانية باب فرائض عامة داخل أيمان الناس.

الفرق النهائي بين الصيغ

﴿ما ملكت أيمانكم﴾

تعني: ما دخل في مجال أيمانكم؛ أي في عهودكم والتزاماتكم ومسؤولياتكم العامة، فصار تحت ضمانكم وضبطكم ورعايتكم.

 

﴿ما ملكت أيمانهم﴾

تعني: ما دخل في مجال أيمانهم هم، أي في فرائضهم والتزاماتهم العامة، كما في الأحزاب 50.

﴿ما ملكت أيمانهن﴾

تعني: ما دخل في دائرة أيمان النساء وقربهن العملي المنضبط، خصوصًا في سياق الزينة والخصوصية.

﴿ما ملكت يمينك﴾

تعني في خطاب النبي: ما ثبت في جهة اختصاصك واعتمادك الرسالي مما أفاء الله عليك، لا ما دخل في أيمانك العامة، ولا بابًا جديدًا للنساء أو الأزواج.

الخاتمة

بعد ضبط الفرق بين الإيمان، والأيمان، واليمين، يتضح أن ﴿ما ملكت أيمانكم﴾ لا تعني ملكية الجسد، ولا اليد العضوية، ولا الاستباحة، ولا الإيمان القلبي.

بل هي مجال علاقات وحقوق وأشخاص دخلوا في أيمان الناس؛ أي في عهودهم والتزاماتهم ومسؤولياتهم المنعقدة، فاحتاجوا إلى ضبط وعدل وإحسان.

ولهذا جاء القرآن بهذا الباب في سياقات متعددة:

في النكاح: ضبطه بالإحصان والأجور.

في الفتيات: ضبطه بالإذن والأجر والمعروف.

في الإحسان: ضبطه بمنع الكبر والاستغلال.

في المكاتبة: فتح له طريق الكتاب والخروج إلى الأهلية.

في البيت: ضبطه بالاستئذان.

في الزينة: جعله ضمن قرب محدود لا استباحة.

في الرزق: كشف به عدم التكافؤ في التصرف.

في حفظ الفروج: فرّق بينه وبين الأزواج، وأبقاه داخل الضبط العام.

وفي الأحزاب: فرّق بين أيمان المؤمنين ويمين النبي.

فالقاعدة الجامعة:

ما ملكت الأيمان ليس ملك أجساد، بل ملك مسؤولية داخل العهد. وما ملكت يمين النبي ليس باب أيمان عامة، بل اختصاص ثابت في جهة اليمين مما أفاء الله عليه.

والجملة الفاصلة:

﴿ما ملكت أيمانكم﴾ باب عهود والتزامات ومسؤوليات عامة، أما ﴿ما ملكت يمينك﴾ في خطاب النبي فباب اختصاص رسالي ثابت؛ فلا تُفسَّر هذه بتلك، ولا يُجعل شيء منهما ملكية جسد أو باب استباحة.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى