أبحاثيتدبرون

مبحث عن كلمة النشز في القرآن الكريم

مقدمة:

هذا المبحث عن دلالة كلمة نشز في اللسان العربي وفقا لمنهجي الدلالي الذي أقوم فيه بإرجاع أي إشتقاق الى أصله الثلاثي والكلمة الثلاثية عادة تتكون من كلمتين ثنائيتين تشتركان في حرف يربطهما مثلا كلمة (تشكرون) أصلها الثلاثي (شكر) وتتكون من ( شك) و (كر) ويرتبطان بحرف الكاف في الوسط، وكلمة (ننشزها) أصلها الثلاثي هو (نشز) ونشز تتكون من (نش) و (شز) ويرتبطان مع بعضهما بحرف الشين وهكذا.

بعدها أقوم بالبحث عن معنى الكلمة بمعرفة الاشتراك في المعنى بينها وبين بقية الكلمات المشتركة معها في حرفين، بالاضافة لمعرفة دلالة كل حرف من الحروف المكونة للكلمة، وكل هذه الوسائل للوصول لمعنى للكلمة يكون أفضل ما يمكن ليعطينا دلالة مُثلى لمعنى الكلمة المحددة في القرآن والمعنى الثلاثي دوما يكون مجردا من أي اصطلاح أو اتجاه أو زمان.

اتجاه المعنى:

الكلمات الثلاثية في اللسان العربي يكون معناها مجردا من أي اتجاه الحركة الفعل، والاتجاه تحدده الضمائر المتصلة أو المنفصلة أو سياق الخطاب، وحركة المعنى يحدده التشكيل على الكلمة، فمثلا كلمة (بعث) لا إتجاه لها، ولكنها في كل آية تدل على أن البعث له إتجاه مختلف مثل الأمثلة التالية:

  • (ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ)
  • (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ)
  • (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)
  • (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا)
  • (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا)
  • (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)

من مفهوم (إتجاه المعنى) وصلنا الى أن كلمة (نشز) لها معنى محدد وفقا لمكوناتها الحرفية ولكن المعنى لا يدل على إتجاه حركته، مما يعني أنها في كل آية يمكن أن يكون لها إتجاه مخالف ولكن مع ثبات المعنى في كل حالة، وهذا هو المنهج الذي قمنا به بمحاولة إستنباط دلالة للكلمة في كل آية مختلفة.

دلالة كلمة نشز:

الكلمة تتكون من (النون) و (الشين) و (الزاي) وتشترك مع الكلمات (نشر، نشل، نشب، نشف) في الحرفين النون والشين مما يفيد إشتراك في جزئية من المعنى معهم وال (نش) تفيد حركة تحرر أو تغيير من حالة سابقة إلى حالة جديدة.

أما دلالة الحروف فأخذتها عن طريق ادخال كلمات مشتركة الحرف وادخال معانيها الى أي من انظمة الذكاء الاصطناعي وسؤاله عن معنى الحرف المحدد وفقا لمعاني الكلمات، وعليه خرجت بالمعاني التالية للثلاث حروف المكونة لكلمة نشز:

حرف النون:

  1. الابتداء والانبثاق من أصل أو مقرّ، مع أثر أو انتقال محسوس.
  2. يمثل حرف النون جوهر الحركة الخفيفة، أو السريعة، أو التدريجية، التي تنطوي على تغيير في الموضع أو الحالة.
  3. يشير إلى بداية حركة خروج أو تحول من حالة ضمنية إلى حالة صريحة.
  4. النون (ن) صوت (أنفي مجهور) فيه ليونة وامتداد داخلي يخرج بانفتاح مع مرور الهواء عبر الخيشوم، يدل على الانبثاق أو الابتداء من أصل مستقر مع أثر ظاهر.

المعنى الشامل للنون: الانتقال أو الابتداء من نقطة ثابتة مصحوبا بحركة أو أثر محسوس.

حرف الشين:

  1. حرف الشين يضيف إلى الجذر معنى التحرر من القيد أو المركز في اتجاهات متعددة، مما يخلق حالة من الامتداد أو التشعب أو الخشونة.
  2. تظهر الشين كرمز للحركة التي تتجه إلى الأعلى أو إلى الخارج.
  3. الشين تدل على حركة انبعاثية أو انفراجية من الداخل إلى الخارج، تتخذ صورًا مختلفة: انتشار، اهتزاز، ارتفاع.
  4. الشين (ش): صوت احتكاكي مهموس ممتد ينتشر الهواء فيه على سطح واسع، فيه تشعب ووشوشة انبعاث وانفراج وانتشار.

المعنى الشامل للشين: الانتشار التحرر والامتداد من نقطة مركزية إلى الخارج، الحركة التي تخرج من حالة مقيدة أو مركزة نحو حالة أوسع وأكثر انتشاراً أو ارتفاعاً.

حرف الزاي:

الهز، الفز، اللز.

  1. الحرف يرمز إلى قوة مضغوطة تنفجر أو تنبعث أو ترتفع أو تنضغط.
  2. نوع من الحركة القوية، سواء كانت صعودًا (ارتفاع)، أو دفعًا (طعن)، أو اهتزازا واضطرابا.
  3. التوتر والضغط المتراكم الذي يبحث عن التفريغ أو يسبب صعوبة.
  4. الزاي (ز): صوت صفيري مجهور فيه حدة وحدة اهتزازية، أقوى وأشد من الشين وقوة مضغوطة أو اندفاعية.

المعنى الشامل للزاي: حركة اندفاع اهتزازية نتاج لضغط.

وعليه:

  • النون: حرف يدل على حركة تبدأ وتنطوي على حالة تغيير في الموضع أو الحال.
  • الشين: حرف يدل على التشعب والانتشار.
  • الزاي: حرف يدل على ضغط واهتزاز واندفاع.

دلالة كلمة نشز: هو حركة تنطوي على تغيير موضعي أو فكري من حالة سابقة الى حالة جديدة بتشعب وانتشار واندفاع أو تدل على التغير من حالة ثابتة إلى حركة غير مستقرة أو ممتدة.

يعني النشز هو حركة تغيير من حال الى حال بتشعب وانتشار واندفاع.

ومن هذه الدلالة الغير متجهة سنقوم بقراءة كل الآيات التي وردت فيها كلمة نشز بإشتقاقاتها المختلفة لنستنبط دلالتها في كل موقع.

1 / نشز العظام:

(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

البقرة 259

النشز هو حركة تقود الى تغيير من حالة سابقة الى حالة جديدة مع تشعب واندفاع والعظام هنا هي التي يقوم عليها النشز، والضمير على الكلمة يقودنا الى اتجاه حركة الفعل وتشكيل الكلمة يعطينا الحركة الموجية للمعنى أو المنحنى الدلالي للمعنى.

شكل الكلمة:

الشكل على الكلمة هو الحركات من فتح وضم وكسر وسكون والذي يكون فوق كل حرف من حروف الكلمة، وكل شكل له دلالة، وتشكيل الكلمة مع بعضه يعطى المنحنى الذي يبين حركة المعنى أو تموج المعنى، لذلك فإن التدقيق على شكل الكلمة يعطينا دلالة أعمق لحركة المعنى. وسنقوم بتطبيق هذا المنهج على الكلمة التي نريد أن نصل الى دلالتها وهي كلمة (نُنْشِزُهَا).

نلاحظ أن النون الأولى عليها ضم والنون الثانية ساكنة والشين عليها كسر والزاي عليها ضم والهاء عليها فتح وآخر الكلمة الف مد او الف اظهار.

ومن دلالات الحركات:

الكسرة على الحرف تدل على إتجاه المعني الى الداخل.

الفتحة على الحرف تدل على انفتاح المعنى الى الخارج.

الضمة على الحرف تدل على ضم المعنى وتجمعه.

السكون تدل على عدم الحركة وأن المعنى ساكن لا إتجاه لها.

وعليه وفقا لدلالات الشكل فتبيان حركة معنى (نُنشِزُهَا) يكون كالآتي: الضم على النون يفيد تجمع الدلالة ثم سكونها ثم الكسر يدل على اتجاه المعني الى الداخل ثم الضم يدل على تجمعه ثم الفتح والاظهار وفقا للالف، ومادام حركة النشز تمت على العظام وعليه فإن بيان النشز أو حركة التغيير التي تمت على العظام يكون كالآتي:

تنضم وتتجمع العظام الى بعضها البعض ثم تسكن وتلتصق ثم تتداخل وتنضم وتتجمع مرة أخرى ثم تنفتح وتظهر أي أن المنحنى البياني للحركة هي انضمام يتبعه سكون ثم تداخل وانضمام وانفتاح وظهور.

مما يعني أن النشوز في آية العظام هنا يفيد أن حركة التغيير على العظام تبدأ من تجمعها والتصاقها وأخيرا ظهورها في شكلها الأخير والذي بعده يكون كسوها باللحم، مما يعني أن حركتها ليست التصاق كامل وليست ابتعاد إنما حركة تداخلية.

2 / نشوز النساء:

قلنا أن كلمة نشز كلمة تعني التغيير من حال الى حال بتشعب واندفاع ولكن ليس لها اتجاه للمعنى، واتجاه المعنى نعرفه من سياق كل آية، وعليه سنقوم بدراسة حركة واتجاه كلمة نشوز في آية القوامة:

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) النساء 34

الآية عبارة عن واجبات وحقوق طرفيها الرجال والنساء ومن دون الدخول في الدلالات التجريدية للكلمتين، نتعامل معها بالمفهوم السائد بأنهم نوع الرجال ونوع النساء، فالرجال قوامون على النساء وفقا لمبدأين، المبدأ الأول هو الفضل والفضل هنا يشمل كل صفات الحماية والاشراف والمسؤولية والعناية بالأسرة والتي تتفاوت بين رجل وآخر لذا (فضل الله بعضهم على بعض) تخص تفاضل الرجال والمبدأ الثاني هو الإنفاق من الأموال على الأسرة، وهذين هما واجبات الرجال على النساء وحقوقهن عليهم. بالمقابل على الرجال اذا قاموا بواجبهم على النساء لهم عليهم حقوق محددة اذا التزموا بها فيعني أنهن صالحات وفقا لمبدأ القوامة التي تشمل الحقوق والواجبات) لذلك قال (فالصالحات) وفقا لهذا المبدأ قانتات حافظات للغيب وهذا هو حق الرجال عليهن انطلاقا من قوامتهم عليهم ومحصورة على أن يكونوا قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، والقنوت وفقا لدلالة الكلمة هو الخضوع وكف النفس عن الكلام بمعنى أنهن ملتزمات بالاتفاق وخاضعات له، وحفظ الغيب هنا يدور حول أسرار البيوت والعلاقات الزوجية، وعليه هنا يكون خوف الرجال من نشوز النساء محصور فقط حول كونهن صالحات في تحقيق ما عليهن من واجب وهو (قانتات حافظات للغيب) وذلك في قوله (وَالَّلاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ).

(اللاتي) كلمة بها أكثر من حرف لام في مكوناتها وحرف اللام يدل معناه على الاستطالة في زمن أو هيئة، فإستعمال كلمة (اللاتي) هنا لها دلالة على أن هنالك مقدمات ملاحظة من الرجال على النساء في خروجهن عن التصالح على الحقوق المتبادلة بعدم القنوت وعدم حفظ الغيب مما يقود الى الخوف من أن تنهار العلاقة وبالتالي يحتاج من الرجال التدخل بإجراءات علاج تحوطية.

وهنا نأتي لنعرف إتجاه دلالة كلمة نُشُوزَهُنَّ وفقا لهذا السياق منطلقين من التشكيل على الحروف.

نُشُوزَهُنَّ: الضمين والواو والفتح على الزاي تدل على أن حركة الفعل انضمت وتجمعت ثم بدأت في الانفتاح وبالتالي في الطريق الى الظهور، يعني أن الرجال بدأوا ملاحظة حركة التغيير على نسائهم بدأت تنضم وتظهر فصرن كثيرات الشكوى ويتمردن على واجباتهن ويتحدثن بأسرار البيت في مجتمعاتهن، وهذا ما قاد الرجال للخوف بأن هذه المقدمات مندفعة الى الوصول الى حال الإنفلات الكامل عن علاقة الحقوق والواجبات بينهم وانهيار البيت، مما يحتاج الى تدخل علاجي تحوطي لمنع الوصول الى الانفلات الكامل عن علاقة البيت، فتدلنا هنا أن اتجاه حركة النشوز هنا هي إنفلات وليس التصاق، وهي انفلات عن تحقيق ما عليهن من حقوق محددة عكس اتجاه حركة النشوز في آية العظام التي تفيد تجمع، مما يعني أن النشوز هنا لا علاقة له بالالتصاق والغيرة ولا علاقة له بالابتعاد عن فراش الزوجية، انما نشوز عن القنوت وحفظ اسرار البيت. ونلاحظ أن الآية التالية لها تواصل في ذات الموضوع وذلك بتدخل الأهل حاكمين بينهما خوفا من تحقق الشقاق:

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) النساء 35

3 / نشوز البعل:

الآية الثالثة التي ذكرت فيها كلمة نشز هي:

(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) النساء 128/130

هنا الآية تتحدث عن المنظور الآخر للنشوز في العلاقة الزوجية وهو نشوز الرجل وليس المرأة، والملاحظ هنا أن الرجل أسماه الله بعل، وهذا الإسم هو المفتاح الذي يقودنا لمعرفة خوف المرأة من نشوز بعلها.

(بعل) كلمة تشترك مع كلمة (بعد) في حرفين هما الباء والعين مما يدل على أن دلالة كلمة (بعل) لها علاقة بالبعد و منتهية بحرف اللام الذي يدل على الاستطالة زمانا أو هيئة، فعليه الزوج عندما يسمى (بعلاً) يدل على أنه مبتعد عن زوجتة فترة طويلة بغياب أو نفور أو بداية مشروع طلاق أو أي سبب من الأسباب التي تقود للبعد ولذلك فإن الخوف يتولد لديها بعد أن تحولت العلاقة من زوجية الى بعلية، ومع قراءة السياق مع جملة (الأنفس الشح) وقراءتها مع آية الإنفاق في النساء 34 (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) يكون خوف المرأة يدور حول خوفها من توقف بعلها عن الإنفاق عليها وذلك إنطلاقا من دلالة كلمة (نشز) والتي كما قلنا سابقا تفيد التغير من حال الى حال واندفاع في اتجاه التغير، ووفقا لمعطيات محددة تلاحظ المرأة نشوز البعل ويكون تغيير حالته من الانفاق الى الشح أو الحالة الثانية هي الإعراض الكامل، يعني أن النشوز والإعراض هنا ليستا كلمتين متخالفتين في الإتجاه، إنما هما متفقتين في الاتجاه ولكن مختلفتين في المقدار ما بين تغير الحال من الإنفاق الى توقف عن الإنفاق، أو الى إعراض كامل عن كل المسؤوليات.

الآيتين التاليتين تدوران حول ذات الموضوع وهو علاقة الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)

الجزء من الآية (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) يحتاج منا إلى إعادة قراءة وفقا لمنظومة الحقوق والواجبات التي أشرنا اليها في الآيات السابقة.

ميزان العدل بين الرجال والنساء:

الملاحظة أن هذه الآية خبرية تشير الى العلاقة العامة ما بين النوعين (الرجال) و (النساء) وليست عن رجل واحد له نساء متعددات كما تقول كل القراءات السابقة، وذلك لأن الخطاب جمع رجال (لن تستطيعوا) وجمع نساء (بين النساء) ثم انتقل الى مفرد (فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ).

(وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ) هو وصف للعلاقة بين نوع الرجال ونوع النساء على اطلاقه فالعدل بين الرجال والنساء يكون في الحقوق والواجبات بين الطرفين والتي بدأت في الآية 34 من النساء حيث قال: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ..).

خطاب (تستطيعوا) هنا لا يخاطب الأزواج، انما يخاطب أي منظومة حكم تريد ان تجعل الميزان معتدلا بين النساء على عمومهم مع الرجال في اي علاقة حقوق وواجبات فإنه حتما ستميل كفة ميزان العدل الى الرجال وهذا يدلنا على أن الرجال مهما فعلوا للنساء رغبة في العدل مقابل ما يقدموه في الحياة بدأ بآلام المحيض الدورية قبل الزواج و مرورا بالحمل والولادة والتربية بالاضافة للقنوت وحفظ الغيب مقابل واجبات الرجل من إنفاق وهيبة وحماية فإن الرجال مهما فعلوا للنساء فلن يعدلوا بينهم وحينها يكون النشوز عن الإنفاق أو الإعراض الكامل هو كل الميل لصالح كفة الرجل، ولأن العلاقة هي علاقة أخذ وعطاء فانها تشبه الميزان ذو الكفتين، فيمكن أن تميل الى كفتك كل الميل فتكون الكفة الثانية معلقة مما يختل ميزان العدل لذا قال (فلا تميلوا كل الميل) تأكيدا على أن العدل لن يتحقق ولو حرصتم يعني أن هنالك حتما سيكون بعض الميل الى كفة الرجل.

فعليه الآية (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) لا تصف عدل رجل مع زوجاته، إنما تصف علاقة الحقوق والواجبات في الحياة الدنيا بين النوعين شاملة علاقتهم في بيت الزوجية، لذلك الله تعالى خاطب الاطراف بالاصلاح والتقوى والغفران والرحمة فإن الله هو الغفور الرحيم.

اذا اختل ميزان العدل الزوجي ولم يتمكن الحكماء من إصلاحه حينها فالآية التي تليها توضح الحل الأفضل وهو: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا).

يعني أن الآية الأولى تتكلم عن الحالة البعلية بين الزوجين والآية الثانية تتحدث عن عموم العلاقة في الحقوق والواجبات بين النوعين والآية الثالثة رجعت الى الحل النهائي للعلاقة البعلية.. والله أعلم.

4 / النشز في المجالس:

في كل الآيات السابقة لاحظنا أن معنى كلمة نشز ثابت وهو (تغيير موضعي أو فكري أو معنوي من حالة سابقة الى حالة جديدة مع اندفاع تجاه هذا التغيير) وفي كل آية اتجاه ونوع هذا التغيير يختلف وفقا للسياق الذي أستعملت فيه الكلمة.

آخر آية ذكرت فيها كلمة (نشز) نلاحظ أنها مرتبطة بالمجالس والملاحظة الأهم أن آية المجالس في منتصف آيات النجوى، مما يجعلنا نظن أن المجالس والنجوى لهم علاقة موضوعية، وهذا ما جعلنا نحاول أن نعرف ماهي النجوى لنعرف المجالس فنفهم دلالة (انشزوا) في سياق الآية:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)

(إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِصَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) المجادلة 7/12

وفقا لسياق الآيات نلاحظ أنها بدأت بالحديث عن النجوى وانتهت أيضا بالحديث عن النجوى، ودخلت آية المجالس في المنتصف مما يفيد أنها تدور حول ذات الموضوع ولكن بمنظور المجالس وليس منظور النجوى.

النجوى:

نجوى تتكون من (نج) و (جو). هي حالة الابتعاد او الانفصال الفكري او المعنوي او المادي من حال الجمع والجماعة، والكلمة في كل الآيات تدل على الإنفصال الفكري أو المعنوي أو المادي، ولكن محتوى النجوى أو أسلوبها يختلف وفقا للسياق كما في بعض الآيات التالية:

  1. (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَّسْحُورًا) الإسراء 47 (إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى): تدل على وجودهم المادي ومن يراهم يظن أنهم يستمعون الى المتكلم ولكنهم نجوى في حال انفصال معنوي وفكري عن المتكلم.
  2. (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا تُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوَى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)

(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) (قَالَ لَهُم مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى) 57/64

(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) وفقا لسياق الآيات تدل على أن هنالك اتفاق تم ما بين فرعون وحاشيته من جانب وما بين موسى وهارون من جانب على أن يكون من يثبت للآخر قوة بينته تكون له الغلبة ويكون قد أفلح اليوم من استعلى، ولكنهم (أسروا النجوى) أي أنهم أسروا فيما بينهم مهما كانت النتيجة سينفصلوا عنها وينقضوا الاتفاق حفاظا على سلطتهم على الأرض (هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم).

(مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنبياء 2/4

(لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى): هنا استمعوا الذكر المحدث ولكنهم أسروا امتناعهم وانفصالهم عن اتباع الرسول تحت دعوى أنه بشر مثلهم وما أتى به هو سحر.

  1. (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المجادلة 7 الآية هنا تدل على علم الله تعالى واحاطته بكل شئ فكل جماعة من فردين فأكثر حاولت أن تتخذ موقف انفصالي فكري ومكاني من بقية الناس وتعمل على ذلك (أي انفصلت عن الجماعة وتعمل في مؤامرة عليها) فالله تعالى يقول أنه معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة مما يدل على أن النجوى هنا شاملة عمل وليس فقط انفصال فكري ومكاني، وهي ما تشبه حالة التمرد على الجماعة.
  1. (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِصَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) المجادلة 10 (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) المجادلة 8

المجالس:

وصلنا الى أن النجوى هو حال انفصال فكري او معنوي وقد يكون انفصال عن الجماعة لنيل بعض الخصوصية مع الرسول كما في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ). الانفصال عن الجماعة يقود الى الابتعاد ثم الى محدودية المعرفة والتي تقود في النهاية الى التناجي بالاثم والعدوان ولكي يرجعهم دعاهم للتناجي بالبر والتقوى.

ومن كل هذا نصل الى أن النجوى على الجانب الآخر منها في الدلالة هي المجالس.

كلمة جلس: وفقا لدلالة الحروف المكونة لها فالجيم تدل على جمع واللام تدل على استطالة والسين تدل على همس. (جل وجلو) تدل على الانكشاف والظهور.

اذا المجالس هو وصف الحال الجمع لفترة طويلة نوعا ما ويكون فيها حوار هادي ويقود الى انكشاف وظهور معارف وعلوم كان خافية على الجميع، وحرف الف المد تدل على ان المجالس من خصائصها التجمع وأن تكون ظاهرة على خلاف النجوى التي تتميز بالانفصال والسرية.

وعليه فان الله تعالى في اطار الاصلاح المنهجي للمجتمع أمرهم بأن لا يتناجوا بالإثم والعدوان انما يتناجوا بالبر والتقوى، ثم قال لهم أن النجوى من الشيطان (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)، وأخيرا قادهم الى المجالس بديلا عن النجوى وهذا ما أدخل آية المجالس في منتصف آيات النجوى.

المجالس هي صفة لما يقوم به الناس من لم وجمع ظاهر وبائن لفترة زمنية طويلة بسلاسة وسهولة مما يدل على التوافق الفكري بينهم والمجالس تدل على فعل حواري من اجل الوصول الى نتائج.

وأخذت الأماكن التي تتم فيها العملية اسم (المجالس) مع أنها صفة للحدث وليس المكان مما يعني أن المجلس يمكن أن يكون على زووم.

عندها وفقا لهذا الوصف كل ما تحمل هذه الصفات فهي مجالس فالاجتماعات مجالس بغض النظر عن موضوع الاجتماع ما دام أنه يدور بصورة سلسة ويقود الى نتيجة يجمع عليها الجالسين واماكن اللقاءات الاجتماعية للحوارات مجالس، لذلك نقول مجلس الوزراء ومجلس النواب والتي لا تدل على المكان انما تدل على الجماعة المتجانسة التي تجتمع من اجل الوصول الى نتائج وحلول للمشاكل.

وعليه فإن الآية التالية هي آية تعليمية لنا لنخرج بأفضل ما يمكن من المجالس بدلا عن حال النجوى والانفصال:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

الآلية الأولى هي التفسح في المجالس وهي عملية التوسع الفكري والمعرفي الذي يدور حوله المجلس، فكلما فسحنا وتوسعنا في أفكارنا وتحررنا من ضيق الأفق وقيود الأفكار الآبائية كلما وسع الله للمجالسين في علمهم وهي حالة تقارب آية تزكية النفس (قد أفلح من زكاها) فكلما زادت تزكيتها ومعارفها كلما فلحت في دنياها.

الآلية الثانية هي النشوز والتي عن طريقها يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتو العلم درجات.

الاختلاف بين التفسح والنشوز في المجالس:

نلاحظ أن أمر التفسح جاء مصحوباً باللام والضمير (كم) مما يفيد ان التفسح مقدرة يمتلكونها والتفسح تدل على التوسع، ويجب أن نلاحظ أن المجالس ليست الأماكن وليس الناس انما هي المواضيع التي يتناقشون حولها والتوسع في المجالس حينها تفيد التوسع في الأفكار التي يتجالسون حولها، وكلما زاد تفسحهم كلما فتح الله عليهم بأفكار جديدة، ثم بعد ذلك قال (واذا قيل أنشزوا فأنشزوا) من دون (لكم).

المجالس هي حوارات جماعية حول أمور تخص الجماعة، والتفسح فيها يوسع المعرفة، وحينها جاء الأمر (بأنشزوا) والنشز قلنا أنه حالة التغير من حال الى حال مما يجعلنا نحاول معرفة الاختلاف ما بين التفسح في المجالس من دون نشز بعده، والتفسح في المجالس مع النشز بعده:

أي مجلس كما قلنا هو حال تجمع جماعة للحوار حول مواضيع محددة وكلما زادت الفسحة المعرفية في المجلس كلما تم طرح حلول أفضل للمشاكل، فإذا إنفض الجمع وكل واحد متمترس حول رأيه فإن أي فرد في الجماعة سيخرج بذات قناعاته وآرائه التي دخل بها مما يرجعنا مرة أخرى الى التشرزم والإنفصال والنجوى.

ولكن عندما يقوم الأفراد بتغيير قناعاتهم وأفكارهم وفقا للفسحة المعرفية التي اكتسبوها من المجالس أي نشوزهم من قناعاتهم وأفكارهم قبل المجالس فينشزون الى الأفكار والمعارف التي اكتسبوها حينها النتيجة الحتمية هي الرفعة (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فينشروا من التواضع المعرفي الى الرفعة العلمية.

ومن هنا نصل الى أن كلمة النشز هنا ليست مخالفة للفسح إنما دلالتين لا علاقة لهم ببعضهم البعض، فالفسح يدل على الوسع المعرفي والنشز يدل على حالة التغير من التواضع العلمي الى الرفعة العلمية والله أعلم.

الخلاصة:

كلمة نشز وفقاً لتصريفاتها المختلفة في القرآن الكريم كلمة لا إتجاه لها في الدلالة وإنما إتجاه دلالتها يتحدد في كل آية منفصلة.. والله أعلم.

أستاذ مهندس علاء الدين محمد بابكر

الأستاذ علاء الدين محمد بابكر، مهندس ومفكر وباحث متميز في مجال الدراسات القرءانية. يُعرف بأعماله الفكرية العميقة ومساهماته القيمة من خلال العديد من المقالات البحثية التي تعكس رؤيته التحليلية الدقيقة للنصوص القرءانية. ومن أبرز إنجازاته كتابه الشهير "آذان الأنعام" الذي كتبه مع أخيه المرحوم الدكتور عماد الدين محمد بابكر، الذي يُعتبر مرجعًا هامًا لفهم وتحليل النصوص القرءانية. وله من الاصدارات بالاضافة لاذان الانعام، له نظرية الفجور والتقوى وكيف نحي الموتى ويتميز بأسلوبه البحثي الرصين والجمع بين الدقة العلمية والرؤية التحليلية، مما يجعله أحد الشخصيات البارزة في الدراسات القرءانية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى