مقالات

﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: هل كان القرآن يتحدث عن عدد النساء أم أبعاد المسؤولية؟

الجزء الأول: من حماية اليتامى إلى التكوينات الوظيفية

﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: هل كان القرآن يتحدث عن عدد النساء أم أبعاد المسؤولية؟

الجزء الأول: من حماية اليتامى إلى التكوينات الوظيفية

 

المقدمة: من حماية أموال اليتامى إلى تنظيم عقود النكاح ومسؤوليات البعل

قبل الدخول في شرح الآيات، لا بد من تحديد القضية التي تعالجها، والأطراف المعنية بها، والمصطلحات التي يقوم عليها البحث؛ لأن إغفال هذه الأسس سيجعل القارئ يتعامل مع كل آية وكأنها حكم مستقل، بينما نحن أمام بناء حقوقي مترابط، تتعدد فيه الحالات وتلتقي في غاية واحدة هي إقامة القسط وحماية الحقوق.

أ ) ما القضية التي تعالجها هذه الآيات؟

القضية الأساسية هي وجود يتامى يمتلكون أموالًا وحقوقًا مالية ثابتة لهم، ويُخشى على هذه الأموال من الاستيلاء عليها بالاحتيال، أو التبذير، أو سوء الإدارة، أو استغلال ضعف أصحابها وعدم اكتمال رشدهم.

وقد قرر القرآن ملكيتهم لهذه الأموال صراحة بقوله:

﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]. ثم حذر من أكلها واستبدالها والتصرف فيها بغير حق، وأوجب تسليمها إليهم عند تحقق الرشد.

وهنا نصل إلى نقطة محورية في قراءتنا: لا ينبغي افتراض أن جميع اليتامى الذين تتناولهم السورة يعيشون الحالة الأسرية نفسها، أو أن جميعهم تحت رعاية أمهاتهم أو نساء قائمات على شؤونهم مسبقًا.

فالسورة تعرض، في قراءتنا، حالتين ينبغي التمييز بينهما حتى نفهم وظيفة النكاح في كل منهما :

الحالة الأولى: يتامى يحتاجون إلى تنظيم الرعاية وحماية الأموال.

تظهر هذه الحالة في الآيات الأولى من السورة، حيث يبدأ الخطاب باليتامى أنفسهم، دون نسبتهم إلى نساء بعينهن.

قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2]. فالآية تحدد موضع الخطر: أموال مملوكة لليتامى، قد يتعرض لها من يملك سلطة الإدارة أو التصرف.

ثم تأتي الآية الثالثة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3].

وهنا يظهر السؤال الذي يقوم عليه هذا الجزء من البحث: لماذا جاء النكاح جوابًا عن الخوف من عدم القسط في اليتامى، مع أن المشكلة المطروحة تتعلق بأموالهم وحقوقهم؟

في قراءتنا، يأتي النكاح هنا بوصفه عقدًا ملزمًا يمكن من خلاله إنشاء تكوين للرعاية وتنظيم المسؤوليات، بالاستعانة بما يصلح من قدرات النساء وإمكاناتهن لأداء هذه المهمة.

فالمقصود ليس البحث عن نساء لمجرد إقامة علاقة شخصية معهن، وإنما البحث في كيفية إنشاء منظومة قادرة على رعاية اليتامى وحماية أموالهم وإدارة شؤونهم بما يحقق القسط.

وهنا تكتسب عبارة ﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ أهميتها لأننا نبحث فيها معيار الصلاحية والقدرة على أداء المسؤولية، لا مجرد الاستحسان الشخصي أو الرغبة الجسدية.

كما نبحث ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ بوصفها تكوينات وظيفية تتعلق بتنظيم هذه المسؤوليات، لا بوصفها أعدادًا للنساء.

ولا يعني إنشاء منظومة للرعاية أن اليتيم لا أم له بالضرورة، وإنما يعني أن وجود الأم، إن وُجدت، لا يثبت وحده أن جميع احتياجات الرعاية والإدارة المالية والحقوقية قد نُظمت بالفعل.

الحالة الثانية: نساء قائمات على شؤون يتامى، وتحتاج حقوقهن وعلاقات النكاح المرتبطة بهن إلى الحماية.

تظهر هذه الحالة في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127]. وهنا لا يذكر القرآن اليتامى مجردين من الإضافة، كما في الآية الثالثة، وإنما يذكر ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾.

وفي قراءتنا، هذه إضافة انتساب واختصاص، أي اليتامى المنتسبون إلى نساء يقمن على شؤونهم، وليست وصفًا للنساء بأنهن يتيمات.

وبذلك تختلف نقطة الانطلاق. ففي الحالة الأولى نبحث إنشاء تكوين للرعاية عندما يُخشى عدم القسط في اليتامى ، أما في الحالة الثانية فالنساء موجودات بالفعل، ولهن يتامى يرتبطون بهن، وتظهر مشكلة تتعلق بحقوق هؤلاء النساء والرغبة في نكاحهن، وما قد ينشأ عن ذلك من استغلال أو إخلال بالحقوق.

وهذا ما يفسر أهمية قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾. فالنص هنا يجمع بين عدم إيتاء الحقوق والرغبة في النكاح، مما يجعل العلاقة التعاقدية موضع فحص: هل تؤدي إلى حماية الحقوق أم تتحول إلى وسيلة للانتفاع غير المشروع؟

ومن هنا نفهم لماذا احتاجت هذه الحالة إلى استفتاء؛ إذ لم تعد المسألة مجرد تنظيم رعاية اليتامى، بل أصبحت متصلة بحقوق نساء لهن يتامى، وبعلاقات قد يدخل فيها أطراف جدد، وبما يترتب على ذلك من التزامات ومسؤوليات.

إذن لا نقرأ الآيتين الثالثة و127 بوصفهما صورتين متطابقتين، وإنما بوصفهما معالجتين لحالتين مختلفتين تلتقيان في القضية الحقوقية نفسها.

ففي الأولى ينطلق الخطاب من اليتامى والحاجة إلى إقامة القسط فيهم، ثم يبحث إنشاء علاقات ملزمة لتنظيم الرعاية.

وفي الثانية ينطلق الخطاب من النساء وحقوقهن، ومن اليتامى المنتسبين إليهن، ثم يبحث حماية العلاقات القائمة أو المراد إنشاؤها من الاستغلال والإخلال بالمسؤوليات.

وهكذا يتحدد موضوع البحث منذ البداية: حماية أموال اليتامى وحقوقهم، وفحص دور عقود النكاح في تنظيم الرعاية والمسؤوليات، مع التمييز بين اليتامى الذين تحتاج رعايتهم إلى تنظيم، والنساء القائمات أصلًا على شؤون يتاماهن، وضمان استقلال حقوق الجميع وعدم تحويل العلاقة التعاقدية إلى وسيلة للاستيلاء على الأموال.

تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن

IOQS

المعهد الدولي للدراسات القرءانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى