مقالات

حين تصير الأكثرية إلهًا خفيًا

قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾

حين تصير الأكثرية إلهًا خفيًا

قراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾

ليست آية الأنعام ١١٦ جملة عابرة في التحذير من الناس، ولا دعوة إلى مخالفة الجمهور لمجرد المخالفة، ولا تقريرًا بأن القليل دائمًا على حق والكثير دائمًا على باطل. بل هي آية مركزية في بناء الوعي القرآني بالمرجعية: من الذي يُطاع؟ ومن الذي يصنع الحكم؟ ومن الذي يملك معيار الحق؟

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.

هذه الآية لا تُفهم وحدها، بل تُقرأ داخل مقطع متكامل يبدأ من كشف صناعة الزخرف، ثم يمرّ بإسقاط المرجعيات البديلة، ثم يصل إلى خطر طاعة الأكثرية، ثم ينتقل إلى التطبيق العملي: ماذا نأخذ؟ وماذا نُدخل في وعينا ونظامنا؟ وما الذي نرفضه لأنه لم يحمل اسم الله؟

أولًا: السياق السابق — صناعة الزخرف قبل صناعة الأكثرية

قبل أن يحذّر القرآن من طاعة أكثر من في الأرض، كشف الآلية التي تصنع وعي الأكثرية وتوجّهها: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فالمشكلة لا تبدأ من كثرة الناس، بل من الخطاب الذي يُصنع لهم. هناك زخرف قول، وهناك إيحاء متبادل، وهناك غرور يُنتج خطابًا مزيّنًا يخفي الباطل في صورة مقبولة.

ثم تأتي الآية التالية: ﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾.

وهنا يرسم القرآن مسار الانحراف: زخرف القول، ثم إصغاء الفؤاد، ثم الرضا، ثم الاقتراف. ولهذا جاء في السياق نفسه: ﴿وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ﴾ لأن الإثم لا يبدأ دائمًا من الفعل الظاهر، بل يبدأ من الداخل حين يصغي الفؤاد للزخرف، ثم يرضاه، ثم يتحول الرضا إلى اقتراف. فمن ترك ظاهر الإثم وأبقى باطنه، ترك النتيجة وأبقى المصنع . فالخطاب المزخرف لا ينتصر لأنه حق، بل لأنه يجد أفئدة قابلة للإصغاء، فاقدة لميزان الآخرة والعاقبة، ثم يتحول الإصغاء إلى رضا، والرضا إلى فعل.

إذن حين يأتي بعد ذلك التحذير من طاعة الأكثرية، فليس المقصود الأكثرية بوصفها عددًا بريئًا، بل الأكثرية التي تشكّل وعيها داخل منظومة الزخرف والغرور والظن والخرص.

ثانيًا: ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ — السؤال الحاسم قبل آية الأكثرية

قبل آية الأكثرية مباشرة يأتي الأصل المرجعي: ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًا﴾.

هذه الآية تضع السؤال الحقيقي: من الحكم؟ ليست القضية: من الأكثر عددًا؟ ، وليست: من الأعلى صوتًا؟، وليست: من الأوسع انتشارًا؟ . بل السؤال: من يملك حق الحكم؟ والجواب القرآني حاسم: الله هو الحكم، لأنه أنزل الكتاب مفصلًا. والتفصيل هنا يعني أن مرجعية الله ليست غامضة ولا ناقصة حتى يحتاج الناس إلى بديل يصنع لهم الحكم من الظن أو العرف أو الأكثرية.

ثم تأتي الآية بعدها: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ . فكلمة الله ليست رأيًا ضمن آراء، ولا احتمالًا بين احتمالات، بل تمت صدقًا وعدلًا. والصدق يمنع الكذب والزخرف، والعدل يمنع الهوى والاعتداء، وتمام الكلمة يمنع الحاجة إلى حكم بديل.

لذلك تأتي آية الأكثرية بعد هذا البناء مباشرة؛ لأن من ثبت عنده أن الله هو الحكم، وأن الكتاب مفصل، وأن كلمة الله تمت صدقًا وعدلًا، لا يصح أن يجعل الأكثرية حكمًا موازيًا أو بديلًا.

ثالثًا: ﴿وَإِن تُطِعْ﴾ — الخطر ليس في السماع بل في الطاعة

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ . لم يقل: وإن تسمع أكثر من في الأرض ، ولم يقل: وإن تعرف رأي أكثر من في الأرض ، ولم يقل: وإن تناقش أكثر من في الأرض.

