مقالات

الفروق التشغيلية بين الإرادة والمشيئة والإذن في القرآن

دراسة دلالية بنيوية في نظام القصد والوقوع والنفاذ

المقدمة

من أكثر الألفاظ التي يقع الخلط بينها في الخطاب الديني ألفاظ: الإرادة والمشيئة والإذن. وكثيرًا ما تُستعمل وكأنها مترادفات، مع أن الاستعمال القرآني يدل على أن كل لفظ منها يؤدي وظيفة دلالية مستقلة، وأن الخلط بينها يورث اضطرابًا في فهم قضايا كبرى مثل: الهداية والضلال، القضاء والجزاء، السنن والاختيار، والدعاء والشفاعة، بل ويوقع في إشكالات ظاهرية في باب العدل الإلهي.

والمنهج الأدق في تناول هذه الألفاظ ليس حمل بعضها على بعض، بل استقراء مواضعها في القرآن والنظر في نوع الفعل الذي تتعلق به، وفي البنية التي تعمل داخلها، وفي الأثر الذي تنتجه في السياق. وعند هذا الاستقراء يظهر أن القرآن لا يستعمل هذه الألفاظ على سبيل التبادل، بل على سبيل التفريق البنيوي الدقيق: فـالإرادة تتصل بالجهة المقصودة والمآل المراد، والمشيئة تتصل بمجال الوقوع والإمكان ومسارات الجريان، والإذن يتصل بفتح النفاذ والاعتماد والسماح المعتبر داخل السلطان الأعلى.

وعليه فهذه الدراسة تهدف إلى صياغة تعريفات معيارية دقيقة لهذه الألفاظ الثلاثة، ثم البرهنة عليها من خلال الأمثلة القرآنية، ثم بيان العلاقة بينها في نظام واحد متكامل.

أولًا: الإرادة

التعريف المعياري الدقيق

الإرادة هي:

توجّه قصدي يحدد المآل المراد والجهة المقصودة من الفعل أو الحكم أو الجزاء.

فالإرادة لا تدل أولًا على آلية التنفيذ، ولا على القانون الذي تجري به الأشياء، بل تدل على القصد المتجه إلى غاية. ولهذا إذا نسبت إلى الإنسان كانت نيةً وتوجّهًا واختيارًا، وإذا نسبت إلى الله كانت مقصدًا ربانيًا في التشريع أو الهداية أو الجزاء أو الفعل المباشر بحسب السياق.

1)الإرادة البشرية: قصد يتجه إلى غاية

من أوضح الشواهد:

﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾

هنا الإرادة ليست قانونًا ولا إذنًا، بل نية واتجاه نحو إتمام الرضاعة.

﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾

الإرادة هنا قرار قصدي من الأبوين.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾

هذا من أدق المواضع؛ لأن الإرادة هنا ليست مجرد خاطر داخلي، بل اتجاه وجودي كامل تحدد به وجهة السعي.

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾

أي أن اختلاف الليل والنهار لا يُثمر بذاته في كل أحد، وإنما يثمر فيمن اتجه قصده إلى التذكر أو الشكر.

﴿يُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾

الإرادة هنا قصد إفسادي موجَّه إلى إضلال الغير.

إذن فالإرادة البشرية في القرآن تدور على: نية + توجه + تعيين وجهة + سعي نحو مآل.

2) الإرادة الإلهية العامة: مقصد رباني هادٍ ومصلح

من الآيات الجامعة:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾

﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾

هذه المواضع تكشف أن الإرادة إذا جاءت في باب التشريع والهداية والتخفيف فهي مقصد قيمي، أي أن الله يحدد الوجهة التي يتجه إليها الخطاب والحكم: يسر، بيان، توبة، تطهير، رفع حرج، وعدم ظلم.

وهذا يؤكد أن الإرادة ليست هي نفس المشيئة؛ لأن المشيئة تتعلق بمجال الوقوع، أما الإرادة هنا فتتعلق بـالمقصد الرباني من التشريع.

3)الإرادة الإلهية الخاصة: توجيه جزائي إلى مآل مخصوص

من الآيات الدالة:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾

﴿أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾

في هذه المواضع لا تكون الإرادة مجرد مقصد تشريعي عام، بل تدخلًا جزائيًا يثبت مآلًا مخصوصًا بحسب حال القوم. فهي ليست اعتباطًا، بل تأتي في سياق ذنوب، وفسق، وإعراض، وكذب، واستحقاق.

ومن أوضح ما يربط الإرادة بالجزاء المقيد قوله تعالى في المثل:

﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾

فالإضلال هنا ليس ابتدائيًا بلا سبب، بل جاء بعد قيد حاسم: إلا الفاسقين. وعليه فالإرادة الخاصة هنا هي توجيه المآل على وفق حال العبد واستحقاقه.

4) الإرادة في الفعل الإلهي المباشر

مثل:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾

﴿وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾

هذه الآيات تثبت أن الإرادة إذا تعلقت بالفعل الإلهي المباشر كانت قصدًا نافذًا غير معجوز. فهي لا تزال إرادة من حيث كونها تعيينًا للجهة المرادة، لكن أثرها هنا هو الإنفاذ المباشر.

خلاصة باب الإرادة

الإرادة إذن ليست قانونًا، وليست مجرد سماح، بل هي:

تحديد الجهة المقصودة والمآل المراد. فإذا تعلقت بالإنسان كانت قصدًا واختيارًا. وإذا تعلقت بالله كانت مقصدًا تشريعيًا، أو جزاءً مخصوصًا، أو فعلًا نافذًا بحسب السياق.

ثانيًا: المشيئة

التعريف المعياري الدقيق

المشيئة هي:

المجال الحاكم لوقوع الأشياء وحدود إمكانها وكيفية جريانها، بما يشمل السنن، وفتح المسارات، وترك الاختيار، ومنع القهر، والاستثناء.

فالمشيئة ليست هي الغاية المقصودة، بل البنية التي يقع الشيء داخلها أو لا يقع. ولهذا فهي أوسع من مجرد “القوانين الطبيعية” بالمعنى الضيق؛ لأنها تشمل أيضًا ترك الناس للاختلاف، وعدم الإكراه على الإيمان، وحدود العلم، ومجال النفاذ، والاستثناءات.

1) المشيئة بوصفها سلطان الإمكان والوقوع

من أوضح الآيات:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾

هذه المواضع لا تتحدث عن “قصد قيمي” بالدرجة الأولى، بل عن الصورة التي كان يمكن أن يكون عليها الواقع لو فُعل على وجه آخر. فالمشيئة هنا هي سلطان تحديد صورة الوقوع: يمكن أن يقع الإيمان العام، ويمكن أن يقع المنع من القتال، ويمكن أن يقع جمع الناس على أمة واحدة، ولكن الواقع جرى على صورة أخرى لأن نظام الابتلاء والاختيار هو الذي فُتح.

إذن المشيئة هنا : حيز الإمكان الجاري به العالم.

2)  المشيئة بوصفها حدّ النفاذ والاستثناء

من الآيات المحكمة:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾

﴿خَالِدِينَ فِيهَا … إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾

﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾

هذه المواضع تكشف أن المشيئة هي سقف الإحاطة وحدّ النفاذ ومجال الاستثناء. فلا علم إلا في الحد الذي شاءه الله، ولا نفع ولا ضر إلا في المجال الذي فتحه، ولا عموم إلا مع وجود احتمال استثناء يحدده الله. ومن هنا فالمشيئة ليست مجرد قانون فيزيائي، بل النطاق الذي يُسمح فيه للوقوع أن يجري.

3) “إن شاء الله”: تعليق تحقق المراد على المجال الحاكم

مثل:

﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾

﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾

﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾

﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾

الإنسان هنا قد يريد، ويقصد، ويعزم، لكن تحقق ما أراده لا يكون مستقلًا عنه، بل داخل المشيئة الحاكمة.

فالمشيئة هنا لا تُبطل إرادته، لكنها تضعها في موضعها الصحيح: الإنسان يقصد، لكن لا يقع مقصوده إلا إذا جرى في المجال الذي شاءه الله.

4) “فمن شاء”: مشيئة الإنسان الجزئية داخل المشيئة الإلهية

من الآيات:

﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾

﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾

﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾

هذه الآيات تثبت أن للإنسان حيز اختيار، لكنه حيز لا يستقل عن المشيئة العليا. ولذلك جاء الضابط في آية أخرى:

﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾

فمشيئة الإنسان جزئية تابعة، تعمل داخل المجال الإلهي الكلي، وليست مشيئة موازية له. وهنا يتبين الفرق بين باب الإرادة وباب المشيئة: فالإرادة هي تعيين الوجهة، أما المشيئة فهي حيز تحقق هذه الوجهة أو عدم تحققها.

5)المشيئة وترك الاختلاف وعدم القهر

من أهم المواضع:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هذه الآيات شديدة الأهمية؛ لأنها تبين أن المشيئة ليست فقط سننًا مادية، بل أيضًا اختيار بنية العالم على صورة الامتحان لا على صورة الجبر. ولهذا نفي الإكراه، وأثبت السؤال عن الأعمال. فلو كانت المشيئة هنا تعني الجبر فقط لبطل السؤال، ولكن القرآن جمع بين المشيئة وبين المسؤولية، فدل على أن المشيئة هي إطار الاختبار لا إلغاء الاختيار.

خلاصة باب المشيئة

المشيئة إذن هي:

النظام الحاكم الذي تتحدد به حدود الإمكان، ومسارات الوقوع، وحيز الاختيار، والاستثناء، وعدم الإكراه.

ولهذا كانت أوسع من القانون الطبيعي الضيق، وأدق من أن تُجعل مرادفة للإرادة.

ثالثًا: الإذن

التعريف المعياري الدقيق

الإذن هو:

إطلاق النفاذ أو الاعتماد أو السماح لفعل أو قول أو أمر أن يقع أو يُعتد به ضمن سلطان أعلى.

فالإذن ليس هو الإرادة؛ لأن الإرادة تحدد القصد والمآل.

وليس هو المشيئة؛ لأن المشيئة هي المجال الحاكم العام. بل الإذن هو فتح مخصوص داخل هذا المجال يسمح بوقوع شيء أو إقراره أو تمريره أو الاعتداد به.

1) الإذن التشريعي: الاعتماد المعتبر

من أوضح الأدلة:

﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾

﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾

هنا الإذن لا يعني “شاء الله” فقط، بل يعني: هل صدر لكم اعتماد شرعي صحيح؟ فالتحليل والتحريم والتشريع لا يكون بمجرد الهوى أو الظن، بل يحتاج إلى إذن معتبر من الله. إذن فالإذن في هذا الباب تعني ترخيص تشريعي نافذ.

2)الإذن التنظيمي والاجتماعي: السماح المنضبط

مثل:

﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي﴾

﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾

﴿حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾

﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾

﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾

هنا الإذن هو السماح المعتبر داخل سلطة منظمة للعلاقات والأفعال. فهو ليس مشيئة كونية، ولا قصدًا غائيًا، بل اعتماد نافذ يجيز فعلًا معيّنًا: دخولًا، خروجًا، تخلفًا، تصرفًا.

3) الإذن في الشفاعة والكلام والموت والنصر: فتح النفاذ لما لا ينفذ بذاته

من الآيات:

﴿لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ﴾

﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾

﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَـٰنُ﴾

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ … بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

﴿وَتُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾

هذه المواضع تكشف حقيقة بالغة الأهمية:

هناك أفعال أو آثار لا تملك النفاذ الذاتي، بل لا تقع ولا تُعتدّ بها إلا إذا فُتح لها الباب من السلطان الأعلى.

فالشفاعة لا تنفذ بذاتها. والكلام يوم الفصل لا يطلق لكل أحد. والموت لا يقع استقلالًا عن الإذن. والنصر الذي يخالف ظاهر موازين القوى لا ينفذ إلا بإذن. وإحياء الموتى ليس قدرة مستقلة لعيسى، بل واقع بإذن الله.

فالإذن هنا هو: فتح النفاذ لفعل لا يستقل بذاته بالنفاذ.

4) الإذن والإعلان: الإطلاق السمعي العام

من الآيات:

﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾

﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾

﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾

هنا خرج الجذر إلى معنى الإعلان المسمَع.

فالتأذين هو إطلاق خبرٍ إلى المجال العام على صورة نداء نافذ. وهذا متصل بأصل الإذن؛ لأن كليهما يتضمن إطلاق شيء ليبلغ حيّز الاعتبار:

  •  فالإذن يطلق الفعل ليصح ويُعتدّ به
  •  والتأذين يطلق الخبر ليُسمع ويُعلن ويعمّ

5) الإذن بوصفه استجابة خاضعة للأمر الأعلى

من ألطف المواضع: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾

هذا الموضع يثبت أن الإذن لا يقتصر على معنى “التصريح”، بل يدل هنا على الانقياد والاستجابة والخضوع لما صدر من الله. فكأن الأرض أو السماء قد دخلت في طور الامتثال التام للأمر. وبذلك يتسع المعنى ليشمل:

انفتاح الشيء على الأمر الأعلى وقبوله النفاذ فيه.

6)  الأذن العضو: ليست من تعريف الإذن، لكنها تضيء أصل الجذر

مثل:

﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾

﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾

﴿آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾

هذه المواضع ليست من باب “إذن الله” اصطلاحًا، لكن فيها صلة جذرية؛ لأن الأذن هي موضع التلقي السمعي. ومن هنا يفهم الامتداد الدلالي للمادة نحو: السماع، والإعلام، والإطلاق، والسماح، والقبول.

رابعًا: العلاقة البنيوية بين الإرادة والمشيئة والإذن

بعد هذا الاستقراء يمكن ضبط العلاقة بين الألفاظ الثلاثة على النحو الآتي:

الإرادة

تحدد: ما الجهة المقصودة؟ وما المآل المراد؟

المشيئة

تحدد: في أي مجال يقع الشيء؟ وما حدود إمكانه؟ وكيف يجري؟

الإذن

يحدد: هل فُتح لهذا الفعل أو القول أو الأثر أن ينفذ ويُعتدّ به داخل ذلك المجال؟

وبعبارة جامعة:

الإرادة  تتعلق بالغاية، والمشيئة  تتعلق بالمجال، والإذن  يتعلق بالنفاذ.

فإذا أردنا تصوير العلاقة تصويرًا محكمًا قلنا:

  •  الإرادة: تعيين الوجهة
  •  المشيئة: بناء حيز الوقوع
  •  الإذن: فتح المرور داخل هذا الحيز

خامسًا: أثر هذا التفريق في فهم الهداية والضلال والعدل

من أعظم ثمار هذا التفريق أنه يرفع الإشكال عن مثل قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾

فإذا أُهملت الفروق بين الإرادة والمشيئة والإذن توهّم بعض الناس أن المعنى جبرٌ ابتدائي، وأن الضلال والهداية يقعان على الناس بلا مسار منهم.

لكن جمع الآيات يبين غير ذلك:

  •  في باب الإرادة: هناك مقصد رباني في الهداية والتخفيف والبيان
  •  في باب المشيئة: العالم مفتوح على الاختيار والاختلاف والابتلاء، لا على القهر العام
  •  في باب الإذن: لا ينفذ شيء ولا يثبت شيء إلا ضمن السلطان الإلهي

ثم تأتي القيود الحاسمة:

﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾

﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

فلا تعارض إذن بين عدل الله وبين نسبة الهداية والإضلال إليه؛ لأن ذلك لا يقع خارج نظام المسؤولية، بل داخل مشيئة الاختبار ووفق إرادة جزائية عادلة وبعد فتح النفاذ لما يستحق النفاذ من أثر.

الخاتمة

يتبين من استقراء الاستعمال القرآني أن ألفاظ الإرادة والمشيئة والإذن ليست ألفاظًا متقاربة فحسب، بل هي ألفاظ متمايزة الوظيفة، وكل واحد منها يمسك بطبقة مختلفة من بنية الفعل الإلهي والإنساني.

فـالإرادة تدل على الجهة المقصودة والمآل المراد؛ ولذلك جاءت في الإنسان نيةً وتوجّهًا، وفي الله مقصدًا تشريعيًا أو جزائيًا أو فعلًا نافذًا.

والمشيئة تدل على المجال الحاكم لوقوع الأشياء وحدود إمكانها وكيفية جريانها؛ ولذلك دخل فيها السنن، وترك الاختيار، وعدم الإكراه، والاستثناء، وحدود النفاذ.

وأما الإذن فهو فتح النفاذ والاعتماد والسماح المعتبر؛ ولذلك دخل في التشريع، والشفاعة، والموت، والنصر، والدخول، والتخلف، والإعلان، بل والانقياد الكوني للأمر الرباني.

وعليه فالصياغة النهائية المحكمة هي:

الإرادة: تعيين المآل المقصود.

المشيئة: بناء مجال الوقوع والإمكان.

الإذن: إطلاق النفاذ والاعتماد داخل ذلك المجال.

وبهذا التفريق ينتظم الفهم، ويرتفع الخلط، وتظهر دقة الخطاب القرآني، ويتأكد أن القرآن لا يضع لفظًا مكان لفظٍ على سبيل الترادف، بل يختار كل لفظ بحسب وظيفته الدقيقة في بنية المعنى.
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى