ماذا لو كانت آية الطاعة التي يُستشهد بها لتبرير السلطة… تنقض فكرة الطاعة العمياء أصلًا؟
ليست طاعة مطلقة: سلطة أولي الأمر تحت ميزان الأمانة والعدل والتحاكم قراءة سياقية في آيات سورة النساء 58–70

ليست طاعة مطلقة: آية أولي الأمر تحت ميزان الأمانة والعدل والتحاكم
قراءة سياقية في آيات سورة النساء 58–70
مقدمة
كثيرًا ما تُقرأ آية الطاعة في سورة النساء قراءة منفصلة عن سياقها، فيُجعل قوله تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾
أساسًا لطاعة عامة مطلقة، أو مدخلًا لتثبيت سلطة سياسية أو دينية فوق المراجعة.
لكن القراءة المتصلة للآيات من 58 إلى 70 تكشف أن الحديث ليس عن طاعة مجردة، ولا عن خضوع أعمى، بل عن منظومة كاملة تتعلق بـ:
الأمانات، والحكم بالعدل، والطاعة المرجعية، وردّ النزاع، ورفض التحاكم إلى الطاغوت، وتحكيم الرسول فيما شجر بين الناس، والتسليم لحكم الحق.
ومن هنا لا يصح عزل آية الطاعة عن هذا السياق؛ لأن الآية جاءت في قلب مقطع يتحدث عن الحكم والتحاكم وإدارة النزاع داخل المجتمع المؤمن.
أولًا: افتتاح السياق بالأمانات والحكم بالعدل
تبدأ الوحدة بقوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِ﴾
وهذا الافتتاح مهم جدًا؛ لأنه يحدد باب الكلام.
فالآية لا تبدأ بالسلطة، ولا تبدأ بالحاكم، ولا تبدأ بالطاعة، بل تبدأ بـ:
الأمانة
ثم
الحكم بين الناس
ثم
العدل
وهذا يعني أن كل سلطة أو ولاية أو أمر لاحق في السياق يجب أن يُقرأ تحت هذا الأصل:
الولاية أمانة، والحكم عدل، والطاعة لا تكون إلا داخل هذا النظام.
فمن لم يؤدّ الأمانة إلى أهلها، ولم يحكم بالعدل، لا يصح أن تُجعل طاعته طاعة مطلقة باسم الآية التالية.
ثانيًا: معنى الطاعة في هذا السياق
قال تعالى:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾
الطاعة هنا ليست خضوع نفسي، ولا استسلامًا بلا وعي، بل هي من مادة الطوع، ثم جاءت بصيغة الإطاعة لتدل على:
تحويل الطواعية الداخلية إلى امتثال عملي لأمر مرجعي.
فـ طاع تدل على قابلية الانقياد وعدم الممانعة. أما أطاع فتدل على امتثال عملي لأمر صادر من جهة آمرة.
وعليه، فقوله: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ ، أي: اجعلوا فعلكم وحكمكم وقراركم تابعًا لأمر الله.
وقوله:
﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ ، أي: اجعلوا تطبيقكم العملي منضبطًا بالرسالة التي جاء بها الرسول، لا بالهوى ولا بالمصلحة ولا بالعصبية.
أما قوله: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾ ، فلم يكرر معه فعل الطاعة، فلم يقل: “وأطيعوا أولي الأمر” . بل عطفهم على منظومة الطاعة السابقة، وهذا يدل على أن طاعتهم ليست مستقلة، بل هي تابعة لطاعة الله والرسول، ومقيدة بالأمانة والعدل والرد إلى المرجعية العليا عند التنازع.
ثالثًا: من هم أولو الأمر؟
لفظ أولي الأمر لا ينبغي أن يُحصر ابتداءً في الحاكم السياسي وحده، ولا في العلماء وحدهم، ولا في القضاة وحدهم؛ لأن الآية لم تقل: أطيعوا الحاكم، ولا أطيعوا العلماء، وإنما قالت:
﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾
وبحسب قاعدة أولي/أولو، فالمقصود ليس مجرد من يملكون صفة أو منصبًا، بل من يكون الأمر عندهم في حالة تفعيل داخل نظام الجماعة؛ أي من يمارسون إدارة الشأن، وتنظيمه، وتنفيذه، والفصل فيه، بحسب موقعهم واختصاصهم.
فـ أولو الأمر هم أصحاب الولاية والاختصاص في إدارة شأن من شؤون الجماعة، ممن يُرجع إليهم في تنظيم الأمر وتنفيذه والحكم فيه، بشرط أن يكونوا منكم؛ أي داخل مرجعية الإيمان، لا غرباء عن نظام الجماعة، ولا مفصولين عن قيم العدل والحق.
فقوله تعالى:
﴿مِنكُمْ﴾
ليس تفصيلًا زائدًا، بل قيدٌ حاكم؛ لأن الطاعة هنا لا تُمنح لكل صاحب سلطة، بل لمن كان أمره من داخل الجماعة المؤمنة، لا من خارج مرجعيتها.
وفي سياق الآيات يظهر جانب محدد من أولي الأمر، وهو جانب إدارة الحكم والتحاكم والفصل في النزاعات؛ فالآية السابقة تحدثت عن أداء الأمانات والحكم بين الناس، والآية نفسها تحدثت عن التنازع، والآيات التالية حذّرت من التحاكم إلى الطاغوت، وألزمت بردّ ما شجر بينهم إلى الرسول.
إذن: أولو الأمر في هذا السياق هم أصحاب الاختصاص والولاية في إدارة الأمر العام، وعلى رأس ذلك سلطة الحكم والفصل بين الناس، غير أن طاعتهم ليست مطلقة؛ فإذا وقع التنازع في شيء، لم يُردّ إليهم، بل يُردّ مباشرة إلى الله والرسول، لأن مرجع الفصل النهائي ليس السلطة التنفيذية، بل مرجعية الوحي.
فالطاعة لهم طاعة تشغيلية داخل النظام، لا طاعة مطلقة، ومشروطة بأن يبقى أمرهم داخل مرجعية الإيمان والعدل.
رابعًا: الرد عند التنازع إلى الله والرسول لا إلى أولي الأمر
قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾
وهنا تظهر دقة البناء القرآني. فالآية ذكرت: الله ، والرسول ، وأولي الأمر . لكن عند التنازع قالت: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ، ولم تقل: “فردوه إلى الله والرسول وأولي الأمر”. وهذا يدل على أن أولي الأمر ليسوا مرجعية نهائية عند النزاع، بل هم جهة إدارة وتنفيذ وحكم ضمن نظام أعلى.
فإذا وقع التنازع، لا يكون الرد إلى السلطة البشرية ذاتها، بل إلى المرجعية التي تضبط السلطة: ” الله والرسول “. وهذا يعني أن طاعة أولي الأمر مشروطة ببقائهم داخل مرجعية الله والرسول، فإذا صاروا طرفًا في النزاع أو خرج أمرهم عن العدل، فلا يكونون هم مرجع الفصل النهائي.
خامسًا: الإيمان هنا يُختبر بالرد عند النزاع
قال تعالى: ﴿إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾
وهذا القيد يكشف أن الإيمان هنا ليس دعوى لفظية، بل اختبار عملي. فقد يدّعي الإنسان الإيمان، لكنه عند النزاع يختار مرجعية أخرى، أو يهرب إلى سلطة تخدم هواه، أو يتحاكم إلى طاغوت يوافق مصلحته.
لذلك جاء الشرط: ﴿إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ﴾ ، أي: إن كان الإيمان مرجعية حقيقية عندكم، فاختبار ذلك يظهر ساعة النزاع، لا ساعة الكلام العام.
فالإنسان لا يُختبر فقط حين يوافق الحكم هواه، بل حين يُطلب منه أن يرد النزاع إلى الله والرسول ولو خالف ذلك مصلحته.
سادسًا: الطاغوت هو المرجعية البديلة عند النزاع
بعد آية الطاعة مباشرة قال تعالى:
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦ﴾
هنا ينتقل النص من الأمر بالطاعة والرد إلى الله والرسول، إلى فضح الطرف المقابل: قوم يزعمون الإيمان، لكنهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت. وهذا يؤكد أن موضوع المقطع هو: ” التحاكم والمرجعية عند النزاع “. فالطاغوت هنا ليس مجرد صنم يُعبد، بل كل مرجعية تتجاوز حدها، وتزاحم حكم الله، وتقدّم للناس حكمًا مفصولًا عن الحق والعدل.
والخطورة أن الآية قالت: ﴿يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ﴾ ، أي أن المشكلة ليست في قوم يعلنون الكفر، بل في قوم يحملون دعوى الإيمان، لكنهم عند النزاع يطلبون حكمًا آخر.
فهنا يظهر الفرق بين الإيمان كدعوى، والإيمان كمرجعية عملية.
سابعًا: الصدود عن الرسول هو صدود عن مرجعية التحاكم
قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا﴾
هذه الآية تؤكد أن الرسول في هذا السياق ليس مجرد شخص يُحترم أو يُحب، بل هو حامل الرسالة ومركز التحاكم العملي إلى ما أنزل الله. فالصدود عنه ليس خلافًا شخصيًا، بل هو صدود عن مرجعية الحكم التي يمثلها. والتعبير: ﴿إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ ، يربط بين المنزل الإلهي والرسول بوصفه جهة البيان والتطبيق والفصل. فالرسول ليس بديلًا عن الله، ولا مستقلًا عن الله، بل هو الطريق العملي إلى تحكيم ما أنزل الله في الواقع.
ثامنًا: تبرير المنافقين: ﴿إحسانًا وتوفيقًا﴾
قال تعالى:
﴿فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا﴾
وهذه من أدق الآيات في كشف نفسية الالتفاف على المرجعية. فمن يترك حكم الله والرسول لا يأتي دائمًا بلسان الرفض الصريح، بل قد يأتي بلسان جميل: أردنا الإصلاح ، أردنا التوفيق ، أردنا جمع الكلمة ، أردنا مصلحة عامة.
لكن القرآن يكشف أن المشكلة ليست في الألفاظ، بل في المرجعية. فقد يرفع الإنسان شعار الإحسان والتوفيق، لكنه في الحقيقة يهرب من حكم الحق إلى حكم يخدم هواه. لذلك ربطت الآية المصيبة بما قدمت أيديهم، أي بنتيجة اختيارهم العملي لا بشعارهم اللفظي.
تاسعًا: القول البليغ في النفس
قال تعالى:
﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا﴾
هنا لا يأمر النص بالمواجهة الشكلية فقط، بل بمعالجة داخلية عميقة. فالخلل ليس في عدم معرفة الحكم فقط، بل في النفس التي تريد أن تلتف على الحكم.
لذلك جاء: ﴿فِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ ، أي خاطب موضع الخلل الداخلي، لا ظاهر الكلام فقط. و ﴿قَوۡلَۢا بَلِيغٗا﴾ ، أي قولًا يصل إلى موضع الداء، يخرق التبريرات، ويكشف حقيقة الانحراف عن المرجعية.
عاشرًا: الرسول أُرسل ليُطاع بإذن الله
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾
هذه الآية تشرح معنى طاعة الرسول في السياق. فالرسول لا يُطاع لأنه صاحب سلطة شخصية، ولا لأنه يفرض رأيه، بل لأنه رسول، أي حامل أمر الله وبيانه.
وقوله: ﴿بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ يقيد طاعة الرسول بمصدرها الإلهي.
أي أن طاعته ليست استقلالًا عن الله، بل هي امتثال لله من طريق الرسول.
ومن هنا نفهم أن الرسول في آية الطاعة ليس مجرد قائد اجتماعي، بل جهة البلاغ والحكم والبيان التي يُرد إليها النزاع لأنها تمثل ما أنزل الله في الواقع.
حادي عشر: ظلم النفس بالخروج عن مرجعية الحكم
قال تعالى:
﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا﴾
الآية تسمي خروجهم عن التحاكم إلى الرسول ظلمًا لأنفسهم.
فالإنسان حين يهرب من حكم الحق يظن أنه نجا بمصلحته، لكنه في الحقيقة يظلم نفسه؛ لأنه يخرج من نظام الهداية والعدل إلى نظام الهوى والطاغوت.
وجاء العلاج بثلاثة أمور:
١- جاءوك ؛ أي رجعوا إلى مرجعية الرسول.
٢- فاستغفروا الله ؛ أي اعترفوا بأن الخلل ليس إداريًا فقط، بل مخالفة لله.
٣- واستغفر لهم الرسول ؛ أي دخلوا مرة أخرى في نظام الرسالة بعد أن صدّوا عنه.
فالرجوع هنا ليس مجرد اعتذار، بل عودة إلى المرجعية التي هجروها.
ثاني عشر: ذروة السياق: تحكيم الرسول فيما شجر بينهم
قال تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾
هذه الآية هي قمة المقطع كله. فبعد الكلام عن الأمانات، والحكم بالعدل، والطاعة، والتنازع، والتحاكم إلى الطاغوت، والصدود عن الرسول، تأتي هذه الآية لتقول: لا يكتمل الإيمان حتى يتحقق ثلاثة أمور:
- تحكيم الرسول فيما شجر بينهم
أي أن النزاع لا يبقى خاضعًا للأهواء والعصبيات، بل يُرد إلى مرجعية الرسالة.
- عدم وجود الحرج في النفس مما قضى
أي أن الإنسان لا يقبل الحكم ظاهريًا وهو ناقم عليه باطنيًا؛ لأن الحرج الداخلي دليل أن الهوى ما زال ينازع المرجعية.
- التسليم تسليمًا
وهذا هو الانتقال من مجرد القبول الظاهري إلى الخضوع العملي الكامل للحكم الحق.
وهنا يظهر الفرق بين: ” الطاعة ” و ” التسليم ”
فالطاعة امتثال عملي للأمر ، أما التسليم فهو انتهاء الممانعة الداخلية بعد ظهور الحكم.
لذلك ختمت الآية بـ: ﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ ، أي لا يبقى في النفس اعتراض خفي يعطل أثر الحكم.
ثالث عشر: الآيات 66–68 تكشف ثقل الطاعة على النفوس
قال تعالى:
﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡ﴾
هذه الآية لا تقطع السياق، بل تكشف حقيقة مهمة:
الطاعة ليست ادعاءً سهلًا، بل تظهر عندما يثقل الأمر على النفس. فمن كان يرفض التحاكم إلى الرسول في خصومة، كيف سيكون حاله لو كُتب عليه ما هو أشد: قتل النفس أو الخروج من الديار؟
ثم قال: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا﴾ ، فالطاعة هنا ليست إذلالًا للإنسان، بل تثبيت له. لأن الإنسان إذا درّب نفسه على ردّ الأمر إلى الحق، ثبتت مرجعيته، ولم تعد الأهواء تنقله من حكم إلى حكم.
ثم قال: ﴿وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا * وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ ، فالطاعة المرجعية تنتج: ” تثبيتًا ” و
” أجرًا ” و ” هداية إلى صراط مستقيم “.
وهذا يبين أن الطاعة ليست خضوعًا للسلطة، بل طريق إلى الاستقامة.
رابع عشر: ختام المقطع: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾
قال تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾
لاحظ أن الخاتمة لم تقل: “ومن يطع الله والرسول وأولي الأمر” ، بل قالت: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾
وهذا يؤكد مرة أخرى أن الطاعة النهائية في هذا السياق لله والرسول، وأن أولي الأمر داخلون في النظام بقدر اتصالهم بهذه المرجعية، لا بكونهم مصدرًا مستقلًا للطاعة.
والخاتمة
تربط الطاعة بالرفقة العليا: النبيين ، والصديقين ، والشهداء ، والصالحين
وهذا يعني أن الطاعة هنا ليست طاعة إدارية باردة، بل طريق انضمام إلى خط الهداية الممتد عبر الذين أنعم الله عليهم.
خامس عشر: معنى الرسول في هذا السياق
الرسول في هذا المقطع ليس مجرد ناقل كلام، ولا مجرد شخصية تاريخية، بل هو: ” جهة البلاغ والتحكيم والتنزيل العملي لما أنزل الله
لذلك تكرر ذكره في مواضع متعددة:
–﴿أَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾
–﴿فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾
–﴿تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾
–﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾
–﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ﴾
–﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾
فوظيفة الرسول هنا جامعة بين: البلاغ ، والبيان ، والتحكيم ، والفصل ، والرد إلى ما أنزل الله . ولهذا لا يصح فصل طاعة الرسول عن طاعة الله، ولا تحويلها إلى طاعة شخصية مستقلة، ولا إلغاؤها بحجة الاكتفاء بالمعنى العام.
فالرسول هو جهة تنزيل الأمر الإلهي في الواقع، ولذلك كانت طاعته بإذن الله.
سادس عشر: المعنى النهائي للطاعة في هذا السياق
بناءً على السياق كله، يمكن تعريف الطاعة هنا بأنها:
امتثال عملي لمرجعية الله والرسول في الحكم والتحاكم وردّ النزاع، مع الالتزام بأولي الأمر ما دام أمرهم داخل هذه المرجعية، ورفض كل تحاكم بديل إلى الطاغوت.
فليست الطاعة هنا: خضوعًا أعمى، ولا طاعة سياسية مطلقة، ولا تعطيلًا للعقل، ولا تقديسًا لأصحاب السلطة، ولا قبولًا بأي حكم يصدر من أي جهة.
بل هي:
ردّ النزاع إلى المرجعية الحقّة، وقبول الحكم العادل، وتسليم النفس لما قضى به الحق دون حرج.
الخلاصة
الآيات من النساء 58 إلى 70 تقدم منظومة متكاملة:
- تبدأ بالأمانة والحكم بالعدل.
- ثم تأمر بطاعة الله والرسول وأولي الأمر.
3.ثم تجعل الرد عند التنازع إلى الله والرسول فقط.
- ثم تكشف خطر التحاكم إلى الطاغوت.
- ثم تفضح صدود المنافقين عن الرسول.
- ثم تبين أن الرسول أُرسل ليُطاع بإذن الله.
- ثم تجعل تحكيم الرسول فيما شجر بينهم شرطًا في تحقق الإيمان.
- ثم تختم بأن طاعة الله والرسول تلحق صاحبها برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن هنا يظهر أن آية الطاعة لا تؤسس لاستبداد باسم الدين، بل تؤسس لنظام مرجعي يحفظ العدل من الهوى، ويحفظ السلطة من الطغيان، ويحفظ المجتمع من التنازع، ويردّ الإنسان عند الاختلاف إلى الله والرسول.
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