بل قال: ﴿وَإِن تُطِعْ﴾، وهذا فرق جوهري. فالطاعة هنا ليست مجرد سماع أو اطلاع، بل تسليم جهة القرار للغير، وجعل الفعل تابعًا لأمرهم وضغطهم ومعيارهم.

 

قد يسمع الإنسان قول الأكثرية ولا يطيعها. وقد يعرف ما عليه الناس ولا يجعله حكمًا. الخطر يبدأ حين تتحول الكثرة إلى مصدر إلزام، وحين يصبح الشيوع دليلًا، والانتشار حجة، والضغط الاجتماعي حكمًا.

إذن الآية لا تمنع معرفة الواقع، ولا تمنع النظر في أقوال الناس، لكنها تمنع أن تتحول الأكثرية إلى مرجعية حاكمة بدل مرجعية الله.

رابعًا: ﴿أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ — ليست كثرة عددية فقط بل ضغط مرجعي

التعبير بـ ﴿أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ لا يصف عددًا جامدًا، بل يصف قوة اجتماعية واسعة. فالأكثرية لا تضغط فقط بعددها، بل بعاداتها، وموروثها، وخطابها، وهيبتها، وما تكرره حتى يصير في وعي الناس كأنه حق.

ولهذا كانت خطورة الأكثرية أنها قد تصنع بديلًا عن البرهان. فالقول إذا شاع ظنه الناس حقًا، والعرف إذا طال عمره ظنه الناس دينًا، والموروث إذا تراكم ظنه الناس وحيًا، والخرص إذا تكرر ظنه الناس علمًا.

من هنا لا يتعامل القرآن مع الأكثرية كرقم، بل كسلطة نفسية واجتماعية ومعرفية يمكن أن تتحول إلى حجاب عن سبيل الله.

خامسًا: ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ — النتيجة ليست خطأً جزئيًا بل خروج عن المسار

قال تعالى: ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ،لم يقل: يخطئونك في مسألة ، ولم يقل: يخالفونك في رأي. بل قال: يضلوك عن سبيل الله.

والسبيل ليس معلومة مفردة، بل طريق ممتد، ومنهج حركة، ومسار هداية. فمن أطاع الأكثرية في مقام المرجعية لا يخسر حكمًا جزئيًا فقط، بل يتحول عن الطريق كله؛ لأنه لم يعد يسير وفق حكم الله، بل وفق ضغط الناس.

فالضلال هنا نتيجة سننية: متى صارت الأكثرية معيارًا، خرج الإنسان عن السبيل. ومتى صار الشيوع حجة، تراجع الكتاب المفصل. ومتى صار عدد القائلين هو البرهان، غابت كلمة الله التي تمت صدقًا وعدلًا.

سادسًا: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ — أصل انحراف الأكثرية

ثم كشف القرآن سبب الإضلال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾

الظن هنا ليس مجرد احتمال عابر، بل بناء موقف على غير علم محكم. هو أن يتحول الانطباع إلى حكم، والتوارث إلى يقين، والتخمين إلى دين، والرأي الشائع إلى معيار.

فالآية لا تذم التفكير، ولا ترفض الاجتهاد، ولا تمنع السؤال. بل تذم أن يصبح الظن مرجعية مطاعة. لأن الظن إذا بقي في مقام الاحتمال لم يكن حكمًا، أما إذا صار مصدرًا للطاعة والاتباع، فقد تحول إلى طريق ضلال.

ومن هنا يظهر الفرق بين البحث والظن: البحث يطلب البرهان ، أما الظن فيكتفي بما يبدو، وما يشاع، وما يُتداول، وما يوافق الهوى.

سابعًا: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ — حين يتكلم التخمين بثقة العلم

قال تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾

الخرص هو تقدير بلا علم محكم. والخارص قد لا يظهر في صورة الكاذب المباشر، بل قد يتكلم بثقة، ويستعمل لغة المعرفة، ويصنع أرقامًا وتصنيفات وأحكامًا، لكنه في حقيقته يبني على تخمين لا على علم.

وهذه أخطر صور الانحراف: أن يلبس الخرص ثوب العلم. لأن الناس لا تتبع الخرص لأنه خَرص، بل تتبعه حين يُعرض عليها في صورة معرفة، أو تراث، أو إجماع اجتماعي، أو مصلحة عامة، أو خطاب مزخرف.

