مقالات

عذاب القبر (2) هل يبدأ العذاب قبل الحساب؟

آل فرعون والخريطة القرآنية من الموت إلى الجزاء

عذاب القبر (2)

هل يبدأ العذاب قبل الحساب؟

آل فرعون والخريطة القرآنية من الموت إلى الجزاء

 

بعد أن وصلنا في الجزء الأول إلى أن الإشكال لا يتعلق بقدرة الله على إعادة النفس أو جعل الجثمان يسمع، بل بالسؤال: هل أخبرنا القرآن بوقوع ذلك؟

نصل الآن إلى القضية الأثقل: الروايات لا تكتفي بالسؤال، بل تجعل بعده نتيجة ونعيمًا وعقوبة. فهل يبدأ الجزاء قبل البعث والكتاب والموازين والحساب؟

وقبل رسم الخريطة الكاملة، ينبغي مناقشة الآية التي تُقدَّم عادة بوصفها أقوى دليل قرآني على عذاب يقع قبل القيامة.

أولًا: آل فرعون والنار

قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:46]

والاستدلال المشهور:

العرض جاء قبل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. إذن هناك عذاب قبل القيامة، وهذا هو عذاب القبر، لكن النص لم يقل: «يعذبون في النار غدوًا وعشيًا»، ولم يقل: «يدخلون النار غدوًا وعشيًا»، بل اختار: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾. ثم عند قيام الساعة غيّر الفعل: ﴿أَدْخِلُوا﴾.

وهذا الفرق هو مفتاح الآية.

ثانيًا: من الذي يُعرض على من؟

قال: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾، لم يقل: «تُعرض النار عليهم».

آل فرعون هم المعروضون، والنار هي الجهة التي يُعرضون عليها. كما نقول: عُرض الأمر على القاضي، وعُرض المرشح على اللجنة. فالتركيب يحدد اتجاه العرض. وهذا لا يخبرنا وحده عن آلية الحدث، لكنه يمنعنا من قلب العبارة إلى: «النار تعرض عليهم لتعذبهم».

ثالثًا: «العرض» في القرآن ليس مرادفًا للعذاب

قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: 48]

هل مجرد: ﴿عُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ﴾ يعني أنهم عُذبوا؟ لا.

العرض مرحلة حضور وتقديم، ثم يقول بعدها: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾[الأحقاف: 20]، ثم: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.

 

فالنص نفسه يستطيع أن يذكر: العرض، ثم: الجزاء. ولا يجعل اللفظين شيئًا واحدًا.

رابعًا: لماذا غيّر القرآن الفعل؟

قال أولًا: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾، ثم عند قيام الساعة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. إذن لدينا فعلان مختلفان: العرض ، ثم الإدخال. ولو كان العرض يعني أنهم دخلوا النار بالفعل وصاروا داخلها يُعذبون، يصبح السؤال:

لماذا يأتي عند قيام الساعة أمر جديد: ﴿أَدْخِلُوا﴾؟ النص نفسه يفرق بين المرحلتين.

خامسًا: وماذا عن ﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾؟

قال قبلها: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ۝ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 45-46]

إذن لا ينبغي أن نقول إن العرض بالضرورة حدث محايد لا يحمل أي سوء أو رهبة؛ فالسياق نفسه جاء بعد:

﴿سُوءُ الْعَذَابِ﴾، لكن هذا لا يساوي بين أمرين مختلفين:

أن يكون العرض جزءًا من حالة سوء وعذاب، وأن يكون آل فرعون داخل النار يعذبون فيها في قبورهم.

يكفينا ألا نساوي بين: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ و: ﴿أَدْخِلُوا﴾.

سادسًا: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ لا تغيّر معنى الفعل

الآية لم تقل:

«يعذبون غدوًا وعشيًا»، بل: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، فالغدو والعشي يصفان تكرر العرض. ولا يجوز أن نحول الظرف الزمني إلى أداة تغير معنى الفعل من «عرض» إلى «تعذيب». قد لا نعرف طبيعة هذا العرض ولا كيفيته، لكن جهلنا بتفاصيله لا يسمح لنا بتغيير لفظ الآية.

سابعًا: وأين القبر أصلًا؟

حتى لو سلّمنا بأن العرض يسبق قيام الساعة، تبقى خطوة أخرى: أين قالت الآية إن هذا العرض يقع في القبر؟ لا قبر ، ولا جثمان ، ولا إعادة نفس إلى جسد ، ولا ملكان ، ولا سؤال ، ولا دفن. إذن أقصى ما يمكن إثباته من النص هو وجود حدث يتعلق بآل فرعون، وصفه القرآن بأنه: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ ثم عند قيام الساعة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. أما تحويل ذلك إلى: «كل كافر يعذب بجثمانه داخل قبره بعد دفنه» فيحتاج إلى مقدمات أخرى لم تقلها الآية.

 

 

ثامنًا: من آل فرعون إلى كل ميت؟

الآية تتحدث عن: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ ، ولا تقول: كل الذين كفروا ، ولا: كل من مات ، ولا: أهل القبور. إذن حتى لو قيل إن العرض نوع من العقوبة، يبقى السؤال: كيف تحولت حالة مخصوصة بآل فرعون إلى قانون عام لكل ميت؟ هذا التعميم يحتاج إلى دليل مستقل.

تاسعًا: وماذا عن ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾؟

قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]

لا نبني بحثنا على أن «البدن» هنا يعني «الجثة»، فالقرآن لم يقل: «ننجي جثتك»، بل: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. ولفظ «البدن» له بحث دلالي مستقل، وموضعه الآخر:

﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36]

ولذلك لا نحتاج إلى يونس 92 لإثبات أن ما يوارى بعد الموت هو البنية الجسدية، يكفينا الفصل القرآني الذي سبق أن رأيناه بين: النفس التي يقع عليها التوفّي والإمساك، والبنية الجسدية التي يتعامل معها الأحياء ماديًا وتدخل في مسار العظام والتراب. أما ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فله بحث مستقل.

متى يبدأ الجزاء؟

عاشرًا: الموت ليس موعد توفية الأجور

قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185]

هذه الآية جمعت الحدثين في جملة واحدة: الموت، ثم توفية الأجور. لكنها لم تجعلهما حدثًا واحدًا.

قال: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، ثم: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . إذن الموت مرحلة، وتوفية الأجور مرحلة أخرى حدد النص موعدها: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

الحادي عشر: من الموت إلى البعث

قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ… وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]

المحطة التالية التي يسميها النص بعد هذا الفاصل هي: ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، ثم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: 51] ، ثم: ﴿مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾. هنا يبدأ الطور التالي.

الثاني عشر: ثم الحشر

قال تعالى:

﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: 47]

هذه ليست محكمة فردية تحت كل قبر ، إنه حشر شامل: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

 

 

الثالث عشر: ثم العرض على الله

قال تعالى:

﴿وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا﴾ [الكهف: 48]

لاحظ: ﴿مَّوْعِدًا﴾ ، ثم: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾.إنه موعد أخبر الإنسان به، وها هو يصل إليه.

الرابع عشر: ثم يوضع الكتاب

قال مباشرة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ…﴾ [الكهف: 49]، ثم: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، ثم: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. إذن لدينا: حشر ، عرض ، كتاب ، إحضار العمل ، عدل.

الخامس عشر: والكتاب يخرج يوم القيامة

قال تعالى:

﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ۝ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]

متى؟ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، ومتى يقال: ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾؟ في ذلك اليوم. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان الحكم قد صدر بعد الدفن وبدأ تنفيذ العقوبة، فلماذا يخرج سجل القضية لاحقًا؟

السادس عشر: ثم الشهادة

قال تعالى:

﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 20]

إذن هناك منظومة إثبات: كتاب ، وعمل حاضر ، وشهادة ، بل حتى الجوارح تشهد.

السابع عشر: ثم الموازين

قال تعالى:

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]

متى؟ ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ولماذا؟ ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، ثم: ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾. فالموازين مرتبطة بالقسط والحساب وعدم الظلم.

 

 

الثامن عشر: والنتيجة مرتبطة بالوزن

قال تعالى:

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم﴾ [الأعراف: 8-9]

لاحظ: الوزن ، ثم: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ﴾ ، و: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾، ثم النتيجة.

التاسع عشر: الكتاب ثم الحساب ثم المصير

قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ۝ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ۝ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا ۝ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ۝ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ۝ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-12]

وهنا ترتيب شديد الوضوح: الكتاب ، ثم: ﴿يُحَاسَبُ﴾ ، ثم النتيجة. وفي الجهة الأخرى: الكتاب ، ثم: ﴿يَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾.

العشرون: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ﴾

قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 17]

وقبلها:

﴿يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]

ثم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ﴾. فالجزاء جاء في مشهد القيامة نفسه مرتبطًا بـ: ﴿الْحِسَابِ﴾.

الحادي والعشرون: لماذا تأتي الساعة؟

قال تعالى:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 15]

النص نفسه ربط مجيء الساعة بـ: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾. وهذا شاهد بالغ القوة في تحديد موضع الجزاء في البناء القرآني.

الثاني والعشرون: القضية هي العمل

قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ [آل عمران: 30]

 

وقال: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.

وقال:﴿الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾.

وقال:﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾.

وقال:﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]

المنظومة كلها تدور حول: ما عملت ، ما كسبت ، ما سعت ، وما تركت من أثر. لا حول نجاح الإنسان في حفظ ثلاثة أجوبة بعد دفنه.

الثالث والعشرون: المحكمة ليست لإعلام الله

قد يقال: الله يعلم أصلًا من هو المؤمن ومن هو الكافر، ولذلك يستطيع أن يبدأ عقابه قبل الحساب. وهذا صحيح من جهة العلم الإلهي، لكنه لا يجيب عن السؤال.

فالله لا يحتاج إلى الكتاب حتى يعرف ، ولا يحتاج إلى الشهود حتى يعرف ، ولا يحتاج إلى الميزان حتى يعرف.

ومع ذلك قال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ ، وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾. إذن هذه المنظومة ليست لاكتساب الله معلومة لم يكن يعرفها.

إنها منظومة إظهار العدل وإقامة الحجة، ولهذا قال: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾.

الرابع والعشرون: السؤال ليس عن قدرة الله بل عن الترتيب

لسنا نقول: «لا يستطيع الله أن يعذب قبل القيامة».

الله قادر على كل شيء ، السؤال هو: هل أخبرنا أنه أقام بعد الدفن محكمة أولى، ثم جعل بعدها محكمة أخرى يوم القيامة؟

لأن الصورة الروائية، إذا أُخذت على ظاهرها، تجعل الإنسان: يموت ، ثم تعاد «روحه» إلى جسده ، ثم يُسأل ، ثم تصدر النتيجة ، ثم يرى مقعده ، ثم يبدأ النعيم أو العقوبة ، ثم يبقى إلى يوم القيامة ، ثم يُبعث ، ثم يُحشر ، ثم يُعرض ، ثم يخرج كتابه ، ثم يشهد عليه الشهود ، ثم توضع موازينه ، ثم يحاسب، ثم يصدر الجزاء. وهنا يصبح السؤال: ما العلاقة بين الحكم الأول والحساب الثاني؟

الخامس والعشرون: ماذا عن العقوبات التي تقع في الدنيا؟

قد يعترض قائل: إذا كان الحساب والجزاء مرتبطين بيوم القيامة، فكيف عاقب الله أقوامًا في الدنيا بالغرق والصيحة والرجفة والريح والخسف؟

الجواب يبدأ بالتفريق بين أمرين مختلفين: الجزاء على أعمال الإنسان بعد انتهاء حياته، والتدخل الإلهي في التاريخ عندما يبلغ فساد جماعة مرحلة تستدعي تدخلًا إلهيًا صرّح القرآن به.

 

فالقرآن لا يجعل كل مصيبة تقع في الدنيا عقوبة إلهية مباشرة، ولا كل انتصار مكافأة من الله، ولا كل هزيمة عقابًا منه. فكثير مما يقع في حياة البشر يجري من خلال السنن التي أقام الله عليها الواقع.

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] هناك إعداد، وأسباب، ثم نتائج.

فالأمة التي تبحث وتتعلم وتبني وتنتج وتطور الطب والهندسة والفيزياء والصناعة تتحرك داخل سنن الله، وتحصل على نتائجها بقدر ما أحسنت تشغيل تلك السنن.

وكذلك في الحرب فالقوة، والإعداد، والاقتصاد، والمعرفة، والتقنية، والقيادة، والتحالفات، كلها أسباب لها نتائجها. ولذلك لا يصح أن ننظر إلى كل حرب ثم نقرر أن المنتصر نصره الله مباشرة، وأن المهزوم عاقبه الله.

والقاعدة الأوسع جاءت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

واللافت أن الباء تكررت: ﴿مَا بِقَوْمٍ﴾ ، ﴿مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.

فالتغيير لا يقع اعتباطًا من الخارج، بل يرتبط بما يعمل داخل بنية القوم، ثم بما يشغله الناس بأنفسهم من مرجعيات وقرارات وأنماط تفكير وعمل.

ووفق وظيفة الباء التحويلية، فإن ﴿بِأَنفُسِهِمْ﴾ تدخل النفس نفسها في مسار إنتاج التغيير. فإذا تغير نظام التفكير والعمل والإعداد، تغير ما بالقوم؛ لأن أسبابًا جديدة دخلت في صناعة واقع جديد. ولهذا قد تتقدم أمة لا ترفع أكفها بالدعاء، لكنها تبحث وتتعلم وتعمل وتنتج، بينما تتأخر أمة تدعو كثيرًا ولا تغير أدواتها ولا معرفتها ولا طريقة عملها. فالدعاء ليس إلغاءً للسنن، والتوكل ليس تعطيلًا للأسباب، والإيمان لا يجعل الأمة التي أهملت العلم والإعداد تنتصر آليًا على أمة أخذت بأسباب القوة والمعرفة.

متى يظهر التدخل الإلهي الاستثنائي؟

هنا ننتقل إلى صورة أخرى يعرضها القرآن في قصص الأقوام السابقة. لم يكن الأمر مجرد أفراد ارتكبوا ذنوبًا، فعوقبوا فورًا، بل نرى فسادًا يتحول إلى ظاهرة جماعية، ثم تأتي الآيات والإنذارات والرسل، ثم تتطور المواجهة حتى تبلغ مرحلة الصدام مع الرسول والآية أو الاعتداء على سنن أساسية أقام الله عليها الحياة والمجتمع.

أ ) ومن أوضح الأمثلة قوم لوط.

قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: 29]

فالنص لا يصور فعلًا فرديًا مستترًا، بل ظاهرة وصلت إلى المجال الاجتماعي: ﴿تَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾.

 

وفي المقابل يقرر القرآن أصل الخلق: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ [النجم: 45] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ [الحجرات: 13]

فالمسألة هنا، وفق هذا البناء، تتجاوز التصرف الفردي عندما تتحول إلى نظام اجتماعي يصادم البنية التي أقام الله عليها الخلق.

لكن هذا لا يعطينا الحق في النظر إلى واقعة معاصرة ثم القول: هذه الدولة سيعاقبها الله، أو هذه الكارثة عقوبة إلهية.

نستطيع أن ندرس هل يتوافق مسار اجتماعي مع السنن التي يقررها القرآن أو يصطدم بها، لكن تعيين حادثة معينة باعتبارها تدخلًا عقابيًا مباشرًا من الله يحتاج إلى علم بالغيب لا نملكه.

ب ) وينطبق المبدأ نفسه على الأنعام.

قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] وقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: 66] وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36]

فالأنعام لها موقع داخل نظام الحياة الذي يصفه القرآن. ولذلك يوجد فرق بين أن يختار الإنسان طعامًا آخر أو يطور بدائل غذائية، وبين أن يتحول ذلك إلى سلطة تحرم ما أحل الله أو تمنع الناس منه. فالقرآن واجه هذا النوع من التحريم البشري نفسه:﴿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: 138]

فالمشكلة ليست في وجود البديل، وإنما في انتقال الإنسان من الاختيار إلى إنشاء سلطة تحريم من عنده.

لماذا أُهلكت أقوام سابقة؟

هنا تظهر نقطة مهمة. الأقوام التي أهلكها الله لم يصورها القرآن باعتبارها جماعات لم تؤمن فحسب، بل جاءتها الآيات والرسل، ثم تجاوزت الرفض إلى التكذيب والمواجهة والاعتداء على الآية أو محاولة إخراج الرسول وإيقاف الرسالة.

قال تعالى عن ثمود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: 11] ثم: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾[الشمس: 14]

وقال عن مواجهة الرسل: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: 13]

فلم تعد القضية اختلافًا فكريًا، بل تحولت إلى مواجهة مع الرسول والآية بعد قيام الحجة.

الإبلاغ والبلاغ

وهنا يظهر فرق يساعد على فهم طبيعة الرسالات.

الإبلاغ هو إيصال رسالة إلى مخاطَب مقصود بعينه. ولذلك نقول إلى اليوم: أبلغته المحكمة بالحكم، أو تم إبلاغه بالموعد لأن المطلوب وصول المعلومة إلى الشخص المحدد.

أما البلاغ فهو إخراج الرسالة إلى المجال العام بصورة ظاهرة قابلة للوصول والانتقال. ولذلك نقول: «جاءكم البلاغ التالي»، لأن البلاغ إعلان لا يشترط أن يذهب صاحبه إلى كل فرد على حدة.

والقرآن يقول: ﴿مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99]

ويقول: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: 20]

ثم تأتي الآية الأوضح: ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾(إبراهيم: 52)

فالرسالة نفسها أصبحت ﴿بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ﴾ تنتقل من إنسان إلى إنسان ومن جيل إلى جيل، ولا يتوقف وصولها على أن يذهب الرسول بنفسه إلى كل فرد. أما الأقوام السابقة فنجد الرسول حاضرًا داخل قوم محددين:

﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾،

﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾،

﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾.

فتصبح الرسالة مواجهة قائمة داخل الجماعة نفسها، ثم يبلغ الصدام مرحلة يصرح القرآن بعدها بالتدخل الإلهي.

وهذا يساعد على فهم الفرق بين سنن تعمل باستمرار وبين تدخل إلهي استثنائي أخبر القرآن نفسه بوقوعه.

وما علاقة ذلك بعذاب القبر؟

هنا نعود إلى أصل البحث. وجود عقوبات دنيوية في القرآن لا يثبت عذاب القبر؛ لأن التدخلات العقابية الدنيوية لم يتركها القرآن للاستنتاج.

قال عن ثمود: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾

[الشمس: 14] وقال عن الأقوام: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾

(العنكبوت: 40)

فالقرآن حين أغرق قال إنه أغرق، وحين أرسل الريح قال إنه أرسلها، وحين أخذ قومًا قال إنه أخذهم.

وهذا هو الفارق الحاسم.

بحثنا ليس: هل يستطيع الله أن يعاقب قبل القيامة؟ولا: هل تدخل الله بالعقوبة في تاريخ أقوام سابقين؟

فهذا أثبته القرآن صراحة.

السؤال هو: هل أخبرنا القرآن أن الإنسان بعد موته ودفنه تُعاد نفسه إلى بنيته الجسدية، ثم يأتيه ملكان، ويُجلس ويسأل، ثم يترتب على إجابته نعيم أو عذاب داخل القبر قبل البعث والكتاب والموازين والحساب؟

 

هذه منظومة مختلفة تمامًا عن العقوبات الدنيوية. فلا يصح إثبات نظام غيبي بعد الموت بعقوبات تاريخية أخبر القرآن بوقوعها في الدنيا. العقوبة الدنيوية ثبتت لأن القرآن قال إنها وقعت. أما عذاب القبر فالسؤال الذي ما زال قائمًا هو: أين قال القرآن إنه يقع؟

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى