مقالات

مَن يتكلّم باسم الله؟ “من الإيمان إلى الحُجّية… ومن الرسول إلى الشريعة”

الجزء الأول: إذا كان الله هو المرجعية… فمن يملك أن يقول: «هذا حكم الله» من الإيمان بالمرجعية إلى أزمة نسبة التشريع إلى الله

سلسلة الإيمان والحُجّية

مَن يتكلّم باسم الله؟

“من الإيمان إلى الحُجّية… ومن الرسول إلى الشريعة“

الجزء الأول: إذا كان الله هو المرجعية… فمن يملك أن يقول: «هذا حكم الله»

من الإيمان بالمرجعية إلى أزمة نسبة التشريع إلى الله

في بحثنا عن الإيمان وصلنا إلى أن القضية لا تختزل في مجرد التصديق بوجود الله، وإنما تتعلق بموقف أعمق: أن يثبت الإنسان لله حجيةً مرجعيةً في موقفه وقراره.

لكن هذا التعريف يفتح سؤالًا أخطر من التعريف نفسه:

ماذا نعني بأن الله مرجعية؟ هل يعني ذلك أن كل حادثة في حياة الإنسان لها حكم تفصيلي موجود سلفًا في نص، وأن مهمتنا فقط البحث عنه؟ وإذا لم نجد الحكم في القرآن، فهل ننتقل تلقائيًا إلى مصدر آخر؟

هل تصبح السنة مصدرًا ثانيًا لإرادة الله؟ وإذا كانت كذلك، فمن يحدد ما ثبت منها وما لم يثبت؟ وبأي فهم؟

وهل يصبح الفقيه أو الإمام أو المفسر قادرًا على استخراج «حكم الله» من النصوص ثم إلزام الناس به باسم الله؟

وماذا عن الحوادث التي لم تكن موجودة زمن نزول القرآن أصلًا؟

الذكاء الاصطناعي، وزراعة الأعضاء، والعملات الرقمية، والهندسة الجينية، والشركات الحديثة، وأنظمة المرور، والعقود الإلكترونية، والطب الحديث، ومئات الآلاف من الوقائع التي تتولد مع تطور الحياة.

هل لكل واحدة منها حكم إلهي تفصيلي مخفي في مكان ما، ومهمة الفقيه اكتشافه؟ أم أن تصورنا للمرجعية الإلهية نفسه يحتاج إلى إعادة بناء؟

هذه ليست أسئلة جانبية ، إنها تقع في قلب مفهوم الإيمان نفسه.

لأننا إذا قلنا: الإيمان = إثبات حجية الله

فالسؤال التالي مباشرة هو: كيف نعرف أن هذا الذي نطيعه هو فعلًا حكم الله؟

أولًا: التصديق بالله ليس هو منح الله الحجية

ينبغي قبل الدخول في المرجعية أن نحسم فرقًا أساسيًا : يمكن للإنسان أن يصدق بوجود شيء دون أن يمنحه سلطة على قراره ، وقد يتيقن من حقيقة ثم يتخذ منها موقفًا رافضًا.

قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:14] إذن الاستيقان لم يمنع الجحود ، وهذا يعني أن هناك فرقًا بين: أن تثبت المعلومة عند الإنسان ، وبين: أن تصبح لها حجية في موقفه وقراره.

ومن هنا كان الإيمان بالله أعمق من مجرد الإقرار النظري بوجوده. لكن بمجرد أن نقول إن لله الحجية، تظهر المشكلة التالية: ما الذي ثبت أصلًا أنه من الله؟

ثانيًا: مرجعية الله ليست مرجعية كل ما قيل باسم الله

هذه قاعدة مركزية في البحث، فليس كل قول يبدأ بـ:

«قال الله» ، أو: «حكم الله» ، أو: «هذا حلال» ، أو: «هذا حرام» يصبح بذلك صادرًا عن الله.

بل القرآن نفسه وضع حاجزًا شديدًا أمام هذه النقلة.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:116]

لاحظ موضع الخطورة . الآية لا تتحدث فقط عن فعل خاطئ ، بل عن نسبة تشريعية: ﴿هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾.

ثم تربط النسبة غير المثبتة بالله: ﴿لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾. وهذا يعني أن هناك فرقًا جوهريًا بين أن يقول الإنسان: «أرى أن هذا ضار، ولذلك ينبغي منعه» ، وبين أن يقول: «الله حرّم هذا». الأولى قد تكون اجتهادًا بشريًا ، أما الثانية فهي دعوى على الله، ولذلك تحتاج إلى مستوى آخر من الإثبات.

وهنا تبدأ المرجعية الإلهية الحقيقية: ليس بأن نكثر الأحكام المنسوبة إلى الله، بل بأن نمتنع عن نسبة حكم إليه لم يثبت أنه منه.

وهذا المعنى تؤكده الآية مباشرة في تحذيرها من صناعة الحلال والحرام ثم نسبته إلى الله.

ثالثًا: أخطر انتقال: من «فهمت» إلى «الله قال»

يمكن أن نرسم المشكلة في أربع طبقات: الله قال ، ثم: النص وصل ، ثم: الإنسان فهم النص ، ثم: الإنسان استخرج حكمًا من فهمه. هذه ليست طبقة واحدة.

قد يكون النص من الله، لكن فهمي للنص ليس هو الله . وقد يكون استنباطي مبنيًا على النص، لكن استنباطي ليس نصًا إلهيًا. وهنا يقع أحد أخطر الاختزالات في الفكر الديني:

النص إلهي → فهمي للنص → إذن فهمي إلهي.

وهذه القفزة لا تصح. فإذا اختلف مفسران في آية واحدة، لا يمكن أن يكون اختلافهما نفسه كلام الله.

وإذا استخرج فقيهان حكمين متعارضين من النص نفسه، فوجود النص الإلهي لا يحول الرأيين المتعارضين إلى وحيين.

إذن ينبغي تثبيت قاعدة: مرجعية الله لا تعني مرجعية فهم الإنسان لله. وهذا الفرق وحده يعيد ترتيب مساحة هائلة من الخطاب الديني.

رابعًا: القرآن نفسه يفرّق بين ما أنزل الله وما يصنعه البشر

قال تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:48]

لاحظ: ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾. فالمرجعية هنا ليست: «بما اعتقد الناس أنه من الله» ، وليست: «بما استنبطه فلان» ، وليست: «بما ورثناه». وإنما نقطة الإسناد هي:

﴿مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾. والآية نفسها تربط ذلك بـ﴿الْكِتَابَ﴾ و﴿الْحَقِّ﴾، ثم تنتقل إلى ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ و﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.

إذن أول سؤال في أي حكم ينسب إلى الله ليس: من الفقيه الذي قاله؟ بل: ما الذي يثبت أن الله قاله؟

خامسًا: هل يجب أن يكون لكل حادثة حكم إلهي تفصيلي؟

هنا نصل إلى افتراض عميق ينبغي فحصه. نحن نفترض غالبًا أن كل واقعة ممكنة إلى يوم القيامة لا بد أن يكون لها أحد خمسة أحكام مثلًا: واجب، حرام، مستحب، مكروه، مباح. ثم تصبح وظيفة الفقيه البحث عن الصندوق الذي وضع الله فيه الواقعة.

لكن من أين جاءت أصلًا فرضية أن الله أصدر حكمًا تفصيليًا مسبقًا في كل واقعة بشرية ممكنة؟ هذا السؤال يجب ألا نجيب عنه بالموروث، بل بالنص. فالقرآن نفسه يضع أحكامًا وحدودًا واضحة في مجالات معينة، لكنه في الوقت نفسه يأمر بالتعقل والنظر والتدبر والشورى والسير في الأرض.

 

وهذا يفتح احتمالًا مختلفًا: ربما لم يكن المقصود أن يقدم الوحي قاعدة بيانات لا نهائية للوقائع. ربما يقدم الوحي: حدودًا + مبادئ + محرمات + أوامر + اتجاهات حاكمة + مساحة بشرية للتدبير.

وعندئذ تختلف بنية المرجعية بالكامل.

سادسًا: المساحة التي سكت عنها النص ليست بالضرورة فراغًا تشريعيًا

إذا لم نجد نصًا يقول: «حكم السيارة ذاتية القيادة كذا» ، فهذا لا يعني أن الدين ناقص. وليس معناه أيضًا أن علينا البحث عن رواية قديمة نستخرج منها حكم السيارة.

ربما السؤال نفسه موضوع بطريقة خاطئة ، فالسيارة الحديثة يمكن أن تدخل تحت قواعد أوسع: الاعتداء، الضرر، المسؤولية، العقد، العدل، حفظ الحقوق، الوفاء بالالتزامات. أما التفاصيل الفنية التي تحقق هذه المبادئ في واقع معين فقد تكون مساحة تدبير بشري.

وهنا ينبغي التفريق بين: التشريع الإلهي ، و التنظيم البشري داخل المجال الذي تركه التشريع.

فمثلًا: إذا قررت دولة أن السرعة القصوى في طريق معين 100 كم/ساعة، فلا يلزم أن نقول: الله حرّم القيادة بسرعة 101 كم/ساعة. يمكن أن يكون هذا نظامًا بشريًا تنظيميًا وُضع لتحقيق السلامة والمصلحة العامة.

والالتزام به قد تكون له أسباب أخلاقية أو تعاقدية أو اجتماعية، دون أن نحول الرقم نفسه إلى تشريع منزل من السماء.

هذه المسافة شديدة الأهمية.

سابعًا: ليس كل قانون بشري منافسًا لله

وهذه نتيجة ضرورية حتى لا نقع في الطرف المقابل. إذا قلنا إن الله المرجعية، فلا يعني ذلك أن البشر ممنوعون من وضع أي نظام. فالإنسان يحتاج إلى تنظيم تفاصيل الحياة المتغيرة: كيف تسير المركبات؟ كيف تنظم المستشفيات؟ كيف توزع المواعيد؟ كيف تسجل الشركات؟ كيف تُبنى المدن؟ كيف تُدار المطارات؟

هذه تفاصيل لا يمكن أن يأتي فيها نص منفصل لكل زمان ومكان.

المشكلة ليست في أن يضع الإنسان نظامًا بشريًا. المشكلة تبدأ عندما يحدث انتقال آخر: هذا نظام بشري مناسب لنا يتحول إلى: هذا حكم الله ، دون إذن من الله. هنا تغيرت طبيعة الدعوى.

ثامنًا: هنا يظهر معنى خطير للشرك التشريعي

قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21] هذه الآية مركزية جدًا في هذا البحث. نلاحظ البناء: ﴿شُرَكَاءُ﴾ ، ثم: ﴿شَرَعُوا﴾ ، ثم:﴿مِّنَ الدِّينِ﴾ ثم المعيار الحاسم: ﴿مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾.

إذن المشكلة ليست مجرد وجود قول بشري ، إنما أن يدخل القول البشري إلى مجال الدين ويحصل على حجية لم يأذن بها الله. ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة مفهوم الشرك بصورة أكثر دقة:

الشرك التشريعي ليس مجرد وجود قوانين بشرية، بل إدخال مصدر آخر في مجال الحجية الدينية، ثم منحه حق التشريع باسم الله فيما لم يأذن به الله.

وهذا فرق هائل.

تاسعًا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾

قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:31]

اللافت هنا أن القرآن لم يقل فقط: «عبدوا أصنامًا» ، بل أدخل: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ داخل بنية: ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، ثم ختم: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

 

وهذا يفتح سؤالًا عميقًا: متى يتحول العالم الديني من صاحب معرفة أو اجتهاد إلى «رب» وظيفي؟ ليس لمجرد أن نسأله ، ولا لمجرد أن نتعلم منه ، ولا لمجرد أن نستفيد من خبرته ، وإنما عندما تنتقل إليه حجية لا يملكها بذاته ، فيصبح قوله في الحلال والحرام ملزمًا باسم الله دون مطالبة بدليل الإذن الإلهي.

وهنا يلتقي هذا البحث مباشرة ببحث الإيمان.

إذا كان: الإيمان بالله = إثبات الحجية لله ، فإن أحد أخطر صور الانحراف هو: نقل هذه الحجية إلى إنسان، ثم إبقاء اسم الله عليها.

عاشرًا: أين الرسول في هذه البنية؟

هنا سيأتي الاعتراض المتوقع: إذا كانت المرجعية لله، فما معنى طاعة الرسول؟

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[النساء:59]

هذه الآية لا يجوز المرور عليها بسرعة. لأنها تضع أمامنا مستويات مختلفة: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ ، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ ، ثم عند التنازع: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.

وهنا أسئلة تحتاج بحثًا مستقلًا داخل البحث: لماذا تكرر ﴿أَطِيعُوا﴾ مع الرسول؟ ولماذا لم تتكرر قبل ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾؟ ولماذا عند النزاع لم يقل: فردوه إلى الله والرسول وأولي الأمر؟

هذه ليست تفاصيل شكلية. إنها قد تكشف طبقات الحجية نفسها. فالرسول ليس مجرد فقيه بين الفقهاء، ولكن السؤال الذي ينبغي بحثه بدقة هو: ما طبيعة حجية الرسول؟ ثم بعد ذلك: كيف تصل إلينا حجية الرسول بعد وفاته؟ وهنا فقط يصبح سؤال «السنة» سؤالًا علميًا حقيقيًا.

الحادي عشر: لا نسأل أولًا «هل السنة حجة؟»

هذا السؤال بصيغته الثنائية: السنة حجة أم ليست حجة؟ قد يكون سابقًا لأوانه. الأدق أن نسأل: ما الذي منحه القرآن للرسول من حجية؟ ثم: ما الذي وصل إلينا اليوم ويمكن إثبات نسبته إلى الرسول؟ ثم: هل كل ما ثبت أنه صدر عن الرسول كان تشريعًا عامًا دائمًا، أم توجد أفعال وقرارات مرتبطة بإدارة واقعة أو ظرف أو وظيفة معينة؟

هذه ثلاثة أسئلة مختلفة. خلطها في سؤال واحد هو الذي يصنع كثيرًا من الفوضى.

فإثبات حجية الرسول لا يساوي تلقائيًا إثبات صحة كل رواية نُسبت إليه. وإثبات صحة قول عنه لا يثبت تلقائيًا أن القول تشريع أبدي عام. وحتى ثبوت الأمر التشريعي يحتاج إلى تحديد مجاله ومتعلقه.

ولهذا سيكون بحث «الرسول والسنة» مرحلة مستقلة، لا نتيجة نفترضها مسبقًا.

الثاني عشر: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

ومن الآيات التي لا بد من فحصها: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:7] لا يجوز اقتطاع العبارة من الآية، كما لا يجوز أيضًا إلغاء دلالتها لمجرد أن سياقها يتحدث عن الفيء.

فالآية تبدأ: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ…﴾ ثم تتحدث عن توزيع المال: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ ، ثم: ﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾.

إذن علينا أن نبحث سؤالين دون افتراض مسبق: هل العبارة مقيدة بالمجال الذي جاءت فيه؟ أم أن صياغتها تحمل قاعدة أوسع من الواقعة؟ الجواب لا يُحسم بشعار «السنة حجة» ولا بشعار «القرآن فقط». بل بتحليل النص نفسه وشبكة استعمال «الرسول» و«الطاعة» و«الأمر» و«النهي» في القرآن.

الثالث عشر: الفقيه ليس مصدرًا للوحي

وهنا نصل إلى الفقهاء. قد يكون الفقيه واسع العلم. وقد يكون استنباطه عبقريًا. وقد يكون رأيه أنسب الحلول لمشكلة ما. لكن شيئًا من ذلك لا يحوله إلى مصدر إلهي. الفقيه في أفضل حالاته يقوم بعملية بشرية: يقرأ، يقارن، يحلل، يرجح، ويستنتج. ولذلك ينبغي أن يقول: «هذا ما توصلت إليه». لا أن تُمحى المسافة بين استنباطه وبين الله.

فإذا قال عالم: «أرى أن هذا الحكم أقرب إلى دلالة النص» فهذا اجتهاد قابل للفحص ، أما إذا تحول اجتماعيًا إلى: «هذا حكم الله، ومن خالفني فقد خالف الله» فقد حدث انتقال في مستوى الحجية يحتاج إلى دليل.

الرابع عشر: هل العقل مرجعية ثانية؟

قد يقول قائل: إذا أخرجنا الفقيه من مقام التشريع الإلهي، فلنجعل العقل هو المرجع ، لكن هذا أيضًا يحتاج إلى ضبط : العقل أداة إدراك ومعالجة واستنتاج ، ولا يلزم من ذلك أن يكون «إلهًا تشريعيًا» ثانيًا.

العقل يستطيع أن: يفهم الواقع، يقارن البدائل، يكتشف الضرر، يستنتج النتائج، ويصمم الحلول. لكن القول: «عقلي توصل إلى كذا، إذن الله أمر بكذا»

يعيد المشكلة نفسها بصورة أخرى. لقد استبدلنا الفقيه بالعقل ثم نسبنا النتيجة إلى الله.

والقاعدة تبقى: كل نسبة إلى الله تحتاج إلى إذن من الله.

الخامس عشر: وماذا عن الطبيعة؟

والسؤال نفسه ينطبق على الطبيعة ، يمكن للطبيعة أن تكشف لنا: كيف يعمل الجسد، كيف ينتشر المرض، كيف يتغير المناخ، كيف تؤثر مادة في الإنسان، كيف تعمل الأنظمة البيئية. لكن الطبيعة تخبرنا في المقام الأول بما هو كائن.

أما الانتقال من: «هذا يحدث في الطبيعة» إلى: «إذن الله أمر به» فليس انتقالًا تلقائيًا. المعرفة بالواقع ضرورية لاتخاذ القرار، لكنها ليست بذاتها نصًا تشريعيًا.

إذن يمكن أن يكون لدينا: وحي يضع الحدود والاتجاه، و عقل يقرأ ، و واقع يمدنا بالمعطيات ، و خبرة بشرية تصمم الحلول ، دون أن نخلط بينها جميعًا ونسمي كل نتيجة: حكم الله.

السادس عشر: المرجعية الإلهية ليست إلغاءً للإنسان

هنا تظهر صورة مختلفة تمامًا للدين. الله لا يحتاج أن يحول الإنسان إلى آلة تبحث عن فتوى لكل حركة. بل يمكن أن تكون المرجعية الإلهية هي التي تحدد المجال الذي يعمل الإنسان داخله بحرية ومسؤولية. فالحد الإلهي ليس بالضرورة أمرًا تفصيليًا لكل حركة ؛ قد يكون الحد مثل جدار يحدد المجال، ثم يترك للإنسان مساحة واسعة للحركة داخله. وبهذا نفهم لماذا يمكن للحياة أن تتطور بلا حاجة إلى نص جديد كلما ظهرت تقنية جديدة. فالثابت ليس شكل المركبة أو العملة أو العقد.

الثابت هو المرجع الحاكم للحدود ، أما آليات التشغيل فتتغير مع المعرفة والزمان والمكان.

السابع عشر: المرجعية ليست «كتاب قوانين» فقط

ومن هنا ينبغي تعديل تصورنا عن المرجعية. عندما نقول: الله مرجعية لا نعني فقط: «أعطني قائمة الأوامر والنواهي». فالقرآن يبني أيضًا: معايير، وموازين، وحدودًا، ومسؤولية، ووعيًا بالنتائج، وقدرة على الاختيار.

ولهذا لا يكون السؤال دائمًا: أين النص الذي يقول لي ماذا أفعل في هذه الجزئية؟ بل أحيانًا: ما الحدود التي وضعها الله، وما مساحة القرار التي تركها لي داخلها؟

وهذه نقلة كبيرة جدًا.

الثامن عشر: الحرية نفسها قد تكون جزءًا من النظام

نحن عادة نتصور أن غياب الحكم التفصيلي يعني نقصًا. لكن ربما يكون العكس صحيحًا. قد يكون عدم إعطاء حكم تفصيلي مقصودًا لأنه يترك للإنسان مساحة مسؤولية. فإذا وضع الله الحدود ثم ترك مساحة للاجتهاد، فإن اختراع أحكام دينية تفصيلية داخل تلك المساحة قد لا يكون استكمالًا للدين، بل تضييقًا لما تركه الله مفتوحًا.

وهنا تصبح آية: ﴿وَلَا تَقُولُوا… هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾ أكثر خطورة مما نتصور ، لأن التحريم ليس مجرد نصيحة شديدة : إنه نسبة سلطة إلى الله.

التاسع عشر: ثلاثة مستويات ينبغي ألا تختلط

يمكن الآن أن نميز بين ثلاثة مستويات:

١( المستوى الأول: حكم إلهي

ثبتت نسبته إلى الله، فتكون له الحجية بوصفه من الله.

٢ ) المستوى الثاني: اجتهاد في فهم الحكم الإلهي

محاولة بشرية لفهم النص، تصيب وتخطئ، ولا تصبح إلهية لمجرد تعلقها بالنص.

٣) المستوى الثالث: تنظيم بشري

حلول يضعها البشر لإدارة الحياة في المساحات المتغيرة، بناء على الخبرة والعقل والمصلحة والواقع، دون الادعاء أنها وحي.

المشكلة الكبرى تبدأ عندما نأخذ المستوى الثاني أو الثالث ونرفعه إلى الأول. أي: اجتهاد بشري → حكم الله ، أو: تنظيم اجتماعي → تشريع ديني. وهنا تختلط المرجعيات.

العشرون: إعادة تعريف الشرك من بوابة المرجعية

إذا صح هذا البناء، يصبح للشرك بعد بالغ العمق. فالشرك ليس بالضرورة أن يصنع الإنسان تمثالًا ثم يسجد له. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. إذن يمكن أن يدخل الشريك من باب التشريع.

وحينها يمكن صياغة المسألة هكذا:

التوحيد المرجعي: ألا تُمنح الحجية الإلهية إلا لما أذن الله به.

الشرك المرجعي: أن يُدخل مصدر آخر في دائرة التشريع الديني ويُمنح قوله حجيةً منسوبة إلى الله دون إذن منه.

وهذا يجعل العلاقة بين الإيمان والشرك أكثر وضوحًا:

الإيمان يثبت الحجية لله ، بينما: الشرك يوزع هذه الحجية على مصادر أخرى ثم يمنحها صفة دينية.

الحادي والعشرون: ولكن انتبه — ليست كل طاعة شركًا

هذه نقطة ضرورية جدًا : طاعة الطبيب ليست شركًا ، اتباع المهندس ليس شركًا ، الالتزام بقانون المرور ليس شركًا ، الاستفادة من عالم أو فقيه ليست شركًا.

لأن القضية ليست: هل أطعت إنسانًا؟ بل: ما نوع الحجية التي منحتها له؟

فالطبيب مرجع في تخصصه بناءً على المعرفة والخبرة. لكن إذا قال الطبيب: «الله حرّم عليك هذا إلى يوم القيامة» ، فقد انتقل من الطب إلى دعوى تشريعية أخرى تحتاج إلى دليل. وكذلك الفقيه : يمكن أن يكون مرجعًا معرفيًا يساعدنا على فهم النص ، لكن المعرفة بالنص شيء، وامتلاك حق التشريع باسم الله شيء آخر.

الثاني والعشرون: وهنا نعود إلى الإيمان

الآن يمكن أن نفهم تعريفنا بصورة أدق. عندما نقول: الإيمان بالله: إثبات حجية المرجعية الإلهية، فلا نعني مجرد: «أعتقد أن الله موجود» ، ولا نعني: «أصدق كل ما يقوله رجال الدين باسم الله». بل نعني: أن الله وحده يمتلك حق الحجية الإلهية، وأن ما ثبت صدوره عنه يكون حاكمًا على موقفي، وألا أمنح هذه الصفة لما لم يثبت أنه منه.

وهنا يصبح الإيمان مسؤولية معرفية أيضًا. لأن المؤمن لا يسأل فقط: ماذا أفعل؟ بل يسأل قبلها: من الذي قال إن الله أمرني بهذا؟ و: ما الدليل أن هذا حكمه؟

الثالث والعشرون: المفارقة الكبرى

وهنا نصل إلى مفارقة تستحق التأمل. قد يظن إنسان أنه شديد التدين لأنه يملك حكمًا دينيًا لكل شيء.

لكن إذا كانت نسبة الأحكام إلى الله بلا إذن منه مشكلة قرآنية، فقد يكون التوقف عن نسبة حكم إلى الله عند غياب الدليل أقرب إلى تعظيم المرجعية الإلهية من ملء الفراغ بأحكام بشرية.

فاحترام المرجعية لا يعني أن تتكلم باسمها كثيرًا ، بل قد يعني أحيانًا أن تقول: لا أعلم أن الله حكم في هذه المسألة بهذا. وأن تترك القرار بعد ذلك للخبرة والعقل والتنظيم البشري ضمن الحدود الثابتة.

وهذا ليس إخراجًا لله من الحياة ، بل هو رفض لأن نتحدث باسمه فيما لم يأذن لنا أن ننسبه إليه.

الرابع والعشرون: السؤال الذي يقلب القضية كلها

إذن بدل أن نسأل في كل واقعة جديدة: «ما حكم الله فيها؟» ربما ينبغي أن نسبق ذلك بسؤالين: هل وضع الله أصلًا حكمًا تفصيليًا لهذه الواقعة؟ ثم: إن لم يضع، فهل ترك لنا حدودًا ومعايير ننتج داخلها قرارنا البشري؟

الفرق بين السؤالين ضخم. لأن السؤال الأول يفترض مسبقًا وجود حكم تفصيلي مخفي ، أما الثاني فيسمح بأن يكون جزء من النظام الإلهي نفسه هو منح الإنسان مساحة للتدبير والمسؤولية.

الخامس والعشرون: من يملك أن يقول «هذا حكم الله»؟

بعد كل ما سبق يمكن وضع قاعدة أولية: لا يملك الإنسان أن ينسب حكمًا إلى الله لمجرد أنه يراه صحيحًا، أو نافعًا، أو أخلاقيًا، أو مستنبطًا، أو منقولًا، أو مشهورًا، أو متوارثًا.

نسبة الحكم إلى الله تحتاج إلى دليل يناسب حجم الدعوى. كلما ارتفعت الدعوى من: «هذا رأيي» إلى: «هذا واجب» ، ثم: «هذا واجب ديني» ، ثم: «الله أوجب هذا» ازدادت مسؤولية الإثبات.

وهذا ما يجعل قوله: ﴿هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ﴾ قضية خطيرة، لا مجرد اختلاف فقهي. فالآية تربط صناعة هذه النسبة بلا مستند بالافتراء على الله.

الخلاصة: الإيمان بالله يفرض علينا الحذر من الكلام باسم الله

بدأنا بالسؤال: إذا كان الإيمان إثبات حجية الله، فما معنى أن يكون الله مرجعية؟

وانتهينا إلى نتيجة أولية أعمق: مرجعية الله لا تعني أن ننسب إليه أكبر عدد ممكن من الأحكام، وإنما أن نمنح الحجية الإلهية فقط لما ثبت أن له هذه الحجية.

وهنا تصبح حماية المرجعية الإلهية ذات اتجاهين:

الأول: ألا نرفض ما ثبت عن الله عندما يصطدم برغبتنا.

والثاني: ألا ننسب إلى الله ما لم يثبت عنه، ثم نطالب الناس بالخضوع له باسمه.

الأولى إخراج لله من موقع الحجية ، والثانية إدخال للبشر في موقع لم يمنحهم الله إياه.

وبين الاثنين يقف الإيمان: الله هو المرجعية، لكن فهمي لله ليس هو الله، واجتهادي ليس وحيًا، ورأيي ليس تشريعًا، وما لم يأذن الله لي أن أنسبه إليه فلا يحق لي أن ألبسه اسمه.

ومن هنا يصبح السؤال القادم أكثر دقة وخطورة: هل الرسول مرجعية مستقلة عن الله؟ وإذا كان القرآن يأمر بطاعة الرسول ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، فما طبيعة هذه الطاعة؟ وما الفرق بين الله والرسول وأولي الأمر في بنية الحجية؟

ولماذا عند النزاع قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولم يقل: «وإلى أولي الأمر»؟  ثم بعد وفاة الرسول: كيف نثبت أن قولًا ما صدر عنه أصلًا؟

وإذا ثبت صدوره: كيف نعرف هل كان تبليغًا عن الله، أم حكمًا رسوليًا، أم إدارةً لواقعة، أم قرارًا مرتبطًا بظرف؟

ومن هنا فقط يمكن أن نصل إلى السؤال الذي غالبًا ما يبدأ الناس به قبل بناء مقدماته: ما موقع السنة من المرجعية الإلهية؟

وهذا سيكون البحث التالي.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى