مقالات

المنظومة الاقتصادية القرآنية للالتزام والعقود

أ) إعادة تعريف البيع والربا والتجارة قراءةً تشغيلية

المنظومة الاقتصادية القرآنية للالتزام والعقود

أ) إعادة تعريف البيع والربا والتجارة قراءةً تشغيلية

أولاً : البيع في الاستعمال القرآني هو:

قبل تعريف البيع في القرآن، لا بد من تحرير اللفظ من الاستعمال الشائع اليوم إذ اعتاد الناس أن يجعلوا البيع مرادفًا للتبادل الفوري: سلعة تُسلَّم، وثمن يُدفع، وتنتهي العلاقة. لكن القرآن حين يتحدث عن هذا التصريف العادي أو انتقال الشيء بعوض، يستعمل مجال الشراء، كما في قصة يوسف:

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍۭ بَخْسٍ دَرَٰهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾
،

ثم من الجهة الأخرى:
 ﴿وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾

فجاء الشراء دالًا على الإخراج والأخذ بعوض، لا على عقد ممتد الذمة.

أما لفظ البيع في القرآن فلا يظهر بوصفه مجرد حركة سوقية عابرة، بل في سياقات أعمق تتصل بالمبايعة والالتزام وإنشاء الذمة، سواء بين الناس في المعاملات، أو بين الإنسان وربه في عقد الانخراط في منظومة الله. ومن هنا فالبيع القرآني ليس تصريف سلعة بثمن، بل إدخال طرفين في التزام تعاقدي تنشأ عنه حقوق ومسؤوليات. وهناك نوعين من البيع :

أ) البيع بين الناس (اقتصادي تشغيلي)

عقدُ تبايُعٍ مُلزِم بين طرفين يُنشئ ذممًا متقابلة على إنجازٍ أو مالٍ مؤجَّل، بحيث يصبح كلٌّ منهما دائنًا ومدينًا للآخر حتى تمام الوفاء، داخل ميزان القِسط.

عناصره الجوهرية:

  • طرفان ملتزمان
  • محلّ مستقبلي (سلعة، عمل، نتيجة)
  • ذمم متبادلة
  • زمن وفاء
  • مسؤولية إخلال

أمثله :
 (… إِنَّمَاالْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )

، (….. فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، آية التداين .

ب) البيع مع الله (تعاقد مرجعي وجودي)

عقد التزام يُدخِل الإنسان في منظومة الله، يلتزم فيه بالبذل والطاعة والعمل، ويلتزم الله له بالجزاء والنصر والفلاح.

 ( …. فَٱسْتَبْشِرُوا۟ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُم بِهِۦ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ) التوبة 111

( لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَة) الفتح ١٨

ج) الصيغة النهائية الجامعة و المحكمة للتعريف :

البيع القرآني ليس تبادلًا فوريًا، بل عقدُ التزامٍ مُلزِم يُنشئ ذِمَمًا مؤجَّلة داخل ميزان القِسط، ويقع بين البشر في المعاملات، وبين الإنسان وربّه في عقد الانخراط في المنظومة الإلهية

*مثال من واقعنا الحالي لمفهوم البيع :

المقاول + صاحب الأرض

في ذمة المقاول: بناء الفيلا بالمواصفات المتفق عليها

في ذمة المالك: دفع المقابل على مراحل أو مؤجلًا

كل طرف: يِطالب ، ويُطالَب.  هذا ليس تصريفًا فوريًا ، بل عقد التزام ممتد . وهذا هو البيع قرآنيًا

الخلاصة المحكمة

البيع ليس تبادلًا حاضرًا ، وليس تشغيل سوق . بل إدخال طرفين في التزام تعاقدي مؤجَّل . أما التجارة هي تصريف فوري بلا تبعات.

ثانيا — القاعدة القرآنية الحاكمة لمفهوم “الربا

أ) الربا في كل مواضعه جاء مرتبطًا بـ:

  • أكل الأموال بالباطل
  • الظلم
  • تضخيم الذمم
  • استغلال الحاجة أو التأخير

أي أنه أداة قوة لا مجرد شرط مالي.
ب) تعريف الربا في الاستعمال القرآني
:

زيادةٌ قهرية تُفرض داخل عقد ذمم مؤجَّلة من طرفٍ أقوى على طرفٍ أضعف مقابل الزمن أو الحاجة، دون مقابل حقيقي، فتُحوِّل التبادل القِسطي إلى منظومة استنزاف وظلم.

عناصره المكتملة:

-عقد التزام مؤجَّل

-حلول أجل أو حالة ضغط

-اختلال قوة

-فرض زيادة

-غياب مقابل إنتاجي

-وقوع الظلم

ج) إسقاط مثال “ابتزاز المقاول

الحالة: المقاول أنهى البناء ، لكن: يقول لن أستخرج شهادة الإنجاز إلا إذا دفعت مبلغًا إضافيًا”.

هنا:

  • المالك في موقع ضعف (لا يستطيع السكن أو البيع)
  • المقاول يملك مفتاح التعطيل
  • الزيادة ليست مقابل عمل جديد

هذا ربا عملي قرآني حتى لو سُمي “مكافأة” أو “تعويض” ، لأنه: استغلال ذمّة محتجزة بالقوة.

د) الخلاصة المحكمة جدًا

الربا لا يُعرَّف بالزيادة وحدها ، بل بالزيادة تحت القهر داخل الذمم من قوي على ضعيف.  ولهذا: كل ربا ظلم ، وليس كل زيادة ربا.

ثالثاً — أين وردت كلمة  التجارة في القرآن؟

أ) لاحظ كل السياقات (دون استثناء)

  • تجارة حاضرة تديرونها بينكم
  • لا تلهيهم تجارة ولا بيع
  • هل أدلّكم على تجارة تنجيكم
  • يرجون تجارة لن تبور

لا توجد آية واحدة تُدخل التجارة في باب الدَّيْن أو الأجل أو الذمم. بل دائمًا: حركة ، دوران ، سعي ، احتمال ربح/كساد ، لا التزام مؤجَّل.

ب) الخصائص التشغيلية المتكررة

من كل المواضع تتكوّن بنية واحدة: التجارة في القرآن تقوم على:

⁃ الحضور والفورية (حاضرة – تديرونها)

⁃ الحركة المستمرة (تديرونها – يلهي – يرجون)

⁃ تعريض المال للتقليب (ربح أو بور)

⁃ انعدام الذمم بعد الإقفال

⁃ ليست عقدًا بل نشاطًا

ج) التعريف التشغيلي المغلق للتجارة

التجارة في الاستعمال القرآني هي: تشغيل الموارد في حركة تبادل وتصريف حاضرة متواصلة بقصد النماء والربح، دون إنشاء ذمم مؤجَّلة أو التزامات ممتدة بين الأطراف.

د) الخلاصة المحكمة جدًا

الربا لا يعمل في التجارة إطلاقًا ، بل يعمل حصريًا داخل: التدايُن (الالتزامات المؤجَّلة) ، وهو: آلية تضخيم الذمم مقابل الزمن تُحوِّل الالتزام العادل إلى ظلم.

النتيجة النهائية للنظام الاقتصادي القرآني

١التجارة : حركة الرزق الطبيعية

٢البيع/التداين : عقود إنجاز والتزام

٣الربا : فساد داخل الذمم

٤القروض الربوية : نظام غريب عن القرآن

رابعاً: الديْن والقرض :

1.تعريف الديْن في القرآن

  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىفَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب … ﴿٢٨٢ البقرة﴾

  • بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَاتَدْرُونَ أَيُّهُمْ … ﴿١١ النساء﴾

  • بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْإِن … بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌيُورَثُ كَلَالَةً … بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَمُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ … ﴿١٢ النساء﴾

لم يَرِد لفظ الدَّيْن (بسكون الياء في القرآن) إلا في هذه المواضع، وكلّها جاءت مقرونةً بالتدايُن، مما يدلّ على أنه لا يُراد به الدَّيْن المتعرف عليه اليوم بوصفه قرضًا شخصيًا، بل جاء دائما التزامٌ ماليٌّ ناشئ عن تدايُنٍ تعاقدي، أي عن بيعٍ مؤجَّل لا عن تجارةٍ حاضرة. وبناءً عليه، فإن ما يُستوفى فى باب المواريث هو هذا النوع من الدَّيْن التعاقدي وحده، لا كل ما يُسمّى دَيْنًا في الاستعمال المعاصر

ب)  الملاحظة الصرفية الدقيقة

الملاحظ ان القرآن لم يأتِ بلفظ الدَّيْن (بسكون الياء)

إلا في مواضع محدودة جدًا ، وأوضحها :

 

( إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ) .

 

الآية لم تقل: إذا أقرضتم ، ولا: إذا استدنتم مالًا، بل قالت بدقة: إذا تداينتم بدَيْن ، أي:

الدَّيْن لا يوجد ابتداءً، بل يُنشأ بفعل التدايُن. فالتدايُن هو العملية، والدَّيْن هو الأثر الناتج عنها.

ج)  إدخاله في باب المواريث

حين قال: “بعد وصية يوصي بها أو دَيْن ” ، فالقرآن يقصد: ليس أي “ديون شخصية” متفرقة ، بل :

⁃ التزامات تعاقدية قائمة

⁃ حقوق مالية واجبة الأداء

⁃ ناشئة عن معاملات مُلزِمة

أي: يخصم من الميراث ما بقي في الذمم من عقود بيع/تعاقد لم تُصفَّ بعد، لا القروض الشخصية التي قام بها المتوفي .

2.تعريف القرض :

القرض في القرآن هو:

تفريغُ موردٍ فعّال من ذمّة الإنسان — مالًا كان، أو جهدًا، أو وقتًا، أو قدرةً — لصالح الله (أي لصالح منظومته ومقاصده في المجتمع)، دون إنشاء ذِمّةٍ على بشر، ومع وعدٍ إلهيٍّ بالمضاعفة جزاءً لا حقًّا تعاقديًا. القرض في القرآن علاقةٌ تعبدية بين الإنسان وربه، وليست أداة مالية بين الناس.

لماذا لا يمكن أن يكون قرضًا شخصيًا؟

لأنّ القرآن لم يَستعمل لفظ القرض إلا في العلاقة بين الإنسان وربّه، ولم يقرنه قطّ بالتدايُن، ولا بالأجل، ولا بالكتابة، ولا بنظام الذِّمم، بخلاف الدَّيْن الذي يَرِد دائمًا مرتبطًا بهذه البنية التعاقدية المنظَّمة.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى