
ألهاكم التكاثر: من لهو الكثرة إلى سؤال النعيم
نحن نَعُدّ النعيم… ثم نُسأل عنه
قال تعالى:
﴿أَلْهَىٰكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.
تبدأ السورة بالتكاثر وتنتهي بالنعيم. وبين البداية والنهاية ينتقل الإنسان من موقع من يَعُدّ ويقارن، إلى موقع من تقع عليه المساءلة: ﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾.
وهذه الحركة هي مفتاح السورة؛ لأنها لا تهاجم امتلاك الإنسان للنعيم، ولا تجعل الكثرة في ذاتها مشكلة، وإنما تكشف ماذا يحدث عندما تتحول الكثرة إلى مقياس، ويتحول النعيم إلى مادة للمفاضلة.
ومن هنا كان أول فعل في السورة: ﴿أَلْهَىٰكُمُ﴾.
﴿أَلْهَىٰكُمُ التَّكَاثُرُ﴾
يُفسَّر اللهو كثيرًا بمعنى «الانشغال»، لكن الانشغال وحده لا يكشف دلالة الكلمة؛ فالإنسان ينشغل بعمله وأسرته وعلمه ومسؤولياته، ولا يكون بذلك لاهيًا.
والقرآن يعطينا مدخلًا أدق في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. فالتعبير هو: ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ، وليس:
«حديث اللهو». والفرق بينهما مهم :
حديث اللهو يكون حديثًا موضوعه اللعب أو التسلية، أما ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ فالحديث نفسه هو الذي يدخل في مجال اللهو أي يُتعامل مع الخطاب الجاد بالاستخفاف والهزء حتى تُسقط جديته ويُعطَّل أثره، ولذلك جاء في السياق نفسه: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾. فاللهو لا يقتضي غياب الحقيقة، بل قد تكون الحقيقة موجودة ومعلومة، ولكنها فقدت موقعها الجاد وأثرها الحاكم.
ومن هنا نفهم: ﴿أَلْهَىٰكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فالتكاثر هو الذي أنتج هذه الحالة؛ جعل مقياس الكثرة قادرًا على تعطيل أثر ما ينبغي أن يبقى جادًا وحاكمًا في حياة الإنسان.
ولم يقل: «ألهاكم الكثير» ، بل: ﴿التَّكَاثُرُ﴾.
والكثرة غير التكاثر : الكثرة تصف مقدارًا موجودًا، أما التكاثر فيصف حركة تقوم على الزيادة والمقارنة والمفاضلة بالكثرة.
ويكشف القرآن ذلك في قوله: ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. فالمال الكثير ليس هو المشكلة، ولا كثرة الأولاد في ذاتها، وإنما دخول هذه الأشياء في منظومة: من الأكثر؟ واللافت أن سورة التكاثر لم تقل:
«ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد» ، بل أطلقت: ﴿التَّكَاثُرُ﴾. فبقي المجال مفتوحًا لكل شيء يستطيع الإنسان أن يحوله إلى وحدة للمفاضلة.
كانت وحدات التكاثر قديمًا أموالًا وأولادًا وقبائل، ويمكن أن تكون اليوم أرصدة وعقارات وشركات ومناصب وشهادات ومتابعين ومشاهدات ونفوذًا وشهرة. وقد يدخل العلم نفسه في التكاثر إذا أصبح السؤال: كم شهادة لدي؟ لا ماذا أنتج علمي؟ وقد يدخل العمل الخيري فيه إذا أصبح الرقم والصورة والمكانة أهم من الأثر الذي تحقق. فالمشكلة ليست في النمو:
النمو تزداد فيه الوسيلة لخدمة الوظيفة، أما التكاثر فتصبح فيه الزيادة نفسها هي الوظيفة.
﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
ثم تكشف الآية التالية إلى أي حد وصل هذا التكاثر:
﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



