ثنائية السماوات والأرض في التصور القرآني

ثنائية السماوات والأرض في التصور القرآني
حين يتحدث القرآن عن الخلق يقرر مبدأً أساسياً، وهو أن القدرة الإلهية على الإيجاد لا حدود لها. قال تعالى:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
فالنص لم يقل: مثلَهما بصيغة التثنية، بل قال: مثلهم بصيغة الجمع، للدلالة على أن قدرة الله على الخلق مفتوحة بلا حد، وأن إمكان الإيجاد غير مقصور على هذه المنظومة. فهذه الآية تتحدث عن إمكان الخلق لا عن وقوع خلقٍ آخر بالفعل.
لكن حين ينتقل القرآن إلى الحديث عن الوجود المتحقق المحفوظ، تتغير الصيغة ويستعمل التثنية، كما في قوله تعالى:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
فجاء الضمير مثنى: حفظهما، أي حفظ السماوات والأرض، مما يدل على أن المنظومة الكونية القائمة في الخطاب القرآني محصورة في هذين القطبين: السماوات والأرض. فلو كان هناك في الوجود منظومات أخرى قائمة بذاتها خارج هذا الإطار، لاقتضى السياق أن يقال: حفظهم، لأن الحفظ حينئذٍ سيتعلق بعدة منظومات لا باثنتين.
ويؤكد القرآن هذا الحصر في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.
فجعل ما في الوجود داخل نطاق السماوات والأرض، ثم قرر إحاطة الله بكل شيء، أي بكل ما يدخل في هذه المنظومة.
ويأتي دليل آخر في قوله تعالى:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
فالكرسي – بوصفه رمز الإحاطة والعلم والسلطان – قد وسع السماوات والأرض. ولو كانت هناك منظومات خلق أخرى خارج هذا النطاق، لكان مقتضى البيان أن يذكرها ضمن ما يسعه الكرسي، لأن إحاطة العلم والسلطان الإلهي لا تقبل النقص.
وعليه فإن الخطاب القرآني يعرض الوجود المتشيّأ ضمن ثنائية كونية واحدة هي: السماوات والأرض، بينما يظل إمكان الخلق مفتوحًا من حيث القدرة الإلهية، دون أن يدل النص على وقوع منظومات أخرى بالفعل.
تابعنا على التطبيق
أندرويد ->تحميل
أبل -> تحميل
أو عن طريف المتصفح دلالات القرآن



