مقالات

فلمّا قضى زيدٌ منها وطرًا

قراءة في سورة الأحزاب: من إسقاط القول بالأفواه إلى كشف الحرج المصنوع

فلمّا قضى زيدٌ منها وطرًا

قراءة في سورة الأحزاب: من إسقاط القول بالأفواه إلى كشف الحرج المصنوع

المقدمة

ليست آية زيد في سورة الأحزاب قصة زواج عابرة، ولا حادثة شخصية يراد منها إشباع فضول تاريخي، ولا يصح أن تُقرأ ابتداءً من الروايات التي جعلت مركزها رغبة رجل في امرأة. فالآية واقعة داخل سورة لها بناء واضح منذ افتتاحها: سورة الأحزاب تعالج سلطة الأقوال الاجتماعية حين تتحول إلى حقائق تشريعية، وتفكك أوهامًا كان المجتمع يصنعها بلسانه، ثم يرتب عليها أحكامًا كأنها حقائق من عند الله.

ولهذا بدأت السورة بخطاب مباشر للنبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ،

ثم قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ، ثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

هذا الافتتاح لا يمهد لقصة عاطفية، بل يمهد لمواجهة أعراف ضاغطة، ومقولات اجتماعية راسخة، تحتاج من النبي أن يتبع الوحي لا ما استقر في ألسنة الناس ونظراتهم.

ومن هنا تأتي الآية الجامعة:

﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

هذه الآية هي مفتاح سورة الأحزاب، ومفتاح آية زيد خصوصًا؛ لأن السورة لا تبدأ من حادثة زيد، بل تبدأ من قاعدة كبرى: ليس كل ما يقوله المجتمع بفمه يصير حقيقةً أو حكمًا.

أولًا: سورة الأحزاب وسقوط القول المصطنع

تجمع الآية الرابعة ثلاث صور من “الجعل” المنفي:

  1. ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
  2. ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾
  3. ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾

ثم يختمها بقوله: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ . أي أن المشكلة ليست في مجرد اللفظ، بل في اللفظ حين يتحول إلى سلطة تصنع حكمًا غير مجعول من الله.

فالظهار قول بالفم يجعل الزوجة في منزلة الأم، مع أنها ليست أمًا.

والدعوى قول بالفم يجعل الدعيّ في منزلة الابن، مع أنه ليس ابنًا.
والقرآن لا يهدم الرحمة، ولا الرعاية، ولا العلاقة الإنسانية، وإنما يهدم تحويل الدعوى اللفظية إلى حقيقة تشريعية.

لذلك قال بعدها: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾فإن لم تُعرف جهة النسب، قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ . أي أن القرآن لا يطرد الدعيّ، ولا يقطع صلته بالمجتمع، بل ينقله من بنوة مدّعاة إلى أخوة وولاية ومسؤولية صحيحة.

فالقرآن لا يقول أخرجوهم من بيوتكم ، ولا يقول: اقطعوا الصلة بهم ، ولا يقول: لا ترعوهم. بل يقول: لا تجعلوا الدعوى بنوة، ولا تجعلوا القول بالفم نسبًا.

ثانيًا: مفهوم الدعيّ

الدعيّ: ليس هو اليتيم، وليس هو المكفول، وليس هو من أُحسن إليه وربّاه أحد الناس. الدعيّ في سياق سورة الأحزاب هو من أُلحق بموقع أو نسبة بواسطة دعوى اجتماعية منطوقة، حتى صار القول بالفم يحاول أن يمنحه حكمًا أو نسبًا أو منزلة لم يجعلها الله.

لذلك قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ، ولم يقل: وما جعل مكفوليكم أبناءكم ، ولم يقل: وما جعل أيتامكم أبناءكم ، ولم يقل: وما جعل من ربيتم أبناءكم. فالقرآن لا يناقش الرعاية، بل يناقش الدعوى. ولا يهدم الإحسان، بل يهدم تزوير الصفة.

