فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ
الأية 239 سورة البقرة

عند تأمل السياق السابق للآية، يتضح أن الحديث ما زال في ميدان العلاقات الأسرية بعد الطلاق أو الغياب الطويل غير المُعَرّف أو الوفاة، حيث تبرز مسؤوليات مادية وأخلاقية تجاه الزوجة السابقة، والأبناء، والرضع، واليتامى. هذه المسؤوليات هي امتداد لما سماه القرآن الصلوات — أي الروابط والعلاقات التي يجب المحافظة عليها رغم الانفصال — فجاء الأمر الإلهي: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى»، أي الزموا بالمحافظة على ما تبقّى من جسور المودّة والحقوق بعد أن تمزّقت بعض الروابط، سواء بين الزوجين أو بين الأسرتين من الجانبين. أما «الصلاة الوسطى» فهي أرفع تلك الصلات قدرًا وأدقّها خطرًا، وتشير إلى الأبناء الذين يُفرض عليهم واقع جديد بعد الطلاق، قد يعرّضهم للإهمال أو الضياع نتيجة الصراع والنزاع بين الأبوين .
لكن في الواقع العملي، كثير من الرجال قد يرفضون أداء هذه “الصلاة” الاجتماعية، لأنهم يرون فيها عبئًا ماليًا أو مسؤولية مستمرة بعد الطلاق، فيسعون إلى التهرّب منها. وهنا تنشأ حالة الخوف المشار إليها في قوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ…»، أي إذا خفتم من تملّص الطرف المسؤول (غالبًا الزوج) وضياع حقوق الأسرة والطفل.
المرحلة الأولى: “رِجَالًا”
الحل الأول الذي يقدّمه النص الإلهي هو: «فَرِجَالًا»، أي من خلال الرجال الحكماء وأهل الإصلاح، تمامًا كما قال تعالى في موضع آخر: «فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا». هؤلاء الرجال هم العقلاء، الموثوقون، الذين يملكون سلطة أخلاقية واجتماعية لإعادة ضبط “الصلاة” التي اختلّت — أي العلاقة الأسرية بعد الطلاق — بالسعي للإصلاح، وشرح الحقوق، وتهدئة النفوس، وردّ كل طرف إلى رشده.
المرحلة الثانية: “أَوْ رُكْبَانًا”
أمّا إذا لم تُجدِ الوساطة، واستمرّ الرفض والعناد، فإن النص ينتقل إلى الخيار الثاني: «أَوْ رُكْبَانًا». جذر الكلمة «رَكَبَ» يدل على الوصْل والتركيب والإلزام؛ ومنه الرُّكبة التي تصل بين عظمتين لا يمكن فصلهما. وبهذا المعنى يصبح «ركبانًا» إشارة إلى الإلزام القهري المنظّم — أي تدخل المؤسسات الشرعية والقانونية لفرض الالتزام قسرًا على من تهرّب من مسؤوليته.
وهذا يشمل:
- المحاكم الشرعية.
- منظمات الأسرة والطفولة.
- القوانين التي تلزم الأب بالنفقة أو تعويض الضرر.
فالركوب هنا صورة للهيمنة القانونية التي تُرَكّب على عنق المعاند حتى لا تنقطع الصلة نهائيًا، بل تبقى مربوطة بحقوقها الشرعية.
الاطمئنان والعودة للذكر
ثم تأتي عبارة «فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ» لتشير إلى لحظة استقرار الأمر بعد الإصلاح أو الإلزام. فإذا هدأ النزاع وأُقيم العدل، وجب على الجميع العودة إلى الذكر والرحمة، أي إلى الروح الإيمانية التي تُذكّر بحق الله في رعاية الضعفاء، لا بمجرد التقيد الشكلي بالقانون. حتى لو كان الحكم المفروض “ركبة” أي إلزامًا خارجيًا، يبقى على المؤمن أن يُكمّل هذا الإلزام بضميره ورضاه الداخلي، فينفق بالمعروف ويؤدّي حق أولاده وزوجته السابقة طوعًا، لا عن كرهٍ أو تهرّب، وبذلك تتحقق “الصلاة” التي تُرضي الله.
خلاصة البيان
بهذا المعنى، يصبح نص الآية دعوة إلى إصلاح العلاقات الأسرية المقطوعة، عبر مراحل من اللين إلى الإلزام، ومن الإصلاح إلى النظام، حتى تُصان الروابط التي جعلها الله ميثاقًا غليظًا. فالآية لا تتحدث عن صلاة الشعائر ، بل عن صلاة العلاقات التي تمثل جوهر المسؤولية الإنسانية بعد الطلاق، وكيف يجب أن تُدار بعقلٍ، وعدلٍ، ورحمةٍ، حتى لا يُظلم فيها طفلٌ أو امرأةٌ أو يتيم
تابعنا على التطبيق
أندرويد –تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



