الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس: من القدرة إلى العفو

الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس: من القدرة إلى العفو
المقدمة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ آل عمران: 134
يُفهم تعبير ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ غالبًا على أنه: الذين يغضبون ثم يحبسون غضبهم في داخلهم فلا يردّون على من أغاظهم. لكن هذا الفهم يثير إشكالًا بنيويًا واضحًا في الآية نفسها.
فإذا كان الإنسان قد امتنع عن الرد على من أساء إليه، وكتم غضبه، ولم يفعل به شيئًا، فما الوظيفة الجديدة لقوله بعد ذلك: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾؟ . فالعفو لا تكون له قيمة مستقلة إلا إذا بقي للإنسان بعد الكظم حق وقدرة على المؤاخذة. أمّا إذا كان الكظم يعني أصلًا ترك الرد على المسيء، فإن العفو يصبح قريبًا جدًا من إعادة المعنى نفسه بصيغة أخرى. ومن هنا لا بد من إعادة دراسة الكلمتين من داخل الاستعمال القرآني:
ما الغيظ؟ ثم: ما الكظم؟ ثم بعد ذلك نفهم لماذا جاء: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قبل: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
أولًا: الغيظ ليس مجرد الغضب
الغيظ في الاستعمال القرآني لا يبدو مجرد اسم آخر للغضب النفسي.
قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾.
وقال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
وقال: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
وقال: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾.
هذه المواضع تكشف أن الغيظ ليس مجرد انفعال يسمى غضبًا، وإنما يرتبط بحالة أشد: ضغط ينشأ عندما تصطدم إرادة بما يقهرها أو يمنعها من تحقيق ما تريد.
فقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ لا يعني فقط أن الكفار يشعرون بالغضب، وإنما أن نمو الجماعة المؤمنة وثباتها يوقعهم في حالة من القهر؛ لأن الواقع يسير على خلاف ما يريدون.
وكذلك: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ . فالغيظ هنا نتيجة عجزهم عن إزالة ما يكرهون. ويتأكد ذلك في قوله:
﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
فالغيظ لم يذهب بمجرد تدريب نفسي على الهدوء، وإنما جاء السياق قبله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. أي إن تغير ميزان القوة، وردّ العدوان، وإزالة حالة القهر، هو الذي أذهب الغيظ.
التعريف المعياري للغيظ :
الغيظ: حالة ضغط واحتقان تنشأ من مواجهة الإرادة بما يقهرها أو يعطل نفاذها، فتحمل صاحبها على طلب إزالة سبب هذا القهر.
ولهذا ليس كل غضب غيظًا، وإن كان الغيظ قد يصاحبه غضب. فالغيظ يرتبط أكثر بحالة القهر الناتج عن الفعل الواقع عليك أو عن عجزك عن دفع ما تكره.
ثانيًا: ماذا يعني الكظم؟
وردت مفردة «كظم» في القرآن في أكثر من موضع:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾.
وقال في يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وقال: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وقال في موضع آخر: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
وهذه المواضع مهمة لأنها تمنع اختزال الكظم في معنى: «إخفاء الشعور حتى لا يظهر». فيعقوب كان:﴿كظيمًا﴾ ، ولكن أثر حالته كان ظاهرًا إلى درجة أن القرآن قال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾. إذن «كظيم» لا يمكن أن تعني ببساطة: شخص أخفى إحساسه فلم يظهر له أثر.
وكذلك قوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ، فالوجه نفسه كشف الحالة. إذن الكظم ليس مساويًا للكتمان.
الكظم بوصفه إحكامًا لا إخفاءً:
المشترك في هذه المواضع هو وجود حالة شديدة واقعة تحت ضغط أو إمساك. ومن هنا يمكن أن يكون الكظم أقرب إلى: إحكام الشيء ومنع انفلاته أو استمراره على الصورة التي كان يتجه إليها. فالإنسان الكظيم ليس إنسانًا بلا انفعال، وإنما إنسان وصل إلى حالة شديدة لكنه أمسك مسارها وأحكمها.
وهذا التفريق يصبح بالغ الأهمية في قوله: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. فالنص لم يقل: «الكاظمين غضبهم» ، ولم يقل: «الكاظمين غيظ قلوبهم». وإنما جعل الغيظ نفسه مفعولًا للكظم. أي أن الفاعل يباشر الغيظ ويضعه تحت إحكامه.
ثالثًا: هل كظم الغيظ يعني السكوت أمام من أغاظك؟
هنا يظهر الإشكال الأكبر في القراءة الشائعة. إذا اعتدى عليك إنسان أو أهانك، وأنت قادر على منعه، فقيل لك إن «كظم الغيظ» يعني: اسكت ولا تظهر شيئًا ولا تواجهه، فإن هذا قد يحول الكظم إلى صورة من صور الاستكانة، مع أن السياق التالي مباشرة يتحدث عن:﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. والعفو في ذاته يفترض وجود شيء كان من الممكن أن تستوفيه. فمن لا يستطيع المؤاخذة لا يقال إن تركه للمؤاخذة عفو بالمعنى الكامل؛ لأن القدرة لم تكن موجودة أصلًا. أما العفو الذي يحمل قيمة أخلاقية واضحة فهو: أن تقدر ثم لا تنتقم. ومن هنا يصبح من الضروري أن يكون «الكظم» السابق للعفو مرحلة تثبت فيها القدرة والسيطرة على الموقف، لا مرحلة تسقط فيها القدرة.
رابعًا: كظم الغيظ هو وضع مصدره عند حدّه
يمكن هنا اقتراح قراءة أكثر اتساقًا مع بنية الآية: الغيظ ينشأ عندما يأتي فعل من شخص أو جهة يضغط عليك، أو يقهرك، أو يحاول فرض إرادته عليك. فـ«كظم الغيظ» لا يكون بإخفاء شعورك عنه، وإنما بأن تتمكن من حالة الغيظ وتوقف فاعليتها. أي: أن يصبح ما كان يضغط عليك تحت سيطرتك بدل أن تكون أنت تحت ضغطه.
ومن هنا يمكن فهم الكظم في الموقف الإنساني على أنه: القدرة على إيقاف من أغاظك عند حدّه، وإبطال قدرته على الاستمرار في فرض الغيظ عليك. وهذا لا يعني ضرورة الاعتداء عليه، ولا الانتقام منه، وإنما يعني أن العلاقة لم تعد علاقة: معتدٍ قادر / ومعتدى عليه عاجز. بل أصبحت: أنت قادر على ردعه وإسكاته ومنعه من الاستمرار. وهنا فقط يظهر معنى العفو بصورة شديدة الوضوح.
خامسًا: لماذا قال بعدها ﴿والعافين عن الناس﴾؟
إذا أصبح الكاظم هو الذي تمكن من الغيظ وأوقف مصدره عند حدّه، فإن الجملة التالية تصبح مستقلة تمامًا: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. فبعد أن أثبت قدرتك على رد المعتدي، بقي سؤال آخر: ماذا ستفعل بالشخص نفسه بعدما أصبح تحت قدرتك؟ هنا يأتي العفو. فالكظم يتعلق بإنهاء حالة الغيظ وتمكين الإنسان من الموقف ، أما العفو فيتعلق بقرار الإنسان تجاه من تسبب في تلك الحالة. وبذلك لا يعود أحدهما مرادفًا للآخر.
سادسًا: مثال يوضح الفرق
شخص أساء إليك أمام الناس.
الصورة الأولى : سكتَّ لأنك تخافه، أو لأنه أقوى منك، أو لأنك لا تستطيع الرد عليه. هذه الحالة لا تكشف كظمًا ولا عفوًا؛ لأن عنصر القدرة غير متحقق.
الصورة الثانية : أنت قادر على إيقافه، فأوقفته عند حدّه، وأظهرت له أن إساءته لا تستطيع الاستمرار وأنه لا يملك أن يفرض عليك الإهانة. هنا كُظم الغيظ؛ لأن مصدر الضغط أصبح تحت السيطرة. لكن يبقى بإمكانك أن تعاقبه أو تلاحقه أو تنتقم منه. فإذا تركت ذلك مع قدرتك عليه، تحقق: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. ومن هنا يكون العفو اختيارًا صادرًا من قوة، لا نتيجة ضعف.
سابعًا: الكظم لا يعني الانتقام
وهنا ينبغي ضبط المفهوم جيدًا. قولنا إن الكظم يتضمن القدرة على إيقاف من أغاظك لا يعني أن القرآن يأمر بالبطش أو إذلال الآخر.
الفرق كبير بين: إثبات القدرة ، وبين: الانتقام. الكظم ينهي سيطرة الغيظ عليك ويضع الموقف تحت قدرتك ، أما العفو فيمنعك من تحويل تلك القدرة إلى استيفاء انتقامي. فالبنية ليست: أُوذيت → انتقمت → عفوت.
بل: أُوذيت → أصبحت قادرًا على وقف مصدر الأذى → لم يعد قادرًا على قهرك → ثم تركت مؤاخذته.
ثامنًا: لماذا ختمت الآية بالإحسان؟
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وهذا الختام يؤكد أن الآية لا تتحدث عن ضعف سلبي. الإحسان لا يكون في أنك لم تستطع الرد، وإنما في كيفية استخدامك للقدرة بعد أن أصبحت في يدك. فالإنسان الذي يردع من اعتدى عليه ثم لا يحول تفوقه إلى انتقام مفتوح هو إنسان انتقل من: القدرة إلى: الضبط ثم إلى: العفو ثم إلى: الإحسان.
تاسعاً : التعريفات المعيارية
1.الغيظ : حالة ضغط وقهر تنشأ حين تواجه إرادة الإنسان فعلًا يعطلها أو يفرض عليها ما تكرهه، فتطلب إزالة مصدر ذلك الضغط.
2.الكظم: هو إحكام حالة الضغط ومنعها من الاستمرار أو التحكم في مسار الفاعل.
3.كظم الغيظ : هو التمكن من الحالة التي سببت القهر وإيقاف مصدرها عند حدّه، بحيث يصبح الموقف تحت قدرة الإنسان بدل أن يبقى الإنسان تحت ضغطه.
4.العفو : هو ترك مؤاخذة الإنسان بعد تحقق القدرة على مؤاخذته.
الخلاصة
لا يبدو أن قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني ببساطة: الذين يُغضَبون فيسكتون ويبتلعون غضبهم.
فهذه القراءة تجعل قوله بعدها: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾
قريبًا من التكرار، كما تجعل الكظم أحيانًا أقرب إلى صورة الضعف منه إلى فضيلة أخلاقية مستقلة.
أما إذا قرأنا الغيظ بوصفه حالة قهر وضغط، والكظم بوصفه إحكام هذه الحالة والسيطرة عليها وإيقاف مصدرها، انفتح البناء القرآني بصورة أكثر اتساقًا: الكاظم للغيظ ليس العاجز الذي سكت، وإنما القادر الذي أنهى حالة القهر ووضع مصدرها عند حدّه.
ثم، بعدما أصبح قادرًا على المؤاخذة، يأتي المستوى الأعلى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾. أي: يقدرون، ثم يعفون.
وعندها نفهم خاتمة الآية: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
فالآية لا تمدح إلغاء القوة، وإنما تضبط أخلاق القوة:
لا تكن عاجزًا أمام من يغيظك، ولا تكن منتقمًا بعد أن تقدر عليه؛ اكظم الغيظ، ثم اعفُ عن الإنسان.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