وهنا يظهر الفرق بين الدعيّ والمولى:

الدعيّ هو وصف المشكلة قبل التصحيح: شخص أُلحق بنسبة مدّعاة تريد أن تصنع منه ابنًا بالقول.

أما المولى فهو الوضع الصحيح بعد التصحيح: علاقة ولاية ومسؤولية ورعاية، بلا ادعاء نسب.

لذلك يجب أن نفرّق بين الشخص والعلاقة: الدعيّ نفسه محفوظ الأخوة والولاية، أما الدعوى فهي العلاقة المزوّرة في الاسم والحكم. فالقرآن لا يحتقر الدعيّ، بل يحفظه. ولا يرفض وجوده في المجتمع، بل يضبط موقعه. ولا يمنع رعايته، بل يمنع تزوير نسبه.

ثالثًا: موقع آية زيد داخل السورة

بعد أن قررت السورة أن الأدعياء ليسوا أبناء، يأتي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.،

هذه الآية تمهد لحكم سيصطدم بما استقر في نفوس الناس. فالقضية ليست سهلة اجتماعيًا؛ لأن الوحي سيهدم حرجًا مصنوعًا من قول الناس وموروثهم.

ثم تأتي آية زيد:

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾

 

الآية لا تبدأ باسم زيد، بل تبدأ بوصف: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ . وهذا الوصف مهم؛ لأن الآية لا تبدأ من الاسم، بل من الموقع: شخص أنعم الله عليه وأنعم الرسول عليه، واقع داخل علاقة زوجية وحرج اجتماعي. أما ذكر زيد لاحقًا فيأتي لكشف سبب الحرج لا ليكون بداية القصة .

ثم تأتي الجملة: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ . وهنا يجب الانتباه إلى أن القرآن يستعمل “زوج” للطرف داخل علاقة الاقتران، لا بصيغة “زوجة” التي يغلب عليها في التداول توصيف الأنثى جسديًا أو اجتماعيًا. فالزوج في القرآن طرف في اقتران، وقد يكون الحديث عن الرجل أو المرأة بحسب السياق.

فقوله: ﴿زَوْجَكَ﴾ يدل على علاقة اقتران قائمة، وفيها توتر أو نهاية تقترب. لكن القرآن لا يقول بعد ذلك: “فلما طلّقها زيد”، مع أن الطلاق مفردة قرآنية حاضرة وواضحة ومتكررة. بل قال: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾

وهنا يبدأ موضع البحث الحقيقي.

رابعًا: لماذا لم يقل القرآن: “فلما طلّقها زيد”؟

لو كان المقصود مجرد انتهاء عقد زوجي، لكان لفظ الطلاق كافيًا، وهو لفظ حاضر في القرآن حضورًا تشريعيًا واسعًا. وكان يمكن أن يقال: فلما طلّقها زيد ، أو: فلما فارقها زيد ، أو: فلما سرّحها زيد. لكن القرآن اختار تعبيرًا غير شائع في باب الطلاق: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ .

ثم كرره في الحكم العام: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ . وهذا التكرار يمنع أن يكون اللفظ عابرًا أو مجرد بديل بلاغي عن الطلاق. فالآية لا تريد فقط بيان أن علاقة زيد بها انتهت، بل تريد بيان حالة أعمق من الطلاق: حالة انتهاء الغرض الذي كانت العلاقة قائمة عليه أو مشغولة به. فالطلاق إجراء ، أما قضاء الوطر فهو اكتمال غرض.

والطلاق يصف الانفصال من جهة الحكم ، أما قضاء الوطر فيصف انتهاء العلاقة من جهة الغرض والدافع والتعلق. وهذا فرق مهم جدًا.

فالقرآن لم يرد أن يجعل الحكم متعلقًا بمجرد إجراء الطلاق أو صيغة المفارقة، بل أراد أن يربطه بانتهاء الوطر نفسه؛ حتى لا تبقى للدعوى بعد انتهاء العلاقة سلطة اجتماعية أو حرمة مصطنعة تمنع المؤمنين من الاقتران بمن انتهى وطر الدعيّ منها.

وبعبارة مركزة: لم يقل القرآن: فلما طلّقها زيد، لأن القضية لم تكن طلاقًا فقط؛ بل انتهاء وطرٍ كانت الدعوى تريد أن تُبقي له أثرًا بعد زواله.

خامسًا: دلالة “قضى

الفعل “قضى” في القرآن يدل على الإتمام، والإنفاذ، وإنهاء الأمر إلى حدّه.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ﴾ ، أي أتمه وبلغ نهايته. وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ أي أتممتموها.

وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ ، أي أُنفذ عليه الأمر وانتهت مرحلته. فـ “قضى” ليس مجرد ترك أو قطع، بل إتمام أمر حتى يبلغ نهايته.

 

وعندما يقول: ﴿قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ . فالمعنى أن زيدًا أتم من تلك العلاقة الوطر الذي كان متعلقًا بها، وبلغت العلاقة حدّها من جهته، فلم يعد له عليها حق تعلق أو حرج أو امتداد.

سادسًا: دلالة “الوطر

الوطر ليس مرادفًا للطلاق، وليس مجرد شهوة جسدية كما اختزلته بعض القراءات. الوطر هو غرض ملحّ أو حاجة متعلقة بالنفس أو العلاقة، يبلغها الإنسان ثم تنتهي حاجته منها.

والدليل أن القرآن لم يقل قضى زيد وطره منها ، بل قال: ﴿قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ . فجاءت “وطرًا” نكرة، ولم تُضف إلى زيد. وهذا مهم؛ لأن الآية لا تجعل المرأة موضوع شهوة مملوكة لزيد، بل تتحدث عن وطر تحقق داخل علاقة قائمة ثم انتهى.

والأدق أن نقول: الوطر هو الغرض المتعلق بعلاقة الاقتران حين يبلغ تمامه أو نهايته، سواء كان رغبة أو حاجة أو مقصدًا أو تعلقًا اجتماعيًا أو نفسيًا.

لذلك لم يستعمل القرآن الطلاق هنا؛ لأن الطلاق لا يكشف هذا البعد. الطلاق يقول: انتهى العقد ، أما قضاء الوطر فيقول: انتهى الغرض الذي كانت العلاقة مشدودة إليه، فلا يبقى بعده حرج مصطنع ولا امتداد حكم.

ولهذا كان لفظ الوطر أعمق من لفظ الطلاق في هذا الموضع؛ لأنه لا يصف نهاية الإجراء فقط، بل يصف نهاية التعلق الذي كان يمكن للمجتمع أن يبني عليه حرجًا ممتدًا.

سابعًا: لماذا تكرر الوطر مرتين؟

قال أولًا: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ ، ثم قال: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ . الأول واقعة خاصة ، والثاني قاعدة عامة.

في الواقعة الخاصة: زيد بلغ من تلك العلاقة نهايتها.

وفي القاعدة العامة: إذا انتهى وطر الأدعياء من أزواجهم، فلا تبقى دعوى البنوة مانعًا تشريعيًا على المؤمنين.

فالتكرار مقصود؛ لأن القرآن لا يؤسس الحكم على “طلاق زيد” وحده، بل على قاعدة أعمق:

إذا انتهى الوطر الذي كان للدعيّ في علاقة الاقتران، فلا يبقى للدعوى الاجتماعية أثر يمنع غيره من الاقتران بذلك الزوج.

وهذا لا يعني أن القرآن يدعو الناس إلى خرق العلاقات الأسرية، ولا يعني أنه يحثّهم على التطلع إلى أزواج الأدعياء، بل يعني أن الدعوى اللفظية لا تصنع تحريمًا ربانيًا.

 

 

ثامنًا: أزواج لا زوجات

الآية لم تقل: في زوجات أدعيائهم ، بل قالت: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ . وهذا ينسجم مع استعمال القرآن لمفردة “أزواج” بوصفها أطراف اقتران داخل منظومة، لا مجرد توصيف أنثوي جسدي.

فـ “زوج” في القرآن طرف في علاقة اقتران. وقد يكون الحديث عن الرجل أو المرأة بحسب موقعه داخل العلاقة.

لذلك قال في النبي: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، ولم يقل: زوجاته أمهاتهم . لأن المقصود ليس الجسد الأنثوي، بل الموقع داخل منظومة بيت النبوة.

وكذلك: ﴿أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ . المقصود ليس النظر إلى المرأة بوصفها “طليقة الدعيّ”، بل النظر إلى علاقة اقتران كانت قائمة داخل بنية الدعوى الاجتماعية، ثم انتهى وطرها، فلا يجوز أن تتحول هذه الدعوى إلى حرج تشريعي دائم.

تاسعًا: الحرج في الآية

قال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾

الحرج هنا ليس رغبة مكبوتة تبحث عن إباحة، بل ضيق اجتماعي نشأ من دعوى غير مجعولة من الله.

فالناس جعلوا الدعيّ ابنًا , ثم بنوا على ذلك أن زوجه كزوج الابن. ثم صار الاقتران بها بعد انتهاء علاقة الدعيّ بها حرجًا، لا لأن الله حرّمه، بل لأن المجتمع صنع بنوة بلسانه ثم جعلها مصدر أحكام.

فالآية تعالج هذا الحرج المصنوع. لكن إزالة الحرج التشريعي لا تعني إلغاء المعروف الاجتماعي. فليس كل ما لا حرج فيه مطلوبًا في كل حال. وقد يكون الشيء غير محرم، لكنه غير مناسب في ظرف معين، أو مؤذٍ لعلاقة معينة، أو مخالفًا للمعروف.

وهنا يجب التفريق بين أمرين:

رفع الحرج التشريعي ، والدعوة إلى الفعل اجتماعيًا.

فقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ . لا يعني: افعلوا ذلك، ولا يعني: تسابقوا إلى أزواج أدعيائكم. بل يعني: لا تجعلوا الدعوى المصطنعة مانعًا شرعيًا كالنسب الحقيقي.

فرفع الحرج لا يعني تحويل الفعل إلى مطلب اجتماعي، ولا يعني إلغاء المعروف، بل يعني فقط منع الدعوى المصطنعة من أن تتحول إلى تحريم باسم الله.

وهذا الفرق أساسي؛ لأن القرآن لا يهدم الأسرة، وإنما يهدم الحرج المبني على الزيف.

عاشرًا: لماذا حَضَر النبي في خطاب الواقعة؟

لو كان المقصود مجرد بيان حكم عام، لكان يكفي أن يقال: لا حرج عليكم في أزواج أدعيائكم إذا قضوا منهن وطرًا.

لكن حضور النبي في خطاب الواقعة له وظيفة بنيوية داخل السورة. ذلك أن السورة لا تعالج دعيًّا عاديًا فقط، بل تعالج خطرًا أكبر: أن يتحول مقام النبي نفسه إلى أبوة اجتماعية تنتج أنسابًا وأحكامًا وامتيازات.

لذلك جاءت بعد آية زيد مباشرة: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . هذه الآية تكشف مركز المسألة:

محمد ليس أبًا أسريًا لأحد من رجالكم ، هو رسول الله.

ومقام الرسالة لا يجوز أن يتحول إلى أبوة نسبية تصنع محرمات أو امتيازات أو عائلة مقدسة.

فالآية لا تنقص من مقام النبي، بل تمنع تحويل مقام الرسالة إلى نسب عائلي تُبنى عليه المحرمات والامتيازات.

ومن هنا يظهر معنى حضور النبي في خطاب الواقعة: ليس لأنه طرف في علاقة شخصية، ولا لأن المسألة شهوة، بل لأن الوحي يريد أن يعلن أن مقام النبي لا يصنع نسبًا، وأن الدعوى لا تصنع حكمًا، وأن بيت النبوة ليس مصدر أنساب اجتماعية مصطنعة .

حادي عشر : من قال: ﴿تُخْفِي﴾ و﴿تَخْشَى﴾؟ ضبط القائل والمخاطَب لإسقاط الطرف الرابع

ومن أدق ما يكشف استحالة إدخال الطرف الرابع أن الآية بدأت بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾، فكل ما يليه من أوامر ومواجهة هو من مقول الرسول للذي أنعم الله عليه وأنعم الرسول عليه. فالرسول هو القائل: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، وهو القائل له: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾، وهو القائل له: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. وعليه فالمخاطَب بالإخفاء والخشية ليس الرسول، بل ذلك الشخص الذي أراد مفارقة زوجه، وكان يخفي سبب الحرج في نفسه.

أما قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فليس استمرارًا لكلام الرسول بصيغة المفرد، بل هو إظهار الحكم الإلهي داخل الآية بصيغة الجمع: ﴿زَوَّجْنَا﴾. وهذا التحول من قول الرسول: ﴿أَمْسِكْ﴾ و﴿تُخْفِي﴾ و﴿تَخْشَى﴾ إلى فعل الله: ﴿زَوَّجْنَا﴾ يمنع قراءة الآية على أنها عتاب للرسول أو إدخال له طرفًا في العلاقة. فالرسول في صدر الآية هو القائل والمبلّغ، والمخاطَب هو صاحب الزوج والحرج، وزيد هو سبب ظهور الوطر الذي نشأ عنه الحرج، والمرأة هي محل العلاقة التي صُنِع حولها الحرج؛ أما الطرف الرابع فلا يدل عليه اسم ولا فعل ولا ضمير، ولا تسمح به حركة الخطاب من ﴿تَقُولُ﴾ إلى ﴿أَمْسِكْ﴾ و﴿تُخْفِي﴾ و﴿تَخْشَى﴾ ثم إلى ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ .

الخلاصة

آية زيد لا تُقرأ من خارج سورة الأحزاب، ولا تُختزل في قصة زواج محرجة، بل تُفهم بوصفها حلقة في بناء كامل يبدأ من إسقاط “القول بالأفواه” حين يتحول إلى حكم.

فالظهار لا يجعل الزوجة أمًا ، والدعوى لا تجعل الدعيّ ابنًا ، ومحمد ليس أبًا لأحد من رجال المؤمنين ، وأزواج الأدعياء لا يتحولون إلى محرمات بسبب دعوى اجتماعية غير مجعولة من الله.

أما اختيار لفظ “الوطر” بدل “الطلاق” فهو مقصود لأن القضية ليست مجرد إجراء انفصال، بل انتهاء الغرض والتعلق الذي كان للدعيّ داخل علاقة الاقتران. فإذا قضى الدعيّ من زوجه وطرًا، أو قُضي الوطر داخل علاقةٍ نسبت إليه الدعوى حكمًا اجتماعيًا، فلا يبقى لتلك الدعوى أثرٌ يصنع حرجًا على المؤمنين.

فالطلاق يصف نهاية العقد ، أما قضاء الوطر فيصف نهاية التعلق والغرض. ولذلك كرره القرآن مرتين: مرة في واقعة زيد، ومرة في القاعدة العامة للأدعياء.

وبهذا لا تكون الآية دعوة إلى خرق العلاقات الأسرية، ولا إباحة عبثية للنظر إلى أزواج من رباهم الإنسان، بل إعلانًا أن الدعوى اللفظية لا تصنع نسبًا، ولا تنشئ تحريمًا، ولا تبني حرجًا باسم الله.

فالقرآن لا يهدم الرحمة، بل يهدم الزيف. ولا يقطع الولاية، بل يمنع تزوير النسب. ولا يحول الدعيّ إلى غريب مطرود، بل ينقله من بنوة مدعاة إلى أخوة وولاية صحيحة.

والجملة الفاصلة:

لم يقل القرآن فلما طلّقها زيد لأن القضية لم تكن طلاقًا فقط؛ بل انتهاء وطرٍ كانت الدعوى تريد أن تُبقي له أثرًا بعد زواله. فجاء القرآن لا ليكسر الأسرة، بل ليكسر الحرج المصنوع بقولكم بأفواهكم.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى