مقالات

مفهوم الغفلة في التنزيل الحكيم

كيف تتحول الإهمالات الصغيرة إلى أزمات كبرى

 

مفهوم الغفلة في التنزيل الحكيم:

كيف تتحول الإهمالات الصغيرة إلى أزمات كبرى

 

    1. مقدمة:

ترسخ مفهوم الغفلة في الوعي العام على عدد من المفردات المتجاورة المتقاربة دلاليا، ففريق يفسرها بالسهو والنسيان وفريق آخر يفسرها بالجهل بالأشياء أو بغياب المعلومة،بينما جميع تلك المفردات قد جاء ذكرها في القرآن، وهذا يعني أنه لا يمكن لأي مفردة منها أن تكون تفسيرا للغفلة. فالغفلة ظاهرة إنسانية مركبة، تتعلق بكيفية عمل الوعي وطريقة استجابته للمحفزات الداخلية والخارجية. فهي ليست مجرد لحظة سهو ، بل قد تتحول إلى نمط يجعل الإنسان غير مدرك لعناصر مهمة في حياته أو في محيطه.

يمكن ملاحظة الغفلة في حياتنا اليومية على مستويات متعددة، فعلى صعيد الفرد، نضرب أمثلة كالإهمال المستمر لممارسة عادة مفيدة قد تكون له آثاره المستقبلية على التطور والتقدم ، كل ذلك يتم عبر الغفلة دون وعي بالعواقب. أما على صعيد المجتمع، فعدم الانتباه للانتهاكات الصغيرة للقيم كإلقاء المخلفات في غير موضعها المخصص لها، يجعل هذا الفعل يترسخ في الوعي عبرالزمن حتى يصبح معيارا مقبولا ضمن الثقافة العامة. هذا التغافل الذي لا ينتبه له أحد في بدايته، يوضح أن الانهيارات الاجتماعية الكبرى غالبا ما تنشأ من سلسلة من الغفلات الصغيرة، لا من قرارات مفاجئة او ضغوط خارجية.

تهدف هذه الدراسة إلى بيان أن الغفلة ليست مجرد حالة إدراكية فردية، بل آلية سننية تبدأ بها التحولات الانحرافية الكبرى، إذ تتحول من غياب إدراكي بسيط إلى إعادة تشكيل مرجعي كامل للسلوك الفردي والاجتماعي.

    1. التعريف:

الغفلة حالة إدراكية يغيب فيها عنصر ما من الوعي ، له ميزة التأثير في التوجيه أو التقييم أو القرار، أي يغيب عن دائرة الانتباه أو التقدير، رغم حضوره في الواقع أو أثره في العاقبة، وقد تكون الغفلة حالة عابرة يمكن استدراكها، أوتكون حالة متكررة بحيث يمكنها التحول إلى نمط بنيوي يعطل الاستجابة المناسبة.

والغفلة من حيث أصلها ظاهرة إدراكية محايدة لا توصف بالحسن أو السوء، لأن الوعي لا يستطيع استحضار جميع المعطيات في آن واحد. غير أن التقييم الأخلاقي يظهر بحسب محددات معينة، وتشمل هذه المحددات؛ موضوع الغفلة ومدتها وتأثيرها، وكذلك موقف الإنسان منها بعد التنبيه؛ فإذا استجاب بقيت حدثا إدراكيا طبيعيا، وإذا أصر تحولت إلى موقف إرادي إعراضي لتتشكل منه الغواية واتباع الهوى لاحقا.

ملاحظة:

نقصد بالوعي في هذا المقال قدرة الإنسان العقلية التي تمكنه من إدراك ما له صلة بسلوكه و نتائجه وتقدير أهميته ثم توجيه استجابته بناء على هذا التقدير.أي أنه يتضمن ثلاث وظائف: ملاحظة المعطيات وإدراكها، تقييم هذه المعطيات وتقديرها، وتوجيه السلوك او القرارات بناء على هذا التقييم.

ولأن فهم آلية التحول يقتضي تمييز الغفلة عن الظواهر الإدراكية المجاورة لها، يصبح من الضروري ضبط الفروق المفهومية بينها وبين السهو والنسيان والإعراض كما جاء بمقدمة هذه الدراسة.

3.الفروقات المفاهيمية بين الغفلة والظواهر الإدراكية المجاورة:

3.1 الغفلة

الغفلة حالة إدراكية يتم فيها غياب أو ضعف حضور عنصر ذي صلة بوظيفة التوجيه أو التقييم أو اتخاذ القرار، من دائرة الانتباه أو التقدير، رغم كونه مؤثرا في الواقع أو العاقبة أو المسؤولية. وقد يكون هذا الغياب لحظيا أو متكررا حتى يتحول إلى نمط بنيوي ثابت في الوعي، ويؤدي إلى قصور في إدراك الأهمية أو في الاستجابة المناسبة.

فمثلا مجتمع ما يغفل عن تأثير أفعاله السيئة على البيئة أو المجتمع لسنوات، على اعتبار أنها أفعال صغيرة ليست بذات تأثير، فيتكرر التعدي على القيم أو الموارد دون وعي كامل بالعواقب.

إمكانية التصحيح: الغفلة تحتاج إلى تنبيه متكرر أو توجيه خارجي لإعادة العنصر المفقود إلى دائرة الانتباه، فالمسار الإدراكي غير معطل بالكامل لكنه يحتاج لإعادة تشغيله و ضبط الاستقبال و الاستجابة فيه

3.2: الغفلة و السهو

السهو هو حالة انصراف مؤقت لانتباه الإنسان عن أمر حاضر في دائرة الوعي ، لم يختف تماما، لكن هناك حجب أخرى تعيقه من أن ينتبه و يركز عليه وهو قابل للاسترجاع الفوري.

وللتوضيح أكثر وللتفريق بين السهو والغفلة، يمكن اعتبار الانسان في غرفة، يسلط الضوء على جميع أنحاء الغرفة إلا مناطق معينة لم يصلها الضوء لكنها داخل إطار الغرفة ، فرغم أن الشئ موجود في الوعي لكن لا يتم تسليط الضوء عليه، وهذا ما يمثله السهو.

اما في الغفلة فلم يحدث أن أخذ العنصر المغفول عنه حيزا في الوعي، رغم وجوده، فهو يمكن اعتباره خارج الغرفة منسيا و مهملا في منطقة مظلمة تماما لا يتم تسليط الضوء عليها أصلا.

3.3 الغفلة و النسيان (إدراكي/عملي/ علائقي)

النسيان هو خروج عنصر معرفي أو حقيقة من دائرة الحضور المؤثر على السلوك أو اتخاذ القرار أو على نطاق العلاقة مع مصدر الفعل أو الحق، سواء بسبب غيابه عن الوعي، أو عدم الاستفادة العملية منه، أو نتيجة موقف يؤدي إلى إخراجه من دائرة العناية.

ومن هذا التعريف فنحن أمام ثلاثة مستويات من النسيان:

3.3.1 نسيان إدراكي: وهو فقدان مؤقت للاستحضار بسبب غياب المعلومة عن الانتباه، ونعطي مثالا له نسيان رسول الله موسي في قصته مع عبدالله في سورة الكهف

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) } [سورة الكهف: 72 إلى 73]

3.3.2 نسيان عملي: وهنا المعلومة موجودة ولكن لم يستفاد منها في توجيه السلوك. ونعطي مثالا له نسيان آدم النهي عن الشجرة، فالمعلومة موجودة في الذهن، وهي النهي عن الشجرة لكنه لم يطبقها في السلوك الصحيح.

3.3.3 النسيان العلائقي / الجزائي

وهو إخراج الإنسان من دائرة العناية أو الرعاية من قبل جهة فاعلة، نتيجة تجاهل الإنسان للحق .والسبب هنا موقف إرادي متعمد للحق، وعدم الالتفات له.

غالبا يقابل بالجزاء أو الحرمان، والإخراج من دائرة الرعاية والاهتمام، نتيجة لتأثيره على العلاقة مع الجهة العليا. نجده في حالة الكافرين من اصحاب النار

{وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [سورة الأعراف: 50 إلى 51]

هذا النوع من النسيان قد تمارسه المؤسسات أيضا على بعض أفرادها، حين يكون هناك تقصيرا واضحا من الأفراد في العمل برغم وضوح المطلوب، فتقوم المؤسسة مثلا بتأخير الترقيات كنسيان جزائي للأفراد المقصرين.

 هذا عن النسيان العلائقي، اما النسيان الإدراكي او العملي فلا ينسبه الله لنفسه، فلا ينسى ابدا إذ أنهما يتعلقان بغياب المعلومة مؤقتا كما في الإدراكي أو دورها في توجيه السلوك كنسيان عملي.

{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ (51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) } [سورة طه: 51 إلى 52]

3.4 الغفلة و الإعراض

الإعراض هو تجاهل مقصود و مقاومة لشيء حضر في دائرة الوعي، حيث يعلم الشخص أو يدرك الأمر لكنه يرفض الاهتمام أو التنفيذ، وغالبا يرتبط بمقاومة أو رفض للمعيار الأخلاقي أو الحق.

مثال: شخص يعلم أن الرشوة أو الكذب في العمل خطأ، لكنه يتجاهل ذلك عن قصد ويواصل الفعل.

إمكانية التصحيح: الإعراض يحتاج إلى وعي جديد أو ضغط خارجي لتغيير الموقف، لأنه يرتبط برغبة أو موقف إرادي، فلا يصحح بمجرد التذكير مثل السهو.

الخلاصة باختصار شديد للتذكير:

خارج دائرة الوعي……… غفلة.

داخل دائرة الوعي دون تركيز……….. سهو

العنصر معروف ولكنه غير مستحضر…… نسيان

العنصر حاضر و مرفوض…….. إعراض

   مستويات الانهيارمن الفرد إلى المؤسسة:

يمكن تتبع مسار التحول الناتج عن الغفلة عبر ثلاثة مستويات مترابطة من الانهيار:

    • المستوى الفردي الإدراكي: حيث يحدث القصور في ملاحظة الانحراف أو تقدير خطورته.
    • المستوى الاجتماعي التطبيعي: حيث يتكرر الانحراف دون مقاومة حتى يصبح مألوفا ومقبولا ضمن الممارسة اليومية.
    • المستوى المؤسسي المعياري:

هنا يعاد تنظيم القواعد أو الإجراءات بما يتوافق مع السلوك المنحرف، فيتحول الانحراف من ممارسة واقعية إلى معيار رسمي أو شبه رسمي.

وعند هذا المستوى الأخير يصبح الانحراف بنية مستقرة يصعب تفكيكها لأنه لم يعد مجرد سلوك، بل نظام محمي تم إعداده للتنظيم والتوجيه، وهو يمثل النقطة الحرجة {العتبة} والبداية الفعلية لمسار الفتنة التي ستعم المجتمع لاحقا.

    1. محددات التقييم الأخلاقي للغفلة:

المحددات يقصد بها المعايير أو العوامل التي نحدد على أساسها هل الغفلة مذمومة أخلاقيا، معذورة أم حيادية.

أولا: من حيث الطبيعة الإدراكية الخالصة

الغفلة في ذاتها ليست آلية في عمل الوعي, وانما نتيجة طبيعية له، وهي ليست حكما أخلاقيا في ذاتها، فالوعي البشري محدود بطبيعته، ولا يستطيع استحضار كل شيء في كل لحظة، لذلك يحدث دائما نوع من الانتقاء الإدراكي فيتم استحضار أشياء بينما تغيب أشياء أخرى.

يقول تعالى:

{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}

[سورة القصص: 15]

فدخول رسول الله موسى المدينة كان على حين غفلة من أهلها، والغفلة هنا تشير إلى قصور معرفي سببه خلو أذهانهم و انقطاع انتباههم عن ما يحدث في البيئة المحيطة، فهي هنا ليست خللا ادراكيا أو أخلاقيا.

بهذا المعنى، تصبح الغفلة مثل النوم أو التعب أو التركيز الانتقائي ليست خيرا ولا شرا بذاتها، بل خاصية من خصائص الإدراك الإنساني المحدود.

ثانيا: الغفلة كمرحلة معرفية

من أنماط الغفلة التي لا تعد خللا إدراكيا ولا تقصيرا أخلاقيا، الغفلة الناشئة عن عدم وصول المعرفة أو عدم وقوع البيان بعد. فالوعي لا يكون مطالبا بما لم يعرض عليه أصلا. وقد وصف القرآن حالات سابقة على نزول الوحي بأنها غفلة، أي غياب للعلم قبل حصوله من مصدره، فهو تعطيلا لوظيفة الإدراك، وإنماغفلة زمنية معرفية، تزول بمجرد البيان.

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة يوسف: 3]

فالآية تؤسس لقاعدة معرفية عميقة جدا وهي أن الغفلة قد تكون مرحلة طبيعية في مسار تشكل المعرفة، وهي تختلف كثيرا عن تلك الغفلة الإرادية التي تأتي بعد وصول الحق والبيان للناس، حيث يظهر فيها الحكم الأخلاقي.

ثالثا: الغفلة من حيث الموضوع والمدة

هنا يبدأ التقييم الأخلاقي، فالتقييم لا يتعلق بوجود الغفلة نفسها وإنما بموضوعها، أي ماهية  الذي غاب عن الوعي؟ وكم استمرت الغفلة؟

 فالغفلة عن الظلم، أو الخطر، أو المسؤولية، أو الحق  تتحول إلى خلل أخلاقي لأنها تعطل وظيفة الوعي في موضع يجب أن يعمل فيه.

{إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) }

[سورة يونس: 7 إلى 8]

هؤلاء جاءتهم الآيات وتركوها جانبا بعيدا عن دائرة اهتمامهم وانشغلوا بالحياة الدنيا فقط، مع استمرارهم وبقائهم في هذه الغفلة.

رابعا: من حيث الموقف من الغفلة بعد التنبيه

إذا تم تنبيه الإنسان إلى ما غفل عنه فاستجاب بقيت الغفلة حدثا إنسانيا عاديا.

أما إذا أُصر على البقاء في الغفلة رغم التنبيه، فهنا تتحول من ظاهرة إدراكية إلى موقف إرادي إعراضي مقاوم. وهذا النوع أشارت له بدايات سورة الأنبياء

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَـٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (3) } [سورة الأنبياء: 1 إلى 3]

هنا الخلل الإدراكي و الأخلاقي واضح جدا حيث قلوبهم لاهية عن الحق، مستمرون في اللعب والانشغال عن الذكر ، ثم يقاومون الدعوة للحق إعراضا عنه، وهنا تحولت من مجرد غفلة بالوصف إلى سلوك مقاوم وانفصال كامل عن مرجعية الحق واتبعوا أهواءهم وهو المسار الحتمي للغفلة إن لم يتم تصحيح الموقف المعارض الحق.

بعد أن استعرضنا محددات الغفلة ننتقل لبيان دور الغفلة في مسار الفتنة حيث ما تمثله الغفلةهنا هو صمت وعدم انكار في بدايات الانحراف ممهدة لسلسلة من الانهيارات الأخلاقية والمعرفية.

    1. الغفلة كـنقطة بداية لمسار الفتنة:

في مقال سابق عن الفتنة وفي جزئية القانون السنني للفتنة  سأقتبس النص الآتي:

 “يبدأ مسار الفتنة بخرق واضح لميزان الحق: ظلم، تمييز، فساد، أو تجاوز للحدود الأخلاقية أو القانونية. يكون هذا الانتهاك في بدايته محدودا، قابلا للإنكار والتصحيح، ومكشوفا لمن يملك الحد الأدنى من الوعي”

في بداية هذا المسار تمثل الغفلة عدم ملاحظة الانحرافات الصغيرة أو الممارسات غير الصحيحة، سواء بسبب ضعف الوعي أو عدم قدرة أفراد المجتمع من الإلمام عن ما يجري حولهم. أي صمت عن الظاهرة دون قصد أو مقاومة.

عندما يتكرر الانحراف أو الخطأ ولا يتم الانتباه له، يصبح الصمت وعدم الإنكار نمطا تلقائيا، ويظل الغافل صامتا لا يعترض ولا ينكر، لأنه لم يكن واعيا بالخطورة أو الخلل، أو لأنه لم تعرض عليه الحقائق بعد.

هنا الغفلة تعمل كمسرع للفتنة، لأنها تسمح للخطأ أو الانحراف بالانتشار دون رادع أو تصحيح.

5.1 آلية التحول من الغفلة إلى التطبيع:

لا تعمل الغفلة في الفتنة بطريقة عشوائية، فهي تعمل على نشر الانحراف عبر آلية نفسية واجتماعية متدرجة يمكن ملاحظتها في أغلب التحولات السلوكية الجماعية كما يلي:

    • انخفاض الحساسية الأخلاقية

عندما يتكرر الانحراف دون إنكار أو تصحيح، يعتاد الوعي وجوده، فينخفض شعور الاستغراب أو الرفض الأولي له.

    • إعادة تعريف السلوك

بعد الاعتياد، يعاد تفسير الفعل المنحرف بوصفه حالة عادية أو ظرفية  مبررة، فينتقل من خانة الخطأ إلى خانة المقبول.

    • التبرير المعرفي

يبدأ الأفراد في إنتاج مبررات عقلية وسياقية للسلوك، مثل قولهم الجميع يفعل ذلك، أو أن الضرورة تحتم علينا ذلك الفعل.

    • إعادة بناء المعيار الاجتماعي

مع استمرار التبرير الجماعي، يتحول السلوك من استثناء متسامح معه إلى معيار ضمني من معايير التعامل.

بهذه الآلية لا يبقى الانحراف مجرد فعل متكرر، بل يتحول تدريجيا إلى جزء من البنية القيمية للمجتمع، وهنا تبدأ الغفلة في إنتاج تحول معياري حقيقي.

ومع استمرارهذا التطبيع، لا يكتفي الغافل بالصمت، والتبرير له، بل ينتقل تدريجيا إلى الدفاع عن الفعل الانحرافي، ثم إلى إعادة إنتاجه خطابيا واجتماعيا، فيتحول من متلق سلبي للانحراف إلى وسيط نشط في نشره، ناقلا المزيد من الغافلين للعب دور المعرضين عن الحق والمكذبين به، ليصدق فيهم قول الحق عز وجل:

{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}[سورة الأعراف 146]

الآية أعلاه من سورة الأعراف تؤكد خمس نتائج مباشرة متتالية بسبب الاستمرار في الغفلة، وكان الإعراض والمقاومة والتكذيب بالحق هو آخر هذه النتائج ، وهو ما يعني نقل المرجعية عن الحق كليا، وتسليم القيادة للهوى يقودهم بالاندفاع الرغائبي فقط بلا بوصلة.

    1. تطبيقات الغفلة الانهيار الاجتماعي

نذكر هنا بعض الأمثلة للانهيار الاجتماعي توضح كيف تقود الغفلة المتكررة إلى تداعيات كبيرة.

6.1 الفساد الإداري الصغير الذي يصبح نظاما كاملا

في البداية يتسامح الناس عن مخالفة صغيرة؛ رشوة صغيرة لتسريع إجراء ما او مجاملة غير قانونية، أو تجاوز إداري محدود، لا أحد يراه خطرا كبيرا، ولكن مع الوقت يتكرر هذا التغافل و التساهل حتى تصبح هذه الممارسات عرفا وتقليدا اجتماعيا ثم تتحول إلى معيار غير معلن وبعدها يصبح رفضها هو أمرا منكرا ويسود الفساد في المؤسسات وتنهار القيم.

الانهيار هنا لم يبدأ بفساد ضخم، وإنما غفلة جماعية عن خطورة المخالفات الصغيرة حين ظهرت أول مرة.

6.2 تآكل الثقة العامة في الأسرة و المجتمع

يبدأ الأمر بسلوكيات نراها صغيرة مثل كذبة بيضاء نكررها او وعود صغيرة لا ننفذها، فنبرر التحايل لأن الجميع يفعل ذلك و الناس لا ينتبهون لتأثير هذه السلوكيات على المدى الطويل.

لكن بعد سنوات ،فلا أحد يثق في أحد إلا بإيمان غليظة والعقود لا تبرم إلا  بضمانات معقدة وتصبح العلاقات الاجتماعية حذرة ومتوترة.

هنا تنهار الثقة بوضوح والسبب ليس عبر قرار جماعي ولكن عبرغفلة طويلة عن قيمة الصدق اليومي الصغير و التكرار المستمرله فتراكم عبر الزمن ليسبب شروخا أسرية و مجتمعية خطيرة.

6.3 التطرف الفكري أو الاجتماعي:

في البداية نجد خطابات متشنجة سواء من التكتلات السياسية او الإثنيات العرقية او الطوائف الدينية، خطابات تقسو على الآخرين بلغة إقصائية أو تحريضية تبدو قليلة وانفعالية فقط في بدايتها وستزول، هكذا يراها المجتمع، فلا يرى فيها مصدر خطورة.

لكن مع تجاهل هذه الخطابات سيتطبع المجتمع مع هذه اللغة العنيفة وتقل حساسية رفضه إياها ويصبح تطرفا مألوفا ثم يتحول إلى سلوك وصراع و عنف فعلي.

هذا العنف لم يبدأ فجأة بكل ضخامته و تأثيراته، وإنما بسبب غفلة الناس عن الخطاب الأول الذي وصفوه بحالة انفعالية ثم تراكم فأصبح حالة ثقافية عامة أنتجت حروبا وانقسامات مجتمعية  تقسيم لبعض البلدان واختفاء أخرى.

6.4 تدمير البيئة المحلية:

إلقاء مخلفات بسيطة داخل الحي او القرية يتم السكوت عليه والتغاضي عنه، يتبعه تجاوز بسيط هناك، ويستمر التغافل.

لكن بعد فترة يتسبب في تلوث وأزمات صحية وبيئية وسياحية.

الضرر لم ينشأ فجأة، بل من غفلة مستمرة عن التراكم البطيء للأثر الأول.

6.5 تبذير الأموال والاستهلاك الرغبوي:

 تعمل الغفلة في مجال الاستهلاك وتبذير المال بوصفها حالة انقطاع عن الوعي الحقيقي بقيمة الموارد وحدود الحاجة. فالفرد الغافل لا ينفق بدافع ضرورة مدروسة، بل بدافع اندفاع لحظي أو تقليد اجتماعي غير واع أو إشباع نفسي مؤقت لإثبات المكانة ، دون أن ينتبه لعواقب التراكم أو لتآكل قدرته المالية على المدى البعيد. وهكذا يتحول الإنفاق على الإندفاع اللحظي الرغبوي إلى سلوك تلقائي ، ومع استمرار هذا النمط، تتسع دائرة الغفلة من مجرد تصرفات فردية إلى ثقافة استهلاكية عامة، حيث يصبح الإسراف أمرا مألوفا لا يناقش، في هذه الحالة لا يدرك الفرد أنه يستهلك أكثر مما يحتاج، لأنه فقد الحس المعياري الذي يميز بين الكفاية والزيادة، وبين النفع الحقيقي والإشباع المؤقت.

وبذلك فتبذير المال ليس دائما نتيجة رغبة واعية في الإسراف، وإنما في الغالب ثمرة غفلة متراكمة عن الحساب، وعن المستقبل، وعن استسهال المصروفات الصغيرة المتكررة والتي تتحول عبر هذا التكرار إلى نمط ثابت من الصرف اللا واعي. وعلاج هذه المشكلة لا يبدأ بالمنع، بل بإعادة بناء الوعي، وعي القيمة، ووعي الأولويات، ووعي الأثر البعيد لكل قرار إنفاق وإن كان يبدو صغيرا.

ما تم ذكره أعلاه مجرد أمثلة فقط ويمكن التعميم ليصل إلى مؤسسات التعليم والقانون والجيش و غيره.

الخلاصة:

يقدم لنا القرآن نماذج كثيرة للانهيارات الاجتماعية الكبرى ويوضح  بأنها لا تبدأ دائما بقرارات مصيرية كبرى، ولا بأحداث مفاجئة بل بغفلات صغيرة لا يلتفت إليها أحد في بداياتها. فيتم التسامح معها باعتبارها حالات عابرة ، ثم تتكرر مع الوقت لتتحول إلى أنماط مألوفة، ثم إلى بنية ثقافية يصعب تفكيكها. وهكذا يسقط المجتمع لأنه لم ينتبه مبكرا لما كان يتشكل ببطء أمام عينيه.

    1. القانون السنني العام للتحول الانحرافي

تعمل آلية الانهيار على مراحل مترابطة غير عشوائية :

    • الغفلة المبكرة: تساهل أو إهمال صغيرلا يرى في حينه .
    • تكرار الغفلة: الاستثناءات تتكرر، وتبدأ بالتحول إلى اجتماعي معتاد ومقبول.

غير أن هذا التحول لا يحدث بصورة خطية مفتوحة، بل يمر بما يمكن تسميته بالعتبة الحرجة. وهي النقطة التي يتجاوز فيها انتشار الانحراف حدا معينا من التكرار أو القبول، فيتحول من سلوك فردي متفرق إلى نمط اجتماعي ظاهر.

قبل هذه العتبة يبقى الانحراف قابلا للاحتواء والتصحيح، أما بعدها فيصبح جزءا من البيئة الثقافية العامة، ويبدأ المجتمع نفسه في إعادة إنتاجه بصورة تلقائية.

و يتحقق الوصول لهذه العتبة بأحد الشروط التالية:

عنما يصبح رفض الانحراف مكلفا.

عندما تصبح ممارسة الانحراغف أكثر شيوعا من الامتناع عنها.

وعندما تتدخل المؤسسة لحماية هذا الانحراف.

    • الإعراض: وهنا نصل لمرحلة حاسمة تنقل فيها الغفلة من كونها غياب للادراك إلى مقاومة للإدراك حيث تتعطل وظيفة التقييم الأخلاقي، فلم يعد الوعي جهاز توجيه، بينما السلوك لن يبقى بلا موجه فيأتي الهوى ليستلم زمام القيادة والتوجيه، هنا نستطيع القول بأن الانحراف البنيوي الحقيقي قد بدأ في التشكل.
    • انقلاب المرجعية: هنا يستبدل توجيه الحق بتوجيه الهوى المتمثل في الرغبات المتقلبة بلا بوصلة.
    • الترسخ الثقافي: هنا تحولت العادات الصغيرة إلى ثقافة أو بنية سلوكية عامة وصار الانحراف معيارا اجتماعيا وفقا لمرجعية الهوى، مع الاستعداد الكامل للدفاع عن هذه المرجعية.

ولا يسير مسارالانحراف في اتجاه واحد فقط، بل يعمل أيضا بطريقة دائرية متكررة. فكلما ترسخ الانحراف في الواقع، انخفضت حساسية الوعي أكثر، مما ينتج غفلة جديدة أعمق من السابقة، تسمح بدورها بمزيد من الانحراف.

وبذلك تتكون حلقة تكرارية مغلقة: غفلة…… فإنحراف……..تطبيع…. انخفاض الحساسية…. ثم غفلة أعمق.

ومع كل دورة من هذه الحلقة تتآكل القدرة على الإدراك النقدي والتصحيح المبكر، حتى يصبح الانهيار نتيجة طبيعية لمسار طويل من التعطيل التدريجي لوظيفة الوعي.

    • الانهيار الكلي: تتضح آثار الغفلة في شكل انهيارات مؤسسية، تضاؤل الثقة العامة، الانقسامات، أو الإفراط في استهلاك الموارد.

تمثل الآلية أعلاه القانون العام للانحراف؛ فكل انحراف يبدأ بانحراف ادراكي غير مقاوم، يتحول إلى انحراف بنيوي عندما يفقد الوعي وظيفة التقييم، ويكتمل عندما تنتقل المرجعية من القيم إلى الرغبة.

 إن فهم هذه الآلية السننية التي يقدمها المنهج القرآني، تتيح للأفراد والحكومات والمؤسسات والمجتمعات المحلية تشخيص الانحراف في مراحله المبكرة،  فيتم التعامل معه عبر سبل الوقاية الاستباقية  لتمنع تشكل شروط الانهيار اللاحقة. فجوهر المنهج القرآني لا يعالج السقوط بعد وقوعه ولكن ليمنع مساره من التكون منذ بدايته.

الاستاذ خالد الزاحم

الأستاذ خالد الزاحم باحث مهتم بالدراسات القرءانية، كرّس سنوات طويلة في تحليل نص القرءان الكريم، ونشر العديد من المقالات المتخصصة في البحث القرءاني، حيث يتميز بأسلوب دقيق ورؤية عميقة تسعى إلى فهم النص وفق سياق النظم القرآني الداخلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى