
دلالة الفعل ﴿قَطَعَ﴾ في القرآن
قراءة مفهومية من داخل الاستعمال القرآني
المقدمة
لا يصح أن نبدأ فهم الفعل ﴿قَطَعَ﴾ من معنى مألوف خارج القرآن، ثم نفرضه على كل موضع ورد فيه، بل الواجب أن نقرأ موارد الفعل في القرآن نفسه، وننظر كيف يعمل داخل السياقات المختلفة.
وعند تتبع الآيات التي ورد فيها القطع، نجد أن الفعل لا يدل على صورة حسية واحدة، ولا ينحصر في فعل مادي مخصوص، بل يدل على معنى أوسع وأدق:
القطع في القرآن هو إحداث فصل أو حدّ فاصل يوقف امتداد شيء، أو يمنع اتصاله، أو يعطّل مساره، أو يفرّق بنيته، بحسب المجال الذي يقع فيه.
فإذا وقع على الدابر كان إنهاءً للامتداد.
وإذا وقع على الطريق كان منعًا للعبور.
وإذا وقع على العهد كان فصلًا لما أُمر أن يوصل.
وإذا وقع على الأيدي كان تعطيلًا لمجال القدرة والفعل.
وإذا وقع على الأرض كان تفريقًا لمجالها.
وإذا وقع على الليل كان جزءًا محدودًا منه.
وإذا وقع على القلوب أو الأرحام أو الأمر كان تفكيكًا للصلة أو وحدة المسار.
إذن لا نغيّر معنى القطع من آية إلى آية، بل نثبت له مفهومًا جامعًا، ثم نرى كيف يتجلى هذا المفهوم بحسب المجال الذي تعلق به الفعل.
أولًا: القطع بوصفه إنهاءً للامتداد
قال تعالى:
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: 45]
وقال:
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 72]
وقال:
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]
الدابر هو الامتداد اللاحق للشيء، وما يبقى وراءه من أثر واستمرار. فإذا قال تعالى: ﴿قُطِعَ دَابِرُهُمْ﴾ فالمعنى أن امتدادهم قد انتهى، وأن مسارهم لم يعد قابلًا للبقاء أو الاستمرار.
فالقطع هنا لا يُفهم كصورة حسية، بل كحكم على الامتداد التاريخي والوجودي لجماعة ظالمة. كان لهم حضور، وقوة، ونظام، وامتداد، فجاء القطع ليضع حدًا لهذا المسار.
وهذا ينسجم مع قول نوح:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26]
أي لا تترك لهم امتدادًا يتحول إلى إضلال جديد. فالقطع هنا هو إيقاف خطّ الاستمرار، لا مجرد إصابة عابرة.
ثانيًا: القطع بوصفه فصلًا بين ما أُمر أن يوصل
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]
وقال:
﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد: 25]
هنا يظهر معنى القطع بوضوح شديد؛ لأنه جاء في مقابل الوصل. فالقطع ليس مجرد إتلاف، بل هو فصل ما ينبغي أن يبقى موصولًا. هناك عهد، وميثاق، وصلة مأمور بها، ثم يأتي الفعل البشري ليقطع هذا الوصل، أي يفصل المجال الذي أراد الله له أن يبقى مترابطًا.
فكل صلة أمر الله بها، سواء كانت صلة حق، أو عهد، أو رحم، أو نظام عدل، أو علاقة مسؤولة، إذا فُصلت عن مقصدها فقد وقع فيها القطع.
ومن هنا نرى أن القطع في القرآن يرتبط كثيرًا بتعطيل النظام الموصول: عهد يُنقض، وصلة تُفصل، ومجال يُخرج عن انتظامه.
ثالثًا: القطع بوصفه تفكيكًا للجماعة أو المجال
قال تعالى:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: 160]
وقال:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ﴾ [الأعراف: 168]
في هذين الموضعين لا يدل القطع على إنهاء وجودهم، بل على تفريقهم إلى وحدات متمايزة. فالقطع هنا هو فصل بنية واحدة إلى قطاعات أو جماعات أو أمم.
فبنو إسرائيل لم يُلغ وجودهم، بل فُرّقوا في الأرض، وصاروا جماعات متعددة، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.
إذن القطع قد يكون إنهاءً للامتداد إذا تعلق بالدابر، وقد يكون تفريقًا للبنية إذا تعلق بالجماعة. والجامع بينهما أن القطع يُحدث حدًا فاصلًا يمنع استمرار الوحدة على صورتها السابقة.
وكذلك قوله:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4]
فالقطع هنا مجالات أرضية متجاورة، أي مناطق متميزة، لكل واحدة حدّها وخصائصها، مع أنها في الأرض نفسها وتسقى من ماء واحد.
فالقطع لا يعني الإلغاء، بل التمييز بين مجالات، ووضع حدود تفصل بينها مع بقاء التجاور.
رابعًا: القطع بوصفه جزءًا محدودًا من امتداد زمني أو مكاني
قال تعالى:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 81]
وقال:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [الحجر: 65]
هنا ﴿قِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ﴾ تعني جزءًا محدودًا من الليل، لا الليل كله. فالليل امتداد زمني، والقطع هو حدّ مأخوذ من هذا الامتداد.
وهذا يؤكد أن القطع في القرآن لا يلزم أن يكون إتلافًا أو إلغاءً، بل قد يكون تحديدًا لمقدار، أو عزلًا لجزء من كل، أو فصلًا لمرحلة من امتداد.
وكذلك قوله:
﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 121]
فالوادى مجال ممتد، وقطعه يعني عبوره حتى ينتهي امتداده بالنسبة للسائر. فالقطع هنا هو تجاوز المجال من حد إلى حد، لا إلغاء الوادي.
ومن هذا الباب أيضًا:
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾
(يونس: 27)
فالقطع هنا أجزاء من ظلمة الليل، أي مقاطع من ذلك الامتداد المظلم أُلبست وجوههم.
خامسًا: القطع بوصفه منعًا للمسار أو تعطيلًا للطريق
قال تعالى:
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: 29]
السبيل هو طريق وسير ومسار. وقطع السبيل لا يعني إزالة الطريق من الوجود، بل تعطيل وظيفته ومنع العابرين من المرور فيه بأمان.
فالقطع هنا هو منع الاتصال بين نقطة ونقطة، وإفساد المسار الذي كان ينبغي أن يبقى مفتوحًا.
وهذا يفتح بابًا مهمًا في فهم القطع:
إذا تعلق القطع بالطريق، فمعناه تعطيل السير.
وإذا تعلق بالعهد، فمعناه تعطيل الوصل.
وإذا تعلق بالدابر، فمعناه إنهاء الامتداد.
وإذا تعلق بالأيدي، فمعناه تعطيل مجال الفعل والقدرة.
سادسًا: القطع بوصفه إنهاء طرف أو كسر امتداد قوة
قال تعالى:
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: 127]
الطرف هو جانب من القوة أو الامتداد. وقطع طرف من الذين كفروا يعني إنهاء جانب من قوتهم أو نفوذهم أو امتدادهم، لا إنهاء كل وجودهم؛ لأن الآية قالت: ﴿طَرَفًا﴾ ولم تقل: جميعهم.
فالقطع هنا حدّ يُوضع لجانب من قوة العدو حتى لا يستمر أثره. وهذا ينسجم مع قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾
لكن الفرق أن قطع الدابر ينهي الامتداد اللاحق كله، أما قطع الطرف فينهي جانبًا من القوة أو المجال.
سابعًا: القطع بوصفه تعطيلًا لمجال القدرة والفعل
قال تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]
لفظ ﴿الأيدي﴾ في القرآن لا ينحصر في العضو، بل يأتي كثيرًا بمعنى القدرة والفعل والكسب والتصرف، كما في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]
وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: 62]
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم﴾ [الفتح: 24]
فاليد هنا مجال الفعل والتنفيذ والكسب. ومن ثم فقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، يفهم داخل هذا النسق: ضعوا حدًا لمجال قدرتهما على السرقة، واقطعوا امتداد الفعل الذي كسبا به الجريمة، بحيث لا يستمر هذا المسار ولا يبقى مفتوحًا.
وهذا ينسجم مع قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ .فالجزاء متعلق بالكسب، لا بالعضو. والكسب فعل ومسار وقدرة. ومن هنا يكون قطع الأيدي هو قطع مجال الكسب الفاسد الذي تحقق به فعل السرقة.
ثم قال تعالى بعدها:
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾
(المائدة: 39)
فذكر الإصلاح بعد التوبة يدل على أن الحكم يتعامل مع فعل اجتماعي قابل للإصلاح وردّ الحقوق وضبط المسار، لا مع إجراء يفصل الإنسان عن القدرة على الإصلاح. فالغاية ليست الانتقام، بل وضع حد للفعل وإرجاع النظام إلى وجهته.
ثامنًا: القطع في آية المحاربة
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾
(المائدة: 33)
هذه الآية تتحدث عن حالة مختلفة عن السرقة، فهي ليست فعل أخذ خفي، بل محاربة وسعي في الأرض فسادًا. لذلك جاء الحكم في سياق منظومة إجراءات متعددة، بحسب طبيعة الفساد وخطورته:
﴿يُقَتَّلُوا﴾
﴿يُصَلَّبُوا﴾
﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ﴾
﴿يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾
وإذا كانت الأيدي مجال الفعل والقدرة، فالأرجل مجال الحركة والسعي والامتداد في الأرض. ومن ثم فإن:
﴿تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم﴾
تعني تعطيل مجال القدرة التنفيذية ومجال الحركة الفاسدة معًا. فالمحارب لا يفسد بيده فقط، بل بقدرته وسعيه وتنظيمه وحركته في الأرض. لذلك جاء الجمع بين الأيدي والأرجل؛ لأن المطلوب قطع قدرة الفساد ومسار حركته.
وقوله: ﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ يدل على تفكيك شبكة الفعل والحركة من جهات متقابلة، بحيث لا يبقى مسار الفساد قادرًا على التماسك أو إعادة التشغيل. فهذا القطع أشد من قطع يد السارق؛ لأن المجال هنا ليس سرقة محدودة، بل محاربة وسعي في الأرض فسادًا.
تاسعًا: تهديد فرعون بقطع الأيدي والأرجل
قال تعالى على لسان فرعون:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 124]
وقال:
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]
وقال:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: 49]
فرعون لا يهدد السحرة بوصفهم أفرادًا عاديين فقط، بل بوصفهم قوة كانت تعمل ضمن نظامه. فلما آمنوا بموسى خرجوا من سلطته وكسروا هيبته أمام الناس.
لذلك كان تهديده بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يعني: سأفكك قدرتكم وحركتكم وموقعكم، وأجعل خروجكم عن سلطاني عبرة ظاهرة للناس.
فالأيدي هنا مجال القدرة والتأثير، والأرجل مجال الحركة والتموضع. و﴿مِّنْ خِلَافٍ﴾ تفيد تفكيك الجهة المقابلة، أي تعطيل البنية من جهاتها المختلفة حتى لا يبقى لها تماسك.
والتصليب بعد ذلك إعلان تثبيت للعقوبة في المجال العام، لا مجرد إجراء منفصل.
عاشرًا: القطع في قصة يوسف
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 31]
وقال يوسف لاحقًا: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: 50]
ينبغي قراءة هذه الآية داخل بنية قصة يوسف، لا داخل صورة موروثة تختزل المشهد في الانبهار الحسي. فالقرآن لم يجعل مركز يوسف في جمال الصورة، بل في العلم، والحفظ، وتأويل الأحاديث، والقدرة على كشف المآلات وإدارة الأزمات.
وقد جاء قبل قوله: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قوله: ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ . والسكين من جهة البناء القرآني متصلة بالسكون والتسكين، فهي ما يدخل في تهدئة المجال أو تثبيت الجالس في موضعه أو إعداد المجلس لحالة انتظار وترقب. ثم أمرت يوسف أن يخرج عليهن، فجاءت المواجهة.
فلما رأينه، أي لما أدركن شأنه وتبين لهن ما عنده من وقار وحجة وعلم وثبات، أكبرنه. والإكبار هنا ليس مجرد تعجب من صورة، بل رفع للمقام في الوعي والحكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ . والأيدي هنا لا تنفصل عن مفهوم اليد في القرآن: مجال القدرة والفعل والتصرف. فالنسوة كنّ في موقف مكر وضغط وتأثير اجتماعي، فلما انكشف لهن أمر يوسف وظهر مقامه، تعطلت أيديهن؛ أي تعطلت وسائل مكرهن وقدرتهن على الاستمرار في الضغط واللوم والتحريض والمراودة.
والتضعيف في ﴿قَطَّعْنَ﴾ يدل على أن القطع وقع على أكثر من جهة أو على مراحل من القدرة والتأثير، لا مجرد حد واحد. لقد انقطعت أيديهن عن المسار الذي كنّ يتحركن فيه، وانكشف أن كيدهن لم يعد قادرًا على الاستمرار أمام ثبات يوسف. ولذلك قال يوسف لاحقًا: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ . فهو لم يربط الحادثة بمجرد مشهد جسدي، بل بالكيد. وهذا يؤكد أن ﴿قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ متعلق بمجال الفعل والكيد والتأثير، لا بمشهد معزول عن سياق المكر.
حادي عشر: القطع في اللينة
قال تعالى:
﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5]
الآية تجعل القطع في مقابل الترك قائمًا على الأصول. فهناك لينة إما أن تقطع، وإما أن تترك قائمة على أصلها.
فالمسألة هنا ليست إزالة شيء، بل تعطيل اتصال الشيء بأصله أو إبقاؤه قائمًا عليه. فالقطع هنا هو فصل المجال عن أصله التشغيلي، والترك هو إبقاؤه متصلًا بأصله.
وهذا يؤكد المفهوم الجامع: القطع إحداث حد فاصل يمنع استمرار الاتصال أو العمل السابق، والترك إبقاء المجال على أصله.
ثاني عشر: تقطع البَيْن والقلوب والأرحام والأمر
قال تعالى:
﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94]
وقال:
﴿إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 110]
وقال:
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: 93]
وقال:
﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: 22]
في هذه المواضع يظهر القطع بوصفه تفكيكًا للروابط الداخلية.
﴿تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تعني أن الصلة التي كانت تجمعهم انفرطت، ولم يعد بينهم رابط نافع.
و﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ تعني أن التماسك الداخلي انهار، وأن القلب لم يعد قادرًا على حمل البنيان النفسي الذي أقاموه.
و﴿تَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ تعني أنهم مزقوا وحدة الأمر، فصار كل فريق في جهة، وكل جماعة في مسار.
و﴿تُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ تعني تفكيك صلات الرحم التي كان ينبغي أن تحفظ الامتداد الإنساني والاجتماعي.
فهنا القطع ليس على شيء مادي، بل على الروابط والمعاني والأمر الجامع.
ثالث عشر: قطع الأرض والثياب والأمعاء والوتين
قال تعالى:
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: 31]
وقال:
﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الحج: 19]
وقال:
﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]
وقال:
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: 46]
هذه المواضع تؤكد أن القطع يتوجه بحسب المجال.
فقطع الأرض يعني تفريق مجالها أو شقّ امتدادها أو إخراجها من اتصالها المعهود.
وقوله: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ يدل على إعداد أغطية أو ألبسة مفصلة عليهم من نار، أي جعل النار محيطة بهم في هيئة مقطعة على مقاديرهم.
وقوله: ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ يدل على تفكيك البنية الداخلية التي بها يستقر الجوف وتنتظم الحياة الداخلية.
وقوله: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ يدل على إنهاء أصل الاتصال الحيوي الذي به يستمر الكيان.
وفي كل ذلك يبقى المعنى الجامع واحدًا: فصل أو إنهاء اتصال أو تعطيل امتداد بحسب المجال.
المفهوم الجامع للقطع في القرآن
بعد تتبع هذه الموارد، يمكن ضبط المفهوم كما هي:
القطع في القرآن هو إحداث حدّ فاصل في شيء ممتد أو موصول أو عامل، بحيث يُمنع امتداده، أو يُفصل اتصاله، أو تُعطَّل وظيفته، أو يُفرَّق نظامه، أو يُنهى أثره، بحسب المجال الذي يقع عليه القطع.
وهذا المفهوم لا ينكسر مع الآيات:
فالدابر يُقطع: أي ينتهي امتداده.
والسبيل يُقطع: أي يُعطل مساره.
والعهد وما أمر الله به أن يوصل يُقطع: أي تُفصل صلته.
والليل يكون منه قطع: أي جزء محدود من امتداده.
والأرض تكون قطعًا: أي مجالات متميزة بحدودها.
والأمم تُقطع: أي تُفرّق إلى وحدات.
والأيدي تُقطع: أي تُعطّل مجالات الفعل والقدرة الفاسدة.
والأيدي والأرجل تُقطع: أي تُفكك القدرة والحركة والسعي.
والأرحام تُقطع: أي تُفصل روابط الامتداد الإنساني.
والأمر يتقطع: أي تتفكك وحدته.
والقلوب تتقطع: أي ينهار تماسكها الداخلي.
والوتين يُقطع: أي ينتهي أصل الاتصال الحيوي.
الخلاصة
الفعل ﴿قَطَعَ﴾ في القرآن ليس صورة واحدة، بل مفهوم تشغيلي واسع، يقوم على وضع حدّ فاصل يمنع استمرار الشيء على اتصاله السابق.
فهو ليس فعل يقع على جسم، بل قد يقع على: امتداد قوم، أو طريق، أو عهد، أو زمن، أو مجال أرضي، أو قدرة تنفيذية، أو حركة فساد، أو رحم، أو أمر جامع، أو بنية داخلية، أو صلة حيوية.
ومن هنا يكون الخطأ أن نُدخل على القرآن معنى جزئيًا ثم نجعله حاكمًا على كل الآيات. والصواب أن نقرأ موارد القرآن كلها، فنجد أن القطع هو:
إيقاف امتداد، أو فصل اتصال، أو تعطيل قدرة، أو تفريق بنية، أو إنهاء أثر.
وهذا المفهوم هو الذي يجعل الآيات منسجمة، ويمنع التناقض بينها.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