لذلك قال القرآن قبل ذلك: ﴿زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا﴾. فالخرص حين يُزخرف يصبح قابلًا للطاعة، وحين تطيعه الأكثرية يصبح ضغطًا على المؤمن، وحين يخضع له الإنسان يضله عن سبيل الله.

 

 

 

ثامنًا: الآية ١١٧ — ردّ الحكم إلى الله وحده

بعد أن أسقطت الآية ١١٦ سلطة الأكثرية والظن والخرص، جاءت الآية ١١٧ لتقرر من يملك العلم الحقيقي: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾.

هذه الآية تمنع الأكثرية من احتكار أسماء الهداية والضلال. فالناس قد يصفون المهتدي بالضال لأنه خالفهم، وقد يصفون الضال بالمهتدي لأنه وافقهم، لكن الله هو الأعلم بحقيقة المسار.

وقوله: ﴿مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ يدل على حركة خروج عن الطريق، لا مجرد خطأ عابر. وقوله: ﴿بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ يدل على أن المهتدين داخلون في علم الله، وإن لم تعترف بهم الأكثرية، وإن خالفوا ضغط الناس، وإن بدا طريقهم غريبًا في عين المجتمع.

فالمقطع لا يكتفي بإسقاط الأكثرية، بل يسحب منها أيضًا حق تصنيف الناس: من المهتدي؟ ومن الضال؟ لأن هذا العلم ليس للأكثرية، بل لله.

تاسعًا: الآية ١١٨ — من إسقاط الأكثرية إلى ضبط المأخذ

بعد ذلك جاءت الفاء: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾. هذه الفاء شديدة الأهمية؛ لأنها تنقل البحث من النظرية إلى الفعل.

فبعد أن قال: لا تطع أكثر من في الأرض، لأنهم يتبعون الظن ويخرصون، وبعد أن قال: ربك هو أعلم بمن ضل ومن اهتدى، جاءت النتيجة: ﴿فَكُلُوا۟﴾ . أي: خذوا، وأدخلوا، واستهلكوا، وانتفعوا، وشغّلوا في نظامكم مما ذُكر اسم الله عليه.

فالأكل هنا لا يُحصر في الطعام الحسي، لأن السياق هنا ليس سياق طعام ، بل سياق مرجعية وطاعة وزخرف وظن وخرص. والأكل في القرآن يدل على إدخال الشيء في دورة الانتفاع أو الاستهلاك أو التملك أو التشغيل، كما في أكل أموال الناس، وأكل الربوا، وأكل التراث.

إذن معنى الآية في سياقها: إذا كانت الأكثرية لا تصلح مرجعًا، وإذا كان الظن والخرص لا يصنعان حقًا، فليكن مأخذكم مما ذُكر اسم الله عليه؛ أي مما دخل تحت مرجعية الله وحكمه وصدقه وعدله.

وقوله: ﴿إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾ يجعل الإيمان بالآيات اختبارًا عمليًا. فليس المؤمن من يقول إنه يؤمن بالآيات، ثم يجعل مأخذه من الأكثرية والظن والخرص. الإيمان بالآيات يظهر في مصدر الأخذ: من أين تأخذ؟ وما الذي تُدخل في وعيك ونظامك؟ وما الذي ترفضه لأنه لم يحمل اسم الله؟

عاشرًا: الآية ١١٩ — حين يتحول الهوى إلى تحريم

ثم جاءت الآية التالية لتكشف أثرًا عمليًا خطيرًا لطاعة الأكثرية: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾.

هنا ينتقل السياق من التحذير من الأكثرية إلى كشف أثرها في باب التحليل والتحريم. فالله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، أي أن باب التحريم ليس مفتوحًا للناس ولا للأعراف ولا للأكثرية ولا للهوى.

فإذا كان الله قد فصّل ما حرّم، فما حجة من يمتنع عمّا ذُكر اسم الله عليه؟ وما حجة من يضيف تحريمًا لم يفصّله الله؟ هنا تظهر خطورة الأكثرية حين لا تكتفي بإنتاج رأي، بل تصنع حكمًا، وتلبس الهوى ثوب الدين، وتمنع الناس مما لم يمنعه الله.

ولذلك قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. ففي الآية ١١٦ كان الإضلال بالظن والخرص، وهنا صار الإضلال بالأهواء بغير علم. فالمنظومة واحدة: ظنّ يلبس ثوب العلم، وخرص يلبس ثوب البيان، وهوى يلبس ثوب الحكم.

ثم ختم بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾، ليبيّن أن الاعتداء ليس فقط في أكل ما حرّم الله، بل كذلك في تحريم ما لم يحرّمه الله، أو منع ما أذن به الله، أو جعل الأكثرية مصدرًا لحكم لم يفصّله الله.

فكما أن أكل الباطل اعتداء، فإن تحريم الحق تحت ضغط الهوى والأكثرية اعتداء أيضًا.

حادي عشر: الآية ١٢١ — من الطاعة إلى الشرك المرجعي

 

ثم يبلغ السياق ذروته في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾

هذه الآية تعيدنا إلى أصل المقال: الخطر ليس في السماع ولا في وجود الجدل، بل في الطاعة. فالآية لم تقل: وإن سمعتموهم إنكم لمشركون، ولم تقل: وإن جادلوكم إنكم لمشركون، بل قالت: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾.

وهذا هو الفرق الحاسم بين المعرفة والطاعة. قد يسمع المؤمن خطابًا مزخرفًا ولا يطيعه، وقد يرى رأيًا شائعًا ولا يجعله حكمًا، وقد يناقش قولًا منتشرًا ولا ينقل إليه المرجعية. لكن إذا أطاعه في مقام الحكم، فقد جعل غير الله شريكًا في مصدر القرار.

ومن هنا نفهم لماذا انتهت الآية إلى الشرك. فالشرك هنا ليس صورة صنمية سطحية فقط، بل هو إشراك مرجعية أخرى مع الله في الحكم والطاعة والتحليل والتحريم. فإذا كان الله قد فصّل، ثم جاء خطاب آخر يجادل ليبدّل التفصيل أو يعطّل الاسم أو يجعل الهوى مصدرًا للحكم، فأطاعه الإنسان، فقد نقل جزءًا من المرجعية إلى غير الله.

ولهذا كان عنوان المقطع كله: لا تجعلوا الأكثرية حكمًا، ولا تجعلوا الظن علمًا، ولا تجعلوا الخرص بيانًا، ولا تجعلوا الجدل المزخرف مصدر طاعة؛ لأن الطاعة في مقام الحكم هي موضع الشرك الخفي.

عاشرًا: المعنى الجامع للمقطع

المقطع من الآية ١١٢ إلى ١١٨ يبني سلسلة دقيقة:

أولًا: هناك منظومة شيطانية توحي بزخرف القول.

ثانيًا: هذا الزخرف يجد أفئدة تصغي وترضى وتقترف.

ثالثًا: الله وحده هو الحكم، وقد أنزل الكتاب مفصلًا.

رابعًا: كلمة الله تمت صدقًا وعدلًا.

خامسًا: الأكثرية لا تصلح مرجعية؛ لأنها غالبًا تتبع الظن والخرص.

سادسًا: الله وحده أعلم بالضالين والمهتدين.

سابعًا: النتيجة العملية: خذوا مما ذُكر اسم الله عليه، لا مما صنعته الأكثرية.

وبهذا يظهر أن آية ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ليست آية ضد الناس، بل آية ضد تحويل الناس إلى حكم. وليست آية ضد الكثرة، بل ضد تأليه الكثرة. وليست آية ضد الشورى أو الحوار أو المعرفة، بل ضد أن يصبح الظن والخرص والشيوع بديلًا عن الكتاب المفصل وكلمة الله التي تمت صدقًا وعدلًا.

الخلاصة

آية الأنعام ١١٦ تهدم أخطر صنم خفي: صنم الأكثرية حين تتحول إلى مرجعية. فالناس قد يكثرون على قولٍ لا علم فيه، وقد يزيّنون الخرص حتى يبدو برهانًا، وقد يصنعون ضغطًا اجتماعيًا يجعل الباطل مألوفًا والحق غريبًا. لذلك جاء القرآن ليقول: لا تطع الأكثرية في مقام الحكم والمرجعية؛ لأن الطاعة هنا تعني نقل القرار من الله إلى الناس. وبعدها مباشرة ردّ العلم إلى الله، ثم أمر بالأخذ مما ذُكر اسم الله عليه، ليبيّن أن المؤمن لا يقيس الحق بعدد القائلين، بل بالمرجعية التي يستند إليها.

الجملة الفاصلة:

الكثرة قد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تصنع حقًا؛ فالحق لا يُوزن بعدد من يقولونه، بل بالاسم الذي يحكمه والمرجعية التي يستند إليها.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى